البورجوازية الكومبرادورية والهيمنة الكاملة على الاقتصاد السوري
علي العامودي
الخطاب الذي يرافق التحولات الاقتصادية، بعد سيطرة السلطة الظلامية على مقاليد الحكم، يرسم مشهداً زاهياً عن إعادة بناء الاقتصاد السوري، بينما تشير الوقائع الى عملية إعادة تموضع لفئة حاكمة تبحث عن تجديد آليات السيطرة. لا تدور المسألة حول “إصلاح اقتصادي” أو “انفتاح مدروس”، وإنما حول نقل مركز الربح والنفوذ من شبكة قديمة خرجت من السباق، إلى شبكة كومبرادورية جديدة ترتبط بمراكز القرار وتستمد قوتها من الارتهان للخارج.
الجدير بالذكر، أن اللجنة الاقتصادية غير المعلنة تمثل أحد أدوات هذا الانتقال. وظيفتها تجميع الأصول المصادرة وصياغة العقود ومنح التراخيص، بما يحول الثروة التي تمت مصادرتها أو استعادة جزء منها من رموز وأدوات النظام السابق إلى رأسمال يخدم فئة ضيقة تتحرك فوق القانون وتعمل كوسيط بين السلطة ودوائر المال الإقليمية. هذا الدور يصنع فئة تعيش على استغلال الفجوات والفقر، وتوسع نفوذها عبر الصفقات والامتيازات بدلا من الإنتاج الحقيقي أو إعادة توزيع الدخل بشكل عادل.
في ظل هذه البنية، يصبح الحديث عن تحرير السوق -الذي يتحدثون عنه- مجرد غطاء لتحويل الاقتصاد الى ساحة احتكار مغلقة. القرارات تصاغ في غرف مغلقة، العقود الكبرى تمر عبر قنوات خاصة، والفرص الاستثمارية تتكدس لدى واجهات جديدة ظهرت بالتوازي مع السلطة. في المقابل تتدهور معيشة الأغلبية، وتتآكل القدرة الشرائية، وتثقل الضرائب والرسوم كاهل الطبقة الكادحة. أي أن الاقتصاد يتحول فعليا إلى ميدان توزيع للغنائم بين نخبة متحالفة مع القوة السياسية، لا بل مندمجة معها.
هذا المسار يعكس رؤية طبقية صريحة: تحويل الداخل إلى سوق مفتوح لقوى إقليمية ودولية، وتمكين فئة وسيطة تجني أرباحها من الوساطة أكثر مما تجنيها من الإنتاج.
الدولة يجري إعادة صياغتها بما يخدم تراكم رأسمال متضخم يضع السيطرة فوق التنمية، ويعامل الموارد الوطنية كسلعة قابلة للتنازل.
ما يجري اليوم هو تعزيز لعلاقة تبعية جديدة تديرها طبقة كومبرادورية تمتلك النفوذين السياسي والاقتصادي معاً. هذا الاتجاه يفاقم الفقر ويصادر مستقبل المجتمع.
إن تجاوز ذلك كله، يتطلب تفكيك قوى السيطرة القائمة وبناء قوة اجتماعية وطنية تستعيد القرار الاقتصادي لصالح الطبقة المنتجة وقوى الإنتاج، حتى يعود الاقتصاد مجالاً عاماً يخدم المجتمع وليس شبكة المصالح التي تتحكم به الآن.


