Design sem nome (21)

الليبرالية الاقتصادية المتوحشة

الليبرالية الاقتصادية المتوحشة:

جنة للرأسمال الطفيلي.. جهنم للمنتجين والكادحين!

هيئة تحرير نضال الشعب

في سوريا اليوم اندفاعة متسارعة من قبل سلطة الاستبداد الظلامي التي استولت على الحكم في 8 كانون أول 2024، نحو تكريس الليبرالية الاقتصادية المتوحشة بنموذج الصدمة، اندفاعة ترافقها حملة ترويج إعلامية واسعة تحاول إبراز هذا النهج على أنه المصباح السحري لعلاء الدين، والذي سيخرج منه المارد الأخضر قائلا: شبيك لبيك! ويقوم بنقل سوريا والشعب السوري من نار الجحيم الى جنة عدن!

منذ عام 2005 عندما تبنى النظام السابق النهج الليبرالي الاقتصادي، نبه حزبنا الشيوعي السوري باكرا من مخاطره الكارثية على معيشة الشعب و منعة الوطن، لكن الدوائر الحاكمة يومها، كانت آذانها واحدة من طين و الثانية من عجين ولم تتخلى عن هذا النهج طوال فترة الحرب! بل سارعت في تطبيقه لا سيما في سنواتها الأخيرة!

أكد حزبنا الشيوعي السوري أن هذا النهج سيؤدي الى :

ـ زيادة الاستقطاب الطبقي في المجتمع السوري لمستويات حدية.

ـ ضرب مقومات الإنتاج الوطني الصناعي الزراعي و تهميش المنتجين .

ـ التوسع الكبير في دائرة الفقر ليشمل الغالبية الشعبية .

كل هذا حذر منه حزبنا في وثائق مؤتمراته و آخرها وثائق المؤتمر الثالث عشر، و في البلاغات الصادرة عن اللجنة المركزية، و في صحيفته المركزية و من على منبر مجلس الشعب، لكن دون جدوى.

اليوم المتابع الموضوعي لما يجري في سوريا، يرى أنه اذا كانت السلطة السابقة في مراحل حكمها الأخيرة تعبر عن مصالح البرجوازية الكبيرة الجديدة ذات الطابع الكومبرادوري، فالسلطة القائمة حاليا تحمل معها رواسب بقايا الاقطاع و تطلعات البرجوازية الكومبرادورية أيضا من خلال ارتباطها بتركيا و قطر و مغازلتها للولايات المتحدة الأمريكية و للسعودية و باقي دول الخليج، و القاعدة الجماهيرية لهذه السلطة تتشكل غالبيتها من البرجوازية الصغيرة في بعض المحافظات و الفئات المهمشة الأكثر تخلفا .

و من الواضح ان النهج الليبرالي الاقتصادي الذي كان الحكم السابق يطبقه بشكل تدريجي لكن متسارع ، تريد السلطة الحالية فرضه بشكل الصدمة، ومن أهم الدلائل على ذلك:

ـ الإعلان الصريح عن التوجه الى خصخصة معظم مؤسسات ومنشآت قطاع الدولة وتصفيتها، و قد جرت خطوات عملية في هذا الاتجاه مثل تصفية السورية للتجارة.

ـ الرفع الكبير لأسعار المواد الضرورية كالخبز وحوامل الطاقة.

ـ التوجه الى تسريح الجزء الأكبر من العاملين في الدولة والقطاع العام تحت ذرائع مختلفة.

ـ ضرب مقومات الإنتاج الصناعي و الزراعي، ويلعب في ذلك فتح الباب على مصراعيه امام استيراد البضائع المنافسة لا سيما التركية.

في ضوء كل ذلك يتضح أن الوعود برفع المستوى المعيشي رغم الزيادة الأخيرة على الأجور والرواتب هي عبارة عن وعود خلبية، حيث لا تستند الى زيادة الإنتاج الحقيقي و هو المصدر الأساسي لرفع مستوى المعيشة.

أما ما يروج له من تدفق للأموال التركية و القطرية فذلك عبارة عن سراب، فتركيا وضعها الاقتصادي مضعضع و تنظر لسوريا كسوق! ودويلة قطر لا يمكن أن تتحمل كل أعباء الاقتصاد السوري حتى لو أراد حكامها ذلك، وكذلك حال السعودية و بقية دول الخليج.

