الاقتصاد المؤدلج والنظرة الطبقية والوطنية الواضحة!
ظافر العسلي
ما ميز الاقتصاد السوري ومنذ فجر الاستقلال هو طابعه الوطني، أي هيمنة البرجوازية الوطنية على مفاصله الرئيسية، وهو بهذه الصفة الأساسية شكّل حاضنته التحررية المعادية لمشاريع الإمبريالية الاوربية الكولونيالية والنيوكولونيالية، مجسّداً المقولة الماركسية الشهيرة ( السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد )، ولذلك رأينا كيف تكالبت المؤامرات على سوريا وصولاً لوضعها الحالي، ويدخل في هذا الإطار، الانقلابات العسكرية الرجعية بين أعوام 1949-1953 كمقدمات ضرورية لجر سوريا الى الأحلاف والمعاهدات الثنائية والمشتركة والمعروفة تاريخياً (حلف بغداد –سوريا الكبرى- مبدأ ايزنهاور القائم على إملاء الفراغ في شرق المتوسط بعد انسحاب الاستعمارين الفرنسي والبريطاني من المنطقة ) بنتيجة الحرب العالمية الثانية وصعود نجم الإمبريالية الأمريكية، التي استفادت اقتصادياً من إعادة إعمار أوربا بعد الحرب من خلال مشروع (مارشال) وكذلك احتضانها لإسرائيل الصهيونية تعبيراً عن الاندماج الذي حصل بين رأس المال المالي الأمريكي وشريكه اليهودي .
إن الاقتصاد البرجوازي السوري الواضح بعد الاستقلال من حيث توجهه العام، أجّج الصراع الطبقي داخلياً بتأثير جملة من العوامل الخارجية والداخلية وأهمها :
– انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية ،وهزيمة النازية الألمانية خصوصاً، وتوسع المد الثوري التحرري في البلدان المستعمرة، وسوريا في مقدمتها، أي انتصار الإيديولوجيا الاشتراكية العلمية كفكر على الصعيد العالمي بالمحصلة.
– تنامي الوعي الثوري الداخلي بأشكاله المتعددة، من يسارية تقدمية وشيوعية لدى الطبقة العاملة الناشئة ببطئ، والفلاحين الفقراء نتيجة الاضطهاد الإقطاعي وكبار الملاكين العقاريين .
– الى جانب التمايز الواضح على ضفتي الصراع الطبقي وخاصة في الريف، برزت شريحة وسطى واضحة الملامح مميزة السمات، من المثقفين والبرجوازية الصغيرة والتي لعبت دور المِلاط الإسفنجي المخفف للصدمات بين ضفتي الصراع، وكان لهذه الشريحة مستويين من التمثيل الاجتماعي، مستوى قريب من البرجوازية الكبيرة وآخر أقرب للطبقة العاملة ومن هذا المستوى بالذات، خرج المثقفون الثوريون والبرجوازيون الصغار نحو اليسار وقسم منهم سمّي لاحقاً بالديمقراطيين الثوريين، وآخرون اتجهوا نحو الحزب الشيوعي السوري كإيديولوجية واضحة.
إن من مفرزات الاقتصاد البرجوازي الوطني وحوامله، كانت الحريات الديموقراطية التي سادت في الخمسينات وتحديداً بعد عام 1953،مما ساهم في دخول أول نائب شيوعي في دنيا العرب الى البرلمان، وهو الرفيق خالد بكداش، ولكن الوحدة السورية المصرية وقيام الجمهورية العربية المتحدة، التي لم تأخد بعين الاعتبار الظروف الموضوعية لدولتي الوحدة وأسبابٌ آخرى، أدت بمجموعها الى انهيار دولة الوحدة عام 1961، وفي ذات الوقت قطعت سلسلة الحياة الديموقراطية، وخاصة البرلمانية منها حيث كانت سوريا رائدة فيها، فعلى أرضية الاقتصاد الوطني بطابعه البرجوازي حدثت تحولات اقتصادية هامة خلال عقد الستينات وأواسط السبعينات، وكان أهمها قانون الإصلاح الزراعي الجذري والتقدمي والذي أوجد حاضنة اجتماعية داعمة للتحولات التقدمية، وهم الجماهير الفلاحية وممثلوها من المستوى الثاني من الشريحة الوسطى، أي الفلاحون الفقراء المستفيدون جداً من هذا القانون، وقسم من المثقفين الثوريين، مما هيأ المجال بالاستناد الى التأميمات الكبرى للرأسمال الاجنبي والملكية الكبيرة أواسط الستينات تحديداً لتشكل قطاع عام ( قطاع دولة )، أي رأسمالية الدولة ذات الطابع الاجتماعي، وهو أكبر رأسمالي وطني في وجه الإحتكارات الأجنبية، كما وصفه الرفيق خالد بكداش، وظهور مشاريع عملاقة كسد الفرات الذي أدّى بدوره الى كهربة البلاد و استصلاح الأراضي وغيرها من مشاريع التنمية، ترافقت بجملة من المكاسب الاجتماعية، لصالح أغلبية الجماهير، يأتي في مقدمتها التعليم المجاني الشامل وشبكة الرعاية الصحية، من مشافي ووحدات صحية انتشرت على مساحة الوطن، وذات طابع مجاني أيضاً، وتلك المنجزات بمجملها شكّلت القاعدة المادية والاجتماعية لصمود سوريا، بوجه الامبريالية والصهيونية وقاعدتها إسرائيل، فكانت حرب تشرين التحريرية وكل الحروب الوطنية التي حدثت بعد ذلك، إذ كانت سوريا في جميع تلك المراحل