Design sem nome (21)

النظام الرأسمالي أمام المرآة

النظام الرأسمالي أمام المرآة

لوسيانا عبد النور

عندما وصف فلاديمير لينين الإمبريالية بأنها مرحلة الانحطاط التاريخي للرأسمالية، كان يشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة النظام. لم تعد البرجوازية طبقة تقود تطور قوى الإنتاج كما في مرحلتها الصاعدة، بل أصبحت طبقة احتكارية ريعية، يتركز نشاطها في المال والمضاربات والديون والهيمنة على الموارد والأسواق عالميًا. الربح لم يعد مرتبطًا أساسًا بتوسيع الإنتاج، بل بإعادة توزيع الثروة بالقوة، عبر السيطرة المالية والعسكرية والسياسية. هذا التحول الاقتصادي العميق ينعكس بالضرورة على البنية الاجتماعية والقيم السائدة.

الماركسية لا تتعامل مع الأخلاق بوصفها منظومة معزولة عن الواقع المادي، بل تراها انعكاسًا لعلاقات الإنتاج. حين يصبح كل شيء سلعة، تتآكل الحدود التي كانت تُقدَّم سابقًا بوصفها “قيمًا عليا”. الإنسان يُختزل إلى قوة عمل أو مستهلك، والطبيعة إلى مخزون مواد خام، والحروب إلى فرص استثمار. في هذا السياق، لا تعود الفضائح التي تنفجر بين الحين والآخر حول سلوكيات داخل دوائر النخب مجرد حوادث فردية، بل مؤشرات على طبيعة طبقة تعيش في فضاء منفصل عن المجتمع وتملك من النفوذ ما يمنحها حصانة غير رسمية.

في مراحل الانحطاط التاريخي للأنظمة الطبقية، تظهر داخل دوائر السلطة أنماط من الانفصال الأخلاقي عن المجتمع. الثروة المتركزة والنفوذ السياسي يخلقان بيئات مغلقة تحمي أصحابها من المساءلة، حيث تتشكل شبكات مصالح وعلاقات تتجاوز الحدود الوطنية. هنا لا يعود الانحراف الفردي مجرد حالة شاذة، بل هو انعكاس لطبقة حاكمة تملك الدولة كأداة سيطرة طبقية. هذه الطبقة لا تكتفي بتجاوز القانون، بل تصوغ القوانين نفسها بما يخدم مصالحها، ولا تُساءل لأنها تحكم وتشرّع في آن واحد. فالدولة في المرحلة الإمبريالية ليست جهازًا محايدًا، بل أداة لحماية احتكارات رأس المال حتى حين تبدو وكأنها تعمل ضمن “إطار قانوني”.

إحدى القضايا التي كشفت طبيعة الدوائر المغلقة بين المال والسلطة كانت قضية Jeffrey Epstein (جيفري إبستين)، حيث أظهرت شبكة علاقاته مدى تشابك الثروة الفاحشة مع شخصيات سياسية وإعلامية نافذة. أهمية هذه القضية لا تكمن فقط في بعدها الجنائي، بل في أنها أبرزت حدود المساءلة عندما تتقاطع المصالح داخل النخب، وكيف يمكن للنفوذ أن يحيط نفسه بطبقات من الحماية غير الرسمية.

كما تتجلى هذه المرحلة أيضًا في التشابك العميق بين رأس المال العالمي وأجهزة الدولة والأمن، حيث تُدار التحالفات والصفقات الكبرى خلف أبواب مغلقة، وتُستخدم الأدوات الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية لحماية مسارات التراكم الرأسمالي على المستوى الدولي. في هذا السياق تصبح السياسات الخارجية والاقتصادية تعبيرًا مباشرًا عن مصالح طبقية عابرة للحدود، لا عن إرادة الشعوب أو حاجاتها الفعلية.

لقد كشفت وثائق وتقارير رُفعت عنها السرّية أو خرجت عبر تسريبات عن فجوة متكررة بين الرواية الرسمية وواقع الحروب والعمليات الخارجية. هذه الوقائع لا تشير فقط إلى “أخطاء”، بل تكشف طبيعة منظومة عسكرية-سياسية تُدار بعيدًا عن الرقابة الشعبية، وتحمي مصالح استراتيجية واقتصادية أوسع من أي مساءلة حقيقية.