ان السلطة القائمة حاليا وبرغم تأكيدها على خصوصيتها الفكرية الا أنها من الناحية الاقتصادية الاجتماعية تنوي تطبيق وصفات المراكز الإمبريالية العالمية المصاغة لدول الأطراف.

هذه العوامل مجتمعة ستؤدي عاجلا و ليس آجلا الى نتائج كارثية في وضع الإنتاج و في الحالة المعيشية المتدهورة أصلا لغالبية الشعب، و نتيجة ذلك يمكن أن تشهد سوريا هزات اجتماعية كبيرة، فسرعان ما سيتحول المزاج الشعبي تحت تأثير بؤس المعيشة، و البرادات الفارغة من مواد المعيشة اليومية ستكون أكثر تأثيرا مما تبثه شاشات التلفزة من خطب مشبعة بدعوات غيبية و من أوهام عن استثمارات مليارية، لا تطعم جائعا!

هذا ما قاله الأمين العام الراحل لحزبنا الشيوعي السوري الرفيق عمار بكداش بتاريخ 11\1\2025.

و لقد جاءت الوقائع على الأرض بعد استلام سلطة الاستبداد الظلامي لتؤكد ما تنبأ به حزبنا باكرا، ولتكذب وعود هذه السلطة و شعاراتها البراقة التي ذهبت هباء!

فقد تمثّل أول القرارات الاقتصادية لحكومة الاستبداد الظلامي، في رفع سعر ربطة الخبز المدعوم بنسبة 1000% ، و جرة الغاز 500% ، كما تحرير أسعار جميع المشتقات النفطية بشكل كامل, و رغم التخفيض الأخير بأسعار الوقود إلا أن هذا لم ينعكس انخفاضاً في أسعار السلع، مما تسبب بارتفاع أجور المواصلات و تكلفة نقل السلع و البضائع التي دفع المواطن كلفتها من جيبه الخاص، هذه الإجراءات تزامنت مع فقدان عشرات آلاف العاملين مصادر دخلهم جرّاء عمليات التسريح والطرد، و إيقاف صرف المعاشات التقاعدية للعسكريين المتقاعدين بعد عام 2011. و أخيراً كانت الضربة القاضية برفع أسعار الكهرباء لأربعين ضعفا! أي لمستويات جنونية و كارثية تهدد معيشة الأسرة السورية وما تبقى من الإنتاج الوطني الصناعي والزراعي .

و رغم الزيادة في الأجور والرواتب إلا أن المؤشرات الميدانية تُظهر بوضوح تفاقُم الضائقة المعيشية لشريحة واسعة من الأُسر، الأمر الذي دفعها إلى اتّخاذ قرارات صعبة من قَبيل: تقليص عدد وجبات الطعام وكمّيتها يوميّاً، التوجّه إلى شراء سلع غذائية أقلّ جودة، تسرّب الكثير من الطلاب من مراحل عمرية مختلفة من الدراسة إلى سوق العمل للمساعدة في إعالة أُسرهم، بيع الممتلكات والاستدانة من الأصدقاء والأقارب…

و يأتي العاملون بأجر، والذين يمثلون ما نسبته حوالى 62.5% من إجمالي عدد القوة العاملة في البلاد، في مقدمة الشرائح الاجتماعية المضطرة إلى التقشف، ولا سيما العاملين بأجر لدى القطاع العام و البالغة نسبتهم حوالى 50% من إجمالي عدد العاملين بأجر.

مفارقتان سُجّلتا في الأسابيع الماضية : الأولى كانت في الإعلان عن وصول رابع سفينة محمّلة بما يزيد على 800 سيارة كورية، لتنضمّ إلى 100 ألف سيارة حديثة ومستعملة تم استيرادها أخيراً، وتُقدّر قيمتها بحدود مليار دولار، أما الثانية و التي حدثت في التوقيت نفسه، فتمثلت في إطلاق البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مشروعاً هدفه مساعدة السوريين في ست محافظات على تأمين مادة الخبز، وذلك عبر تخفيض سعر مبيع ربطة الخبز من 4 آلاف ليرة إلى 2400 ليرة، هاتان المفارقتان وغيرهما الكثير، تؤشران إلى سياسة محاباة طبقية ووجود استقطاب طبقي شديد في سوريا .

