حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!
ظافر العسلي
لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة من الوقائع التاريخية، القريبة منها والبعيدة، سنرى بأن محركات الصراع العالمي منذ بداية القرن
العشرين، أي مع بداية تشكل الاحتكارات الرأسمالية، وتعني الانتقال إلى مرحلة الإمبريالية، تتمحور حول ثلاثة أنواع رئيسية للصراع، وهي:
١ – الصراع بين الرأسمالية والشعوب التواقة للحرية والاستقلال، وتتصدّر به النضال حركات التحرر الوطني.
٢ – الصراع داخل التشكيلة الإمبريالية ذاتها بين العمل والرأسمال.
٣ – الحروب الإمبريالية لاقتسام مناطق النفوذ ونهب خيرات الشعوب، وهي بالضبط (التناقض أو الصراع ما بين إمبريالي).
استناداً إلى هذه الدعائم الأساسية، ماذا نقرأ؟
أولاً: بانتهاء الحرب العالمية الأولى شهدنا نشوء أول دولة اشتراكية في العالم، وقد تناهبت العالم بشكل رئيسي عدة دول إمبريالية، وهي (الولايات المتحدة الأمريكية – بريطانيا – فرنسا – ألمانيا – إيطاليا – اليابان…) وغيرها من الدول الرأسمالية الأقل شأناً؛ وهذا التنافس الإمبريالي بالذات هو أحد أسباب الحرب العالمية الأولى التي مهّدت لها الأزمة الاقتصادية الدورية قبل اندلاع الحرب، ثم جاءت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي عمّقت الأزمة العامة للرأسمالية ليومنا هذا، بل إن ثورة أكتوبر نفسها نتجت من التناقض ما بين إمبريالي أثناء الحرب العالمية الأولى.
إن دوائر الصراع العالمي تتحرك جغرافياً واقتصادياً وسياسياً حسب ميزان القوى وطبيعة الصراع. ففي القرن التاسع عشر كان الصراع على أشدّه بين القوى البرجوازية الثورية وقتذاك من جهة، والإقطاعية الملكية الرجعية من جهة أخرى، وقد أيّد ماركس وإنجلز الحركة التحررية البولونية والمجرية لأنها كانت موجهة ضد قلاع الرجعية في أوروبا والعالم، ولم يؤيدا حركة التحرر للتشيك والسلاف الجنوبيين لأنها كانت مؤيّدة للقيصرية والرجعية في أوروبا، وأسماهم ماركس بالشعوب الرجعية!
إن تقسيم القارات وشعوبها بين أقطاب الإمبريالية بعد الحرب العالمية الأولى خلق وضعاً دولياً تميّز بالصراع بين هذه الشعوب ومحتليها، وهكذا كانت في الصدارة حركة التحرر الوطني في البلاد العربية بعد اتفاقية سايكس – بيكو، وكذلك الهند – تركيا – الهند الصينية – الصين – أفريقيا – أمريكا اللاتينية، أي باختصار بين الشعوب والإمبريالية العالمية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وبرز قادة وطنيون تحرريون في هذه الدول، بدءاً من الحركة الوطنية السورية، وغاندي ونهرو في الهند، وهوشي منه في الهند الصينية، وماو تسي تونغ في الصين، وغيرهم وغيرهم، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية.
إن مقدمات الحرب العالمية الثانية تمثّلت في مجموعة عوامل أساسية:
١ – الأزمة العامة للرأسمالية التي دشّنتها ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917.
٢ – الأزمة الاقتصادية الدورية الحادة 1929 – 1933، ووصول أنظمة فاشية للحكم في ألمانيا وإيطاليا، وفرانكو في إسبانيا.
٣ – مقاومة الشعوب المضطهدة للاستعمار الكولونيالي.
٤ – إعادة اقتسام مناطق النفوذ، وخاصة بالنسبة لألمانيا التي شعرت بالغبن من فقدانها مستعمراتها بعد صلح فرساي، مقارنة بفرنسا وبريطانيا واليابان.
بانتصار الاتحاد السوفييتي عام 1945 وهزيمة النازية، دخلت البشرية مرحلة جديدة من التطور، فقد تحررت عشرات الدول من النير الاستعماري، أي إنه تشكل قطب عالمي قوي من (الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية ودول الديمقراطية الشعبية)، ما أدى إلى تراجع النظام الكولونيالي عن مساحات هائلة من كوكب الأرض.
ما نشهده حالياً عالمياً وإقليمياً وعلى المستوى الوطني من نتائج لانهيار الاتحاد السوفييتي، هذا الزلزال الذي نتج بشكل أساسي عن مؤامرة داخلية كبيرة حاكتها وقادتها الصهيونية بالارتباط مع زعيمة الإمبريالية العالمية خارجياً، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية بامتلاكها ما يقارب الـ 40% من الاقتصاد العالمي والـ 60% من الاقتصاد الرأسمالي بمجمله، وكذلك التحالف العضوي الذي حصل بين الرأسمال المالي الصهيوني والأنجلوساكسوني.
