Design sem nome (21)

اليمن يحترق: حرب النفوذ والإمبرياليات المتصارعة في باب المندب

اليمن يحترق: حرب النفوذ والإمبرياليات المتصارعة في باب المندب

زياد حداد

ما يجري اليوم في اليمن لا يمكن فهمه بوصفه نزاعًا داخليًا أو أزمة سياسية عابرة، بل هو تعبير مكثّف عن موقع اليمن كبلد تابع في أطراف النظام الرأسمالي العالمي، حيث تتحول الجغرافيا والإنسان إلى أدوات في صراع الهيمنة بين قوى إمبريالية وإقليمية. فالدولة اليمنية، منذ إدماجها القسري في السوق الرأسمالية العالمية، لم تمتلك قاعدة إنتاجية مستقلة، بل تشكّلت كدولة هشّة، ريعية، تحكمها كتل برجوازية محلية مرتبطة عضويًا بالخارج عبر السلاح والمساعدات والتحالفات العسكرية.

هذا الموقع التابع جعل اليمن ساحة مفتوحة لإدارة التناقضات داخل النظام الإمبريالي نفسه. فالصراع لا يدور حول “الشرعية” أو “الوحدة” أو “الأمن”، بل حول من يملك القدرة على التحكم بطريق النفط والتجارة العالمية الذي يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب. فهذا الممر يشكّل أحد الشرايين الأساسية لناقلات النفط والبضائع المتجهة من آسيا إلى أوروبا، وأي تهديد أو تعطيل فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. لذلك تتعامل القوى الكبرى مع اليمن والمنطقة المحيطة به بوصفها مسألة مصالح اقتصادية حيوية، وتسعى إلى فرض سيطرتها العسكرية والسياسية لضمان بقاء هذا الطريق مفتوحًا وتحت نفوذها.

في هذا السياق، تحرّك شرطي الإمبريالية في المنطقة، إسرائيل، كعنصر فاعل في معادلة البحر الأحمر. فوجود إسرائيل في هذه الساحة، سواء عبر التنسيق الأمني أو الضغط العسكري غير المباشر، يندرج ضمن منظومة الهيمنة المرتبطة بالمركز الأميركي، حيث تُدار المنطقة بما يخدم حماية طرق النفط والتجارة العالمية، لا مصالح شعوبها. إن الحديث عن “أمن الملاحة” يخفي في جوهره صراعًا اقتصاديًا وسياسيًا على التحكم بهذه الطرق الحيوية.

ضمن هذا المشهد، يبرز موقف أنصار الله المناهض للهيمنة الإسرائيلية بوصفه تناقضًا فعليًا مع هذا المسار. فاستهداف المصالح المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وضع الحركة في مواجهة مباشرة مع إحدى أدوات الهيمنة في المنطقة، وهو ما منح هذا الموقف صدى واسعًا لدى قطاعات شعبية في دنيا العرب، خصوصًا بعد الانكسارات التي مُنيت بها حركات التحرر خلال العقود الأخيرة. ومع ذلك، فإن هذا التناقض، رغم أهميته، يبقى محدود الأفق ما لم يتحول إلى مشروع تحرري شامل يربط مقاومة الهيمنة الخارجية بتحرير الداخل من التبعية والاستغلال الطبقي.

وإذا كان هذا التناقض قد برز بوضوح في السنوات الأخيرة، فإن جذوره تعود إلى المراحل الأولى للصراع نفسه، قبل أن يصل إلى شكله المركّب الحالي. ومن الضروري التذكير بأن الصراع في بداياته لم يكن بهذا التشابك الحالي، بل اتخذ طابعًا أوضح كصراع بين حركة تحرر وطنية، ممثَّلة بالحوثيين، من جهة، وبين قوى محلية مرتبطة بالسعودية والإمارات من جهة أخرى. في هذا السياق، استفاد الحوثيون من الدعم الإيراني، ومن ورائه الدعم الصيني غير المباشر، كما تفعل غالبًا حركات التحرر حين تستفيد من التناقضات القائمة بين مراكز إمبريالية متنافسة. فكما كانت الولايات المتحدة تقف خلف السعودية والإمارات، كانت الصين، عبر إيران، تمثّل القطب المقابل في هذا الصراع. غير أن تعمّق الأزمة الاقتصادية والمالية، وتزايد كلفة الحرب، أدّيا إلى انتقال الصراع من مستوى التناقض بين معسكرين إمبرياليين مختلفين، إلى مستوى أعمق داخل المركز الإمبريالي الواحد نفسه، أي داخل المعسكر الأميركي، حيث بدأ التناقض يتجسّد بشكل مباشر في الصراع بين السعودية والإمارات، وانعكس ميدانيًا على الساحة اليمنية.

