أهمية وراهنيّة دروس ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى
هيئة تحرير نضال الشعب
إن مُثل ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى حيّة في قلوبنا، وإننا سنستمر بالنضال من أجل تحقيق هدف هذه المُثل، من أجل إحلال مجتمع العدالة الاجتماعية، مجتمع حرية الإنسان، من أجل بناء عالم جديد تسوده الأخوّة بين الشعوب.
إنها أعظم حدث سياسي، اجتماعي، واقتصادي في القرن العشرين، بل الحدث الذي طمح إليه وسعى نحوه كبار المفكرين والمصلحين خلال تاريخ البشرية الطويل.
يقول لينين: “بانتصار ثورة أكتوبر تكون قد حلت تلك اللحظة التاريخية التي تتحول فيها النظرية إلى تطبيق، وتُصحَّح بالتطبيق، وتُفحَص بالتطبيق”.
والتطبيق العملي الذي جرى بعد الرحيل المبكر للينين بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي، حزب البلاشفة، وعلى رأسهم يوسف ستالين، ذلك المناضل ذو الرأس المفكر واليد العاملة ولباس الجندي البسيط، أثبت القدرات الهائلة للمجتمع الاشتراكي في حال قيادته المبدئية والثابتة والمقدامة والمبدعة.
ولا نكتفي بالجوانب المتعلقة بتطور القوى المنتجة مع تقديرنا لأهميتها الأساسية، بل ننظر إلى المحتوى الاجتماعي المرافق لهذا التطور.
فقد كان من نتيجة انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بناءُ مجتمع العدالة الاجتماعية القائم على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج على سدس اليابسة، ذلك المجتمع الذي ألغى استثمار الإنسان للإنسان، وطبّق فعليًا مبدأ التآخي بين الشعوب. وهذا درس كبير يبيّن بشكل جلي أن سعادة البشرية لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، ولتحقيق هذه الملكية لا بد من سلطة الكادحين، سلطة الطبقة العاملة المتحالفة مع صغار الكَسَبة، أي لا بد من دكتاتورية البروليتاريا.
نعم، نحن نستفيد من التجارب الثورية ونطبّق المبادئ العامة، ولكن هذا لا يعني أنه علينا أن نقلّد كل شيء بحرفيته. فكما قال ماركس: “يجب السعي ليس إلى إعادة الماضي، بل إلى بناء المستقبل”.
لذلك نحن نحافظ على المبادئ العامة ضمن الظروف الموضوعية القائمة والمتغيرات المستجدة.
لقد توصّل الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، في بحثه العلمي عام 1992 بعنوان: “حول الثورة المضادة في الاتحاد السوفييتي”، إلى استنتاجات تحتفظ بأهميتها في الوقت الحاضر، وهي:
1. إن النظرة الواحدية للعالم تعني أن العالم المعاصر هو كلٌّ متكامل، ولا يوجد فيه تطور لكيانٍ ما دون تأثير كيانٍ آخر عليه. والتعريف العميق لسِمة العصر — عصر الإمبريالية والثورة الاشتراكية — يعني أن هناك منظومتين متناحرتين تتفاعلان بشكل صراع، ولا ينتهي هذا الصراع إلا بالقضاء على المنظومة الرجعية اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا، أو (وهذا الشيء وارد في عصرنا النووي) بالقضاء على المنظومتين معًا.
إن الاشتراكية أثّرت بلا شك على الرأسمالية، وما حقّ العمل لثماني ساعات، والضمان الاجتماعي، والتحسين الملحوظ في مجمل الخدمات الصحية والاجتماعية في الدول الإمبريالية، وكذلك توسيع الحريات الديمقراطية البورجوازية… إلخ، إلا نتيجة تأثير الاشتراكية على الرأسمالية، إذ تحمي الرأسمالية نفسها من التأثيرات الاشتراكية بالقيام بهذه التنازلات من جهة، وبتطبيقها الصارم لدكتاتوريتها التي غالبًا ما تكون مُغلّفة بغلاف ديمقراطي من جهة أخرى، ولكنها عند الضرورة تكشف وجهها الوحشي السافر.