و كما هو الحال في مجمل سياسات سلطة الاستبداد الظلامي حيث الأقوال و التصريحات في واد، و الوقائع على الأرض في واد آخر، نجد أنها في الوقت الذي تصرح فيه أنها لن تنجرّ إلى فخّ الاقتراض الخارجي، إلا أن خطواتها العملية في الأشهر الأخيرة، تظهر أنها تسير عكس هذا! حيث نجدها تمضي بسرعة غير مسبوقة في تنفيذ ما تدعوه إصلاحات اقتصادية، تفوق في حدّتها وتوقيتها ما دأبت على الدعوة إليه المؤسسات المالية العالمية من صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، و بينما تتحدّث بياناتها الرسمية عن انفتاح مدروس على تطبيق الاقتصاد الحرّ التنافسي، تكشف الإجراءات الميدانية أن هذه السلطة قد تجاوزت أكثر وصفات التحرير الاقتصادي تشدّداً، إلى درجة وصفتها مصادر مطّلعة “بـالصدمة غير المتوقّعة “، حتى لدى خبراء البنك العالمي خاصة بعد إقرارها الزيادة المفاجئة في أسعار الكهرباء، بنسبة فاقت التقديرات التي اقترحها خبراء المؤسّسة أنفسهم .

في الجوهر، لا يخرج الإطار العام لهذه الاجراءات عن المدرسة التقليدية لكل من صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، والقائمة على تحرير الاقتصاد ، وإعادة هيكلة اقتصاد الدولة، وتقليص حضورها الإنتاجي لمصلحة القطاع الخاص غير المنتج .

لكنّ المفارقة أن السلطة الاستبدادية ذهبت أبعد من هذا، متجاوزة ما يُعرف عادة بـفترة التهيئة التي ترافق تطبيق برامج الإصلاح في الدول الخارجة من الحرب، وبدلاً من اعتماد نهج تدريجي متوازن ، نفّذت سلطة الاستبداد الظلامي في دمشق خطوات تُصنّف، حتى بمعايير البنك العالمي على أنها قفزات حرّة نحو التحرير الكامل، ففي غضون أشهر قليلة أوقفت الحكومة عمل معظم الشركات الصناعية العامة، وخفّضت الإنفاق الاستثماري إلى الحدّ الأدنى، كما سرّحت آلاف العمال أو دفعتهم إلى الاستقالة الطوعية، وحلّت مؤسسات اقتصادية من دون دراسات جدوى أو تقييم للأثر الاجتماعي.

وعلى الصعيد المعيشي، رفعت أسعار المشتقات النفطية إلى مستويات السوق العالمية تقريباً، وزادت سعر الخبز بأكثر من عشرة أضعاف، قبل أن تُقدِم على قرار اعتبره اقتصاديون غير مسبوق حتى بمعايير صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، وهو رفع تعرفة الكهرباء بنسبة فاقت قدرة غالبية الأُسر السورية، ما أدّى عمليّاً إلى خروج الطبقات الاجتماعية الفقيرة وذات الدخل المحدود من نطاق الاستهلاك المنزلي الأدنى للطاقة، وإعاقة عملية الإنتاج الوطني الصناعي الزراعي حيث بدأ ما تبقى من رأس المال العامل فيها يغلق و يسرح عماله.

ان هذا القرار برفع أسعار الكهرباء لأرقام فلكية، على الأرجح سيؤدي لدخول الاقتصاد في عملية ركود تضخمي غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد السوري!

بالمقارنة مع غيرها من التجارب في دول الأطراف الرأسمالية، لم تجرؤ حتى الحكومات التي خضعت بالكامل لبرامج صندوق النقد الدولي، على رفع الأسعار بهذه السرعة ، ففي مصر مثلاً تمّ رفع الدعم تدريجياً على مدى خمس سنوات ضمن برنامج مُراقب بدقّة، وفي لبنان والعراق جرى الربط بين كل خطوة مالية وإجراءات حماية اجتماعية و لو شكلية، أمّا في سوريا فقد تمّ تطبيق الوصفات الدولية دفعة واحدة، وفي بيئة اجتماعية مُنهارة، و من دون أيّ توازن بين الإصلاح المالي والاستقرار المعيشي.

نعم لم تَعُد سلطة الاستبداد الظلامي تنتظر بعثات صندوق النقد الدولي و البنك العالمي لتبدأ بتطبيق الليبرالية الاقتصادية المتوحشة بأسلوب الصدمة، بل سبقتهما إليه وبمستويات من الصرامة لم يكن أكثر المتشدّدين في المؤسستَين ليتوقّعها.