كما أوضح كارل ماركس، الدولة في جوهرها أداة سيطرة طبقية. في المرحلة الإمبريالية يتعمق اندماج الدولة مع رأس المال الاحتكاري، فتُصاغ القوانين والسياسات بما يضمن استقرار علاقات الملكية الكبرى. حين تنفجر فضيحة تمسّ شخصيات نافذة، يكون الهدف غالبًا احتواء الضرر وحماية الثقة العامة بالمؤسسات، لا تفكيك الشبكات الاقتصادية والسياسية التي أنتجت تلك الظواهر. يمكن التضحية ببعض الأفراد، لكن البنوك والاحتكارات وآليات التراكم تبقى في مكانها.

في المرحلة الإمبريالية، الأزمات الاقتصادية لم تعد مجرد دورات ركود وانتعاش، بل أصبحت تعبيرًا عن مأزق بنيوي دائم. فائض رأس المال يبحث باستمرار عن مجالات ربح جديدة، وعندما تضيق إمكانات التوسع الإنتاجي الحقيقي، يتجه نحو المضاربات، والديون، والخصخصة، ونهب الموارد. هذا الانفصال المتزايد بين الاقتصاد المالي والاقتصاد المنتج ينعكس اجتماعيًا على شكل تفكك في البنية الاجتماعية نفسها.

اتساع الفجوة الطبقية ليس مجرد نتيجة “سوء توزيع”، بل نتيجة مباشرة لتركيز الثروة في قطاعات مالية احتكارية لا توظف الجماهير ولا ترتبط بحاجاتها. تسليع كل شيء — من السكن والتعليم إلى الصحة والعلاقات الإنسانية — يعكس منطق نظام لا يعترف بأي مجال خارج السوق. ومع تراجع قدرة الدولة على تقديم استقرار اجتماعي حقيقي، تتآكل الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية، لأن الناس تلمس التناقض بين الخطاب الرسمي وواقع حياتها اليومي.

في هذا السياق يتصاعد العنف البنيوي، أي العنف الكامن في شروط الحياة نفسها: بطالة مزمنة، هشاشة معيشية، تفكيك شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسع أجهزة القمع والمراقبة. خارجيًا، يُترجم المأزق ذاته إلى حروب بالوكالة، سباقات تسلح، وصراعات على الموارد والأسواق. هكذا يصبح التعفّن الاجتماعي ليس ظاهرة أخلاقية معزولة، بل الوجه الاجتماعي لأزمة تراكم رأسمالي بلغ حدوده التاريخية، حيث لم يعد قادرًا على ضمان الاستقرار إلا عبر مزيد من الإقصاء والعنف وإعادة توزيع الخسائر على حساب الطبقات الدنيا.

مع ذلك، فإن تعفّن النظام وظهور الفضائح لا يؤديان تلقائيًا إلى سقوطه. فالرأسمالية تملك أجهزة دولة، وإعلامًا، وأدوات مالية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج الاستقرار النسبي. الغضب الشعبي إذا بقي في حدود السخط الأخلاقي على أفراد، يمكن احتواؤه أو توجيهه. ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على النظام، في المنظور الماركسي-اللينيني، ليس الفضيحة بحد ذاتها، بل تحوّل الأزمات المتكررة والتعفّن الاجتماعي إلى وعي طبقي منظم، قادر على الربط بين هذه الظواهر وبين جذورها في علاقات الملكية والسلطة، وطرح بديل تاريخي يتجاوز هيمنة رأس المال الاحتكاري على المجتمع.

مقالات مقترحة

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني بيان تضامني يعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري تضامنه مع الحزب الشيوعي الأردني في نضاله الوطني والطبقي، ويدين بشدة اعتقال السلطات الرجعية الأردنية للرفيقين، عضوي المكتب السياسي: الدكتور عمر

Read More »

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة د. فداء الريان كتب الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، بتاريخ 11/1/2025 تحت عنوان “المهام الراهنة للشيوعيين السوريين”، يقول: “من الواضح أنه لا توجد أية

Read More »

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية هيئة تحرير نضال الشعب سنتوقف عند بعض الإجراءات الاقتصادية في سوريا من أجل تسليط الضوء عليها وتبيان آثارها الكارثية على وطننا وأبناء شعبنا، وخاصة الكادحين منهم. علماً أنه

Read More »

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي! ظافر العسلي لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة

Read More »