إضاءة على التوجهات الأساسية في “استراتيجية الأمن القومي الأمريكي”
خالد الحكيم
نشرت هذه الإستراتيجية في مطلع ديسمبر العام 2025، ويبرز فيها بوضوح سعي الإمبريالية الأمريكية نحو تصعيد شامل، في إطار سعيها حسم التناقضات الإمبريالية البينية المتصاعدة لصالحها، مما ينذر بتصاعد الحروب في مختلف أنحاء العالم، و التي ستدفع ضريبتها الشعوب أكثر فأكثر.
وفي إطار هذا السعي، لا زالت الولايات المتحدة تعتبر أن محور الصراع الدولي الرئيس هو المواجهة بينها وبين الصين، ومن هنا، فهي تقيم الصين كعدو استراتيجي أول، وتعتبرها المنافس الرئيس لها، على صدارة النظام الإمبريالي العالمي، ولذا كل الأساليب والوسائل مباحة في هذا الصراع، ولأجل إزاحتها أو إزالتها، فلا بد من الاستمرار في استراتيجية تقوم على الحفاظ على التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والصناعي والتقني….الخ، مع توظيف غير مسبوق لما تسميه “القوة الناعمة”، أي اختراق الدول والأنظمة عبر الإعلام بوسائله المتنوعة، وكذلك عبر شبكة العملاء والجواسيس وما يسمى منظمات المجتمع المدني ….الخ.
ما يؤكد هذا التقييم، هو تحويل الإمبريالية الأمريكية، منطقة المحيطين الهندي والهادئ (لاسيما بحر الصين الجنوبي وتايوان) إلى بؤرة صراع قادمة، وذلك تحت ذرائع تأمين حرية الملاحة وسلاسل إمداد آمنة وموثوقة….الخ،
لكن الولايات المتحدة الأمريكيه تدرك جيداً أنها غير قادرة على مواجهة الصين منفردةً، خصوصاً، أنها أيضا ماضية في التسلح بوتائر متسارعة، لذا تفرض الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين والآسيويين (كوريا الجنوبية -اليابان ) تحمل قسطاً أكبر في أعباء المواجهة العسكرية والسياسية المتصاعدة، ولأجل إزاحة (العدو) الصيني أيضاً، لابد من تقويض العلاقة الاستراتيجية المتصاعدة بين الصين وروسيا، لذا تعمل على تحقيق ما تسميه (الاستقرار الاستراتيجي) مع الخصم الروسي والخصم غير العدو، أي يمكن المناورة معه، ولكن هذا يؤجج في الوقت نفسه التناقضات ضمن المعسكر الأورو أطلسي، على خلفية الحرب الإمبريالية في أوكرانيا.
وأيضا تمارس الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطاً هائلة على الدول التي تربطها علاقات مع الصين، خصوصاً فيما تعتبره (حديقتها الخلفية)، أي بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وأنها ستدفع ثمناً باهظاً إذا لم تقطع علاقاتها مع الصين (عودة مبدأ مونرو سيء الصيت).
بكل تأكيد فإن العدوان على الشعب الفنزويلي، واختطاف مادورو وعقيلته والحصار والتهديدات القديمة الجديدة ضد كوبا، والتهويل ضد المكسيك و كولومبيا وغيرها، هي رسائل واضحة الاتجاه في هذا السياق.
وللاطلاع على حجم التغلغل الصيني في هذه القارة، تشير صحيفة «ريزوسباستيس » لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني إلى أن : «مجموعة دول أمريكا اللاتينية و الكاريبي (سيلاك)، والتي تضم 33 بلداً، ترتبط بعلاقات وثيقة مع الصين، بينما تشكل الصين، الشريك التجاري الأول لبلدان مثل البرازيل وبيرو وتشيلي متقدمةً، على الولايات المتحده الأمريكية».
فيما يتعلق بأوروبا، ورغم الإقرار بأنها لاتزال “ذات أهمية استراتيجية وثقافية حيوية” ، إلا أنها عملياً تريد من دول الاتحاد الأوروبي زيادة الإنفاق العسكري وتقوية جيوشها خدمةً للاستراتيجية الأمريكية ضد الصين، وبعبارة أدق، فهي تريد تحويل الحلفاء إلى أدوات لا شركاء.
وفيما يتعلق بمنطقة شرق المتوسط، فالأولوية لم تتغير، وهي ردع أي قوة تهدد النفط و الغاز وممرات الطاقه الاستراتيجية، وهي استمرار لنهجها الإمبريالي الذي يتضافر مع مشروع آخر، وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد أي ((مشروع صهيون الكبرى))، كما يسمى في أدبيات الحزب الشيوعي السوري، والذي يهدف إلى تفتيت الدول الوطنية، وتفكيكها إلى دويلات وكانتونات (على أسس طائفية وعرقية وإثنية )، متصارعة، متناحرة، لاحول لها ولا قوة، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة في بلادنا عبر أدواتها، خاصة السلطة الظلامية، فالمجازر المتنقلة لهذه السلطة، من الساحل السوري إلى السويداء مروراً بحمص وريفها الغربي وبعض أحياء حلب وصولاً إلى الجزيرة السورية، خير شاهد على عمالتها ودورها الوظيفي في هذا المشروع القذر، كما تحاول الإمبريالية الأمريكية و الصهيونية العالمية، تمرير المشروع المذكور في إيران وصولاً إلى العمق الروسي والصيني على المدى البعيد.
ومن الواضح أن هذا المشروع، يخدم اسرائيل الصهيونية فقط وفقط، ومهما كانت التأويلات لهذا المشروع، إلا أنه اقتصادياً يستند إلى العناصر التالية :
1- استغلال اليد العاملة الماهرة والرخيصة.
2 – الإعتماد على المياه النابعة من الأراضي التركية في أعالي الاناضول .
3 – استثمار الأموال العربية، وليس الرساميل ، لأن الرأسمال هو المال العامل الفاعل، أما الأموال العائدة لأثرياء العرب فهي بمعظمها موظفة في الدول الإمبريالية وتدار من قبل الغير .
4 ـ الإدارة ((الإسرائيلية)) … وكل ذلك بإشراف أمريكي.
إن الشعار الذي يرفعه الحزب الشيوعي السوري : (نحو أوسع جبهة عالمية معادية للإمبريالية) ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة لإنقاذ البشرية من الفناء الذي يتهددها، نتيجة صراع الضواري الإمبريالية فيما بينها، وامتلاكها أسلحة دمار شامل قد تخرج عن السيطرة في أي وقت، خصوصاً وأن
(الحلول الدبلوماسية ) تتراجع ومنطق الحرب في صعود، فلا خيار أمام البشرية التقدمية إلا خيار إسقاط المنظومة الرأسمالية العفنة، وفي مقدمتها الإمبريالية الأمريكية، وفتح الآفاق الرحبة، نحو الاشتراكية ودونها الفناء.