كذلك فإن الرأسمالية أثّرت على الاشتراكية، وهذا ما رأيناه بأعيننا في الفترة الأخيرة.
ولكي تحمي الاشتراكية نفسها من التأثير الإمبريالي لا بد أن تطبّق دكتاتورية البروليتاريا حتى يتحقق الانتصار العالمي التام للثورة الاشتراكية. فطالما لم ينتصر العمل على الرأسمال على النطاق العالمي، فستبقى البشرية تعيش المرحلة الانتقالية إلى التشكيلة الأعلى، وهذه المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تكون إلا دكتاتورية البروليتاريا، كما اكتشف ذلك ماركس وبيّنه في نقده لبرنامج غوتا.
2. إن تطوير الديمقراطية على يد القوى الطليعية مهمة دائمة في المجتمع، فكما يشير إنجلز، يجب أن يتناسب مدى تطور الديمقراطية طردًا مع مدى تطور القوى المنتجة، ومدى تطور المستوى الحضاري للأفراد الذين سيمارسونها. وفي الوقت نفسه لا بد من التركيز على أهمية النظرة الطبقية للديمقراطية باعتبارها شكلًا من أشكال ممارسة الهيمنة الطبقية. فالديمقراطية الصرفة لا وجود لها في الحياة، ومن يسير وراء هذه الأوهام البورجوازية الليبرالية والبورجوازية الصغيرة يفقد البوصلة الطبقية ويسلّم مواقعه في نهاية المطاف إلى البورجوازية.
فالبلدان الاشتراكية سابقًا عندما رفعت شعار “الديمقراطية الصرفة” فقدت ديمقراطية العمال والفلاحين وأضاعت حقوقهم الأساسية بإحلالها في نهاية المطاف ديمقراطية الرأسمال، أي دكتاتوريته.
فلا الطبيعة ولا المجتمع عندهما مفهوم الفراغ، فعندما تُزال الاشتراكية يحل محلها الرأسمال، ولكن يجب أن لا ننسى أن العكس صحيح تمامًا، وثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى أثبتت ذلك.
3. لا يجوز الانجرار وراء الشعارات التي يطرحها العدو الطبقي واعتبارها مسلّمات، وحصر المهمة فقط بكيفية تطبيقها بالشكل الأمثل والأقل ضررًا بمعيشة جماهير الشعب. هذا ما حصل بالنسبة لمقولة “اقتصاد السوق”، بما يتضمنه من سيادة علاقات الإنتاج الرأسمالية في نهاية المطاف.
فعوضًا عن رفض ودحض هذه المقولة الغريبة عن الاشتراكية، بل والأكثر من ذلك، الخطر الأساسي على النظام الاشتراكي، انساقت غالبية المنظّرين في الحزب الشيوعي السوفييتي في محاولة يائسة لتبريرها وإيجاد طرق لملاءمتها مع النظام الاشتراكي، أي حاولوا أن يجمعوا بين النار والماء.
4. برهنت الأحداث على مدى أهمية وخطورة أجهزة الإعلام كمكوّن أساسي للرأي العام. فالإعلام العالمي بشكل عام خاضع للنفوذ الصهيوني المهيمن، ولكسب الرأي العام لا بد من محاربة الإعلام الإمبريالي–الصهيوني بشكل دائم وجدي ومبتكر ومتطور دومًا.
5. أثبتت الأحداث صحة النظرة اللينينية إلى الوسطية باعتبارها أخطر حتى من الانتهازية اليمينية السافرة، فالوسطي يتكلم بتعابير قريبة من تعابير الشيوعي المبدئي، لكنه يغطي بهذا الكلام تمريره الكامل للسياسة اليمينية. فالمرء يجب أن يُقيَّم بأفعاله لا بأقواله مهما كانت ثورية.