إمكانية الاستفادة من هذا التناقض، ولو بأمل ضئيل، تكمن في تعطيل جزء من منظومة السيطرة وكشف زيف الخطاب الذي يبرر التدخلات باسم “الاستقرار” و“حرية الملاحة”. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن أي مواجهة مع الإمبريالية تبقى قابلة للاحتواء إذا لم تُسند ببرنامج سياسي–اجتماعي واضح، يعالج جذور التبعية ولا يكتفي بمظاهرها.

التصعيد الحالي بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي لا يعكس خلافًا إداريًا أو دستوريًا، بل هو انعكاس مباشر لانقسام داخل المعسكر الإمبريالي نفسه. وقد جاءت الضربة الجوية السعودية الأخيرة ضد مواقع مرتبطة بالمجلس الانتقالي لتكشف عمق التصدّع داخل التحالف، ومحاولة فرض توازن قسري بالقوة. في المقابل، جاء قرار المجلس الانتقالي المضي في مسار الانفصال ليؤكد أن المشروع المطروح ليس مشروع تحرر وطني، بل إعادة إنتاج للتبعية عبر كيان أصغر وأكثر هشاشة، يقوم على السيطرة على الموانئ والسواحل وخدمة الاقتصاد الأمني المرتبط بالخارج.

ومع تعمّق الحرب وارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية، بدأ التناقض داخل التحالف السعودي–الإماراتي بالخروج إلى العلن بصورة متزايدة منذ عام 2018، مع تباين أولويات الطرفين بين إدارة الحرب كعبء مالي وأمني متفاقم، وبين السعي للسيطرة المباشرة على الموانئ والسواحل وخطوط التجارة. وقد تعمّق هذا التناقض بصورة أوضح مع اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية بعد عام 2020، وتراجع هوامش المناورة المالية، ما دفع كل طرف إلى إعادة تموضعه داخل اليمن وفق مصالحه الخاصة، لا وفق منطق التحالف المعلن. وفي هذا السياق، جاءت الضربة الجوية السعودية في 25 كانون الأول/ديسمبر 2024 ضد مواقع مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي لتكشف أن الخلاف لم يعد محصورًا في التباينات السياسية غير المعلنة، بل دخل مرحلة الصدام العلني. ثم جاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في 2 كانون الثاني/يناير 2026 المضي في مسار الانفصال ليؤكد انتقال الصراع إلى مستوى أكثر حدّة.

ولا يمكن فصل ما يجري في اليمن عن التطورات في الضفة المقابلة من باب المندب. فالدفع نحو الاعتراف باستقلال أرض الصومال يندرج ضمن مسعى واضح لإحكام السيطرة على هذا الطريق البحري من جانبيه، عبر تفكيك الدول القائمة أو شرعنة كيانات جديدة أكثر خضوعًا للنفوذ الخارجي. هنا لا يجري الحديث عن “حق تقرير المصير”، بل عن إعادة رسم الجغرافيا السياسية بما يسهّل التحكم بطريق النفط والتجارة العالمية.

أما التناقض المتصاعد بين السعودية والإمارات، فهو لا يعكس صراعًا مع الإمبريالية، بل صراعًا داخلها، تُدار كلفته على حساب الشعب اليمني. فكلا الطرفين يتحرك ضمن المنظومة نفسها، وإن اختلفت أدواته وأولوياته.

وسط هذا المشهد، يبقى الشعب اليمني خارج أي تمثيل سياسي مستقل، ويُستخدمون كوقود للحرب، في ظل غياب مشروع سياسي طبقي ثوري قادر على ربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي. وما يجري في اليمن اليوم هو حرب داخل نظام التبعية الإمبريالية، لا حرب تحرير، ولن ينتهي إلا بكسر هذه التبعية وبناء مشروع سياسي مستقل يعيد للشعب موقعه كفاعل تاريخي، لا مجرد ضحية لصراع القوى الكبرى.

مقالات مقترحة

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني بيان تضامني يعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري تضامنه مع الحزب الشيوعي الأردني في نضاله الوطني والطبقي، ويدين بشدة اعتقال السلطات الرجعية الأردنية للرفيقين، عضوي المكتب السياسي: الدكتور عمر

Read More »

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة د. فداء الريان كتب الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، بتاريخ 11/1/2025 تحت عنوان “المهام الراهنة للشيوعيين السوريين”، يقول: “من الواضح أنه لا توجد أية

Read More »

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية هيئة تحرير نضال الشعب سنتوقف عند بعض الإجراءات الاقتصادية في سوريا من أجل تسليط الضوء عليها وتبيان آثارها الكارثية على وطننا وأبناء شعبنا، وخاصة الكادحين منهم. علماً أنه

Read More »

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي! ظافر العسلي لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة

Read More »