استنادا لما سبق فإن المهمة الأساسية في المجال الاقتصادي اليوم أمام الشيوعيين السوريين وأصدقائهم والوطنيين الشرفاء تكمن في النضال ضد التوجه الليبرالي الاقتصادي المتوحش الذي تريد هذه السلطة القائمة فرضه والذي يناسب تماما طبيعتها، وهذا يستدعي:

ـ الدفاع عن الإنتاج الوطني الصناعي و الزراعي والعمل على احيائه والمطالبة بوضع سياسة حمائية له لتصونه من المنافسة الأجنبية.

و يأتي كأولوية في هذا المقام الدفاع عن قطاع الدولة وهو الأداة الأساسية في ظروف بلادنا التي يجب الاعتماد عليها في تحقيق الاعمار و النهوض.

ـ منع تغلغل الرأسمال الأجنبي الى المفاصل الأساسية لاقتصادنا الوطني.

ـ الحفاظ على شبكة المصارف الحكومية بصفتها عاملا أساسيا لتحقيق الاستقرار المالي.

ـ استثمار الثروات الباطنية وطنياً بما يحقق موارد أساسية لإنهاض الاقتصاد الوطني.

ـ الدفاع عن لقمة الشعب و النضال ضد الانفلات الجنوني للأسعار.

ـ الوقوف بحزم ضد عملية التسريح الواسع للعاملين في القطاع العام وأجهزة الدولة.

ـ استعادة المكتسبات الاجتماعية التي جرى قضمها على مدى أعوام طويلة و من أهمها قوانين العمل و الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية الحكومية المجانية وديمقراطية التعليم.

إن هذه ليست مطالب نضعها على طاولة سلطة الاستبداد الظلامي و ننتظر تحقيقها!

الحزب الشيوعي السوري لا يمكن له أن يساهم في نشر هكذا أوهام، بل إننا نعلم علم اليقين أنها مطالب تقع في تناقض تناحري مع مصالح هذه السلطة الاستبدادية الظلامية وارتباطاتها الإقليمية و الدولية.

يرى الحزب الشيوعي السوري أن هذه المهام الجسام، تحقيقها يقتضي تشكيل تحالف واسع من القوى الوطنية معتمد على الجماهير الشعبية، يؤدي لقيام سلطة وطنية ديمقراطية كنقيض جذري للحكم الاستبدادي الظلامي العميل.

هذا التحالف والذي هو مهمة راهنة وكبيرة، يجب أن لا يبقى أسير البيانات و التصريحات، بل من الضروري و من منظور المصلحة الوطنية العليا أن يجد الطريق ليرى النور والحياة، و كما يقولون مسيرة الأف ميل تبدأ بخطوة واحدة!

نختم بما قاله الأمين العام الراحل الرفيق عمار بكداش: ” إن هذه المهام تقتضي حشد الهمم ورص الصفوف وتوسيع الصلات مع الجماهير التي ارتأت أن ترى في حزبنا الثبات على المبدأ والنزاهة في خدمة الشعب.

لقد مر حزبنا الشيوعي السوري على مدار تاريخه بظروف صعبة قاسية خرج منها مرفوع الرأس مؤكدا صوابية نهجه، و هذا ما سيكون عليه الحال في هذه المرحلة.

فمهما كانت الصعاب كبيرة فإن راية الماركسية اللينينية لن تنكس في سماء سوريا! “.

معا أيها الرفاق دفاعا عن الوطن و دفاعا عن لقمة الشعب.

مقالات مقترحة

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني بيان تضامني يعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري تضامنه مع الحزب الشيوعي الأردني في نضاله الوطني والطبقي، ويدين بشدة اعتقال السلطات الرجعية الأردنية للرفيقين، عضوي المكتب السياسي: الدكتور عمر

Read More »

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة د. فداء الريان كتب الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، بتاريخ 11/1/2025 تحت عنوان “المهام الراهنة للشيوعيين السوريين”، يقول: “من الواضح أنه لا توجد أية

Read More »

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية هيئة تحرير نضال الشعب سنتوقف عند بعض الإجراءات الاقتصادية في سوريا من أجل تسليط الضوء عليها وتبيان آثارها الكارثية على وطننا وأبناء شعبنا، وخاصة الكادحين منهم. علماً أنه

Read More »

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي! ظافر العسلي لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة

Read More »