6. كما أثبتت الأحداث مرة أخرى أن التنظيم الحزبي ليس مجالًا للمساومات، إذ إن وضع اليمينيين والوسطيين في المراكز القيادية، بل حتى المفتاحية، في الحزب بحجة إمكانية “ترويضهم وكسبهم”، يؤدي عمليًا إلى شلّ قدرات الحزب ويمهد لتحويله إلى نادٍ للثرثرة والكلام الجميل أو غير الجميل بدلًا من كونه الفصيل الطليعي الموحّد الإرادة والعمل. ويفسح هذا الوضع المجال الكامل لخيانة الأشخاص الذين وُضعوا في المراكز القيادية في اللحظات الحاسمة والحرجة، وبالتالي إلى شلل الحزب الجزئي أو الكلي. أي إن التعايش بين المبدئيين واليمينيين والوسطيين والانتهازيين في حزب واحد يؤدي إلى أن يصبح هذا الحزب عاجزًا عن القيام بالمهام التوجيهية والريادية النضالية المطلوبة منه في اللحظات الحاسمة.
ومن الدروس الأساسية في التراث الثوري العالمي التي لم تفقد قيمتها بل ازدادت أهميتها مبدأ الأممية البروليتارية.
إن الأممية البروليتارية تعني الوحدة العالمية للطبقة العاملة في نضالها من أجل القضاء على العبودية الرأسمالية وبناء الاشتراكية ومن ثم الشيوعية، ومن أجل الاستقلال الوطني للشعوب والديمقراطية.
فكما يشير لينين: “إن الرأسمالية قوة عالمية، ومن أجل الانتصار عليها لا بد من الاتحاد العالمي للعمال، التآخي العالمي للعمال”.
فإذن الأممية البروليتارية ليست تعبيرًا عن الروح الطيبة فقط، بل انعكاسٌ للضرورة الموضوعية. إن الأساس الاقتصادي الذي تنتج عنه الأممية البروليتارية هو الطابع الاجتماعي للإنتاج والطبيعة العالمية للقوى المنتجة التي ترافق التطور الرأسمالي.
إن ضرورة الوحدة الأممية للطبقة العاملة تظهر بجلاء في ظروف الإمبريالية، حيث تشكل الاحتكارات اتحادات رجعية عالمية مرتبطة فيما بينها باتفاقات متنوعة، وتؤسس أحلافًا عسكرية موجهة ضد الحركة الثورية وحركة التحرر الوطني. بل يمكن أن نقول إن الإمبريالية المعاصرة تشكل تهديدًا عامًا للشعوب ولبقاء الجنس البشري أجمع.
لذلك، فالظروف الجديدة لا تؤكد فقط ضرورة زيادة التضامن والتنسيق الأممي بين الأحزاب الماركسية–اللينينية، بل تملي ضرورة تكوين جبهة عالمية واسعة مناهضة للإمبريالية.
إن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بيّنت بشكل جلي أنه يمكن بناء مجتمع جديد قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية، والمتنافي بجوهره مع استغلال الإنسان للإنسان وشعبٍ لشعب.
لقد أثبتت أن هناك طريقًا آخر غير طريق الاستغلال والنهب، وأن هناك مجتمعًا آخر غير المجتمع الذي تسوده قوانين الغاب، وأنه في نهاية المطاف لن يصح إلا الصحيح، فما دامت الرأسمالية تلد في كل يوم وكل ساعة حفّار قبرها — الطبقة العاملة — فإن طريقها إلى لحدها محتوم مهما كان متعرّجًا، والذي سيسرّع هذا المسير هو وجود الأحزاب الشيوعية المتمسكة بالماركسية–اللينينية، المرشد العلمي للطبقة العاملة وسائر الكادحين.
وما كُتب على تمثال ماركس وإنجلز في برلين الشرقية بحبر لا يُمحى له دلالته: “المرة القادمة ستكون أفضل.”