حاضنة الصمود وداعمة المقاومة، ولكن انحسار الحياة الديموقراطية التي سادت أواسط الخمسينات كما ذكرنا، أثّر بشكل واضح على هذه المنجزات التقدمية لاحقاً، الأمر الذي حذر منه الرفيق خالد بكداش مبكراً، من خلال نظرته الطبقية المستندة الى الماركسية اللينينية حيث قال من حيث المضمون (بأن المنجزات التقدمية إذا لم تترافق بالحريات الديموقراطية،التي تمنح الحاضنة الاجتماعية المستفيدة من هذه الإنجازات، أي العمال والفلاحون وباقي الشرائح الوطنية حرية المراقبة والانتقاد والمحاسبة، قد تتشكل شريحة ترث امتيازات الطبقة المالكة المخلوعة دون ان ترث ملكيتها) وهذا ما حصل، إذ تشكلت البرجوازية الطفيلية والبرجوازية البيروقراطية اللتان نهبتا الانتاج، ما أدى لتشكيل ثروة طفيلية منهوبة لا علاقة لها بالإنتاج الحقيقي، من خلال التعهدات والسمسرة وتعويم ثقافة الفساد والنمط الاستهلاكي الاستفزازي، وأفرزت من بين صفوفها شريحة لا وطنية مرتبطة بالاحتكارات الإمبريالية كشريك صغير، وكما تراجعت الحياة الديموقراطية البرجوازية من برلمانية وغيرها، والتي ارتبطت بالاقتصاد البرجوازي الوطني، كذلك لعبت هاتان البرجوازيتان، ورأس حربتها الكومبرادور دوراً تخريبياً في عملية التقدم الاجتماعي، بأن انتقلت الى الاقتصاد الليبرالي، المعبّر عن سياسات صندوق النقد الدولي وغيره من المراكز الامبريالية المتخصصة، في تخريب اقتصادات دول التحرر الوطني تمهيداً للهيمنة السياسية عليها لاحقاً .
إن توقف عملية التقدم الاجتماعي وصولاً الى القطيعة التامة معه، أعطى الساحة السياسية والاقتصادية السورية شكلها المميز اقتصاد ليبرالي يقوده الكومبرادور وتراجع كبير في الحريات الديموقراطية، بالرغم من وجود الهياكل المؤسساتية عديمة الفعالية كالبرلمان وغيره بسبب هيمنة العقلية البونابارتية لدى السلطة الحاكمة والابتعاد عن مصالح الجماهير وخاصة الكادحة منها‘‘، مما شكل أرضية خصبة للقوى الرجعية الداخلية تاريخياً، وأساسها الإخوان المسلمون التي قويت شوكتها بالدعم الخارجي الإمبريالي والرجعي وصولاً لحالة الانفجار مع بداية أحداث ما سمّي ( الربيع العربي)، والتي باستمرارها أحدثت شرخاً كبيراً بين السياسة الوطنية التي انتهجها النظام في مواجهة العدو الصهيوني وداعميه، والإهمال الكبير للوضع الداخلي، الذي أصبح مرتعاً لفساد الأسرة الحاكمة وتابعيها، والتي راكمت الثروات على حساب الشعب والتنمية الاقتصادية الوطنية لمفاصل الإنتاج الرئيسية وهي الزراعة والصناعة.
إن الهيمنة الاستعمارية بواجهة رجعية ظلامية لا وطنية، ومحاولتها لتثبيت أركان سلطتها الاقتصادية ناهيك عن السياسية والإدارية في تربة سوريا، تصطدم بهذه السلسلة التاريخية، وإعادة إعمار سوريا وتطويرها اقتصادياً بذات الأسلوب، أي بقيادة الكومبرادور الواضح والاستثمارات الخارجية، وخاصة أموال الخليج كما يشاع، هو وهم، فالرأسمال الخارجي لن يغامر بدون ضمانات أمنية وقانونية وأوضاع مستقرة لفترة طويلة، ومن جهة أخرى فإن البرجوازية الوطنية بأغلبيتها ذات التاريخ العريق في الإنتاجين الزراعي والصناعي، قد فقدت تربتها منذ فترة طويلة، والقطاع العام ذو البصمات الأساسية في تطوير الاقتصاد السوري خلال القعود الأربعة الماضية تعرّض لتدمير ونهب شبه كاملين، في بنيته التحتية وأصوله الثابتة، خلال الحرب الأهلية التي استمرت عقداً ونيّف، ولذلك يكمن حل هذه المعضلة أو التناقض في وجود سلطة وطنية بعيدة كلياً عن هذه المجموعات المستوردة، لتضع أسساً صحيحة، لاقتصادٍ يلائم الطبيعة التاريخية والسياسية للشعب السوري بأغلبيته، بالاستفادة من الثروات الباطنية والخبرات المتراكمة، وهذا يقع على عاتق الشعب السوري بوطنييه وتقدمييه بالدرجة الأولى، وما أكثرهم، فمن خلال وحدتهم، ونضالهم في جبهة موحدة، أو عدة جبهات، وعلى كل الأصعدة، لتحقيق هدف واحد، هو تخليص البلاد وتحريرها من الهيمنة الاستعمارية (الأمريكية والإسرائيلية والتركية )كقوىً أساسية، وطرد هذه السلطة الظلامية اللاوطنية المستوردة وكل العملاء، لإعادة سورية الى حالتها الطبيعية، دولة مستقلة ذات سيادة، بقيادة وطنيين حقيقيين، فكما تتأثر البنية الفوقية بالبنية التحتية، فإن العكس أيضاً صحيح، والكثير من التجارب تؤكد ذلك سلباً أو ايجاباً، وشعبنا قادرُ على إحداث هذا التحول النوعي، بالاستناد الى تاريخه الوطني والنضالي المشرّف، ولو بعد حين