إن التغول الإمبريالي بعد 1991 بلغ أشدّه في أول حرب كبيرة في أوروبا، وهي الحرب على يوغسلافيا وتقسيمها ونهب خيراتها بعد نهب الاتحاد السوفييتي المنهار، بالتعاون مع القيادة الخائنة (يلتسين -غورباتشوف)، وبدافع من المحافظين الجدد تم التوجه نحو شرق المتوسط لتحقيق مجموعة مشاريع أو تنفيذها:
١ – قوس التوتر.
٢ – الشرق الأوسط الكبير الجديد (صهيون الكبرى).
٣ – السيطرة التامة على تجارة النفط والمخزون النفطي الواعد في بحر قزوين.
لقد جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول المفبركة والمدروسة بدقة ليتم احتلال أفغانستان، ومن ثم العراق، كمقدمة لضرب إيران وإنهاء حركة التحرر الوطني في هذه المنطقة، ولكن انتصار المقاومة العراقية واللبنانية أجبر الإمبريالية الأمريكية والصهيونية على إعادة ترتيب أوراقها من جديد، فاشتد التآمر على سوريا من خلال النخر الداخلي بالسياسات الاقتصادية الليبرالية والتآمر الخارجي معاً، وصولاً إلى ما وصلنا إليه، وجميع المؤشرات تدل على ذلك.
وها هي إيران، كآخر دولة في مجموعة التحرر الوطني في المنطقة، مستقلة وذات سيادة، في دائرة الخطر، فهل تنجح الإمبريالية الأمريكية والصهيونية في هزيمتها؟
من خلال هذه القراءة المكثفة نستطيع التأكيد بأن المرحلة الحالية من الصراع والسمة المميزة لها هي الصراع ما بين الإمبريالي، دون الاستهانة بحركة الشعوب من خلال المظاهرات والاحتجاجات المليونية في عالم الرأسمال، والهزّات الاقتصادية والفضائح الأخلاقية والسلوكية التي تطال زعماء النظام الرأسمالي تعبيراً عن مدى عفونة الإمبريالية التي تنزّ قذارة من جميع خلاياها، ولكن (برأيي) التناقض الأساسي حالياً هو ما بين الإمبريالي كما أسلفت، ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد؛ فالصراع الأمريكي الصيني يتراءى من خلال تهديد إيران التي تموّل الصين بـ 40% من حاجتها من الطاقة، والصراع الأمريكي الأوروبي يتجسد في الحرب الروسية الأوكرانية، والتهديد بالاستيلاء على جزيرة (غرينلاند)، كما أن الرئيس الأهوج دونالد ترامب يجاهر بعدائه لفرنسا (ماكرون صبي روتشيلد). وفي أمريكا اللاتينية فيجري إعادة الاعتبار لمبدأ (مونرو)، ولكن بوسائل أكثر شراسة، وباكورته فنزويلا. وكذلك أفريقيا المشتعلة من السودان إلى الصومال إلى نيجيريا وغيرها، مروراً بآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا حيث يتجلى الصراع الصيني الأمريكي، وغيرها وغيرها…
أجل! هذا هو العالم، ومن خلاله نتلمس موقع وطننا السوري! فأين هو في لجّة التصادم هذه؟
لا شك أن ما يُراد لسوريا – عاجلاً أم آجلاٍ- فهو التقسيم، والذي يُنفذ على مساحة الوطن وفي وضح النهار، على الطريقة البلقانية (كانتونات هزيلة وحصص تركية إسرائيلية بالجملة من وطننا المذبوح من الوريد إلى الوريد!!)، بإشراف (ملك الأدغال) الإمبريالية الأمريكية وشركاتها الاحتكارية، من شيفرون المتخصصة باستخراج الغاز والنفط من أعماق البحار، إلى مصالح الانتداب التركي والتغوّل الصهيوني الواسع. إن قول الحقيقة للجماهير هو ديدن الشيوعيين ولا شيء سواه!
أما سلطة دمشق الظلامية الاستبدادية اللاوطنية، التي تتنفس في الحضن الأمريكي التركي الإسرائيلي، فهي أبعد ما تكون عن مصلحة سوريا والسوريين.
إن وطنيي سوريا وأحرارها أمامهم طريق واحد، هو وحدة الصف الوطني تحت سقف واحد عنوانه استرجاع /الاستقلال – السيادة – وحدة التراب/؛ فالإمبريالية الأمريكية والصهيونية هما قطب الشر الأخطر، وأي طرح غير ذلك هو قبض الريح، وطريق الحرية تصنعه الشعوب التواقة للحرية والاستقلال والعيش الكريم مهما كان الدرب طويلاً.


