Design sem nome (21)

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني

وسندان العثمانية الجديدة

د. فداء الريان

كتب الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، بتاريخ 11/1/2025 تحت عنوان “المهام الراهنة للشيوعيين السوريين”، يقول:

“من الواضح أنه لا توجد أية نية لدى السلطة الجديدة بالتصدي للمشاريع الاستعمارية.

لقد جرى استبدال سلطة مطلقة ذات توجه وطني، برغم كل التشوهات، بسلطة مطلقة ذات طابع ظلامي لا وطني، برغم كل المحاولات التجميلية.

هذا هو المؤشر الأساسي للواقع العام الذي يسود بعد التحول الجذري الذي شهدته البلاد، فمن الواضح أن مفهوم الوطنية يقع خارج قاموس أيديولوجيا الظلاميين…”

إن متابعة المستجدات على الساحة السورية خلال العام المنصرم تؤكد صحة هذا التحليل، فقد جرى خلال الفترة الماضية توسع رقعة الاحتلال الأجنبي بشكل جلي من قبل إسرائيل، وبشكل مستتر من قبل تركيا! كل ذلك تحت نظر وسمع سلطة الاستبداد الظلامي.

أدى إسقاط النظام السابق، إلى تغير موازين القوى الإقليمية والدولية في سوريا، فبينما تراجع النفوذ الروسي والإيراني، برزت القوتان الإقليميتان: تركيا الناب السام لحلف الناتو بقيادة الإمبريالية الأمريكية، وإسرائيل حاملة الطائرات الأمريكية المتقدمة في الشرق الأوسط، كأكثر المستفيدين الاستراتيجيين من هذا الحدث، ما أنذر باحتدام التنافس بينهما على النفوذ واقتسام الكعكة، وهو ما يضع سوريا بين حلم “إحياء العثمانية” لأنقرة ومشروع “إسرائيل الكبرى” لتل أبيب.

فمع دخول تركيا عام 2002 عصر “حزب العدالة والتنمية”، بدأت الدولة تتبنّى أيديولوجية جديدة لمشروع التوسّع تحت اسم “العثمانية الجديدة”، التي نظّر لها أحمد داود أوغلو تحت شعار: نعم نحن عثمانيون جدد، داعيًا إلى كومنولث عثماني بزعامة بلاده، فيما تعهّد رجب طيب أردوغان، ذات مرّة، بأن يصل نفوذ بلاده إلى آخر شبر وطأته سنابك خيل السلطان سليمان القانوني.

وهكذا انبعثت بقوّة فكرة استعادة حدود “الميثاق الملّي” لعام 1920، أي ضمّ شمال سوريا والعراق بكامله إلى تركيا.

لا تنطلق الأيديولوجيا الحالية لـ”حزب العدالة والتنمية” فقط من الموروث العثماني، بل أيضًا من الموروث السلجوقي، إذ يصف أردوغان الأتراك بأنهم أبناء السلاجقة والعثمانيين.

منذ عام 2016 كانت تركيا على الدوام تبرّر هجماتها واحتلالها لنحو 15% من الأراضي السورية، بالعمل على حماية الأمن القومي التركي وإزالة خطر قوات سوريا الديمقراطية التي تنظر لها على أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني.

لكن، وكما يقول المثل: الحق الكذاب حتى باب بيته! ها نحن نلحق بأردوغان حتى باب حزبه! فاليوم وحتى بعد اتفاق دمشق و”قسد” بتاريخ 29 كانون الثاني 2026، لا نجد أحدًا يتحدث على أنه آن الأوان للتفكير في بدء انسحاب القوات التركية من سوريا! بل على العكس، جاء تصريح وزير الدفاع التركي في غاية الوضوح عندما قال: “إن أوان انسحاب الجيش التركي من سوريا كما العراق لم يحن بعد….. وهي غير مطروحة على بساط البحث”.

كما يُلاحظ عودة تركيا إلى طرحها القديم الذي كانت تسعى إلى تحقيقه خلال عهد النظام السابق، والذي يتمثّل بتوقيع اتفاقية أمنية مع سوريا تستند إلى اتفاقية «أضنة» الموقّعة بين البلدين عام 1998، وذلك بعد إدخال تعديلات تمنح أنقرة هامش حرية وتحرك أوسع داخل الأراضي السورية ضد أي تهديد مزعوم! وهو معيار فضفاض يمكن لتركيا استثماره بشكل دائم لضمان حضورها الدائم في العمق السوري.

إلى جانب ما تقدّم، ترغب تركيا في الاحتفاظ بعدد من قواعدها العسكرية الرئيسيّة بذريعة تدريب قوات الجيش السوري الجديد، وذلك وفق اتفاقيات عسكرية بين البلدين، الأمر الذي يعني فعليًا تعزيز أنقرة لحضورها العسكري والأمني في سوريا.

وفيما تعمل تركيا على صوغ سلطة موالية لها بالكامل على صعيد الكوادر الإدارية، يجهد مسؤولوها لإرساء نظام سياسي اقتصادي يسهّل انكشاف السوق السورية بالكامل للاقتصاد التركي، وإمساك أنقرة بكل المفاصل الأساسية مثل الجيش والتسليح والأمن الداخلي وإعادة الإعمار والكهرباء والمياه والمطارات واستخراج الثروات الطبيعية والباطنية.

ولعلّ ما لا يقل خطورة ممّا تقدّم هو قرارات محو الذاكرة الوطنية بإلغاء مثل عيد الشهداء وذكرى حرب تشرين!

إن تركيا ترى في سوريا مساحة جغرافية تتماهى مع تطلّعاتها إلى مزيد من التوسّع والهيمنة والحضور والنفوذ الإقليميين، وأن تصل بحدودها البرية إلى الأردن وفلسطين ولبنان، وبحدودها البحرية إلى كامل شرق المتوسط.

لم تكن تركيا القوة الإقليمية الوحيدة التي تحركت لاستغلال معطيات اللحظة التالية لإسقاط الأسد، بل رأت إسرائيل أيضًا في تطورات الداخل السوري فرصة ذهبية لتحقيق بعض المكاسب، ولذلك أقدمت على عدة خطوات:

1/ إعلان انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974، واحتلال المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين إسرائيل وسوريا لأول مرة منذ حرب تشرين عام 1973.

2/ قصف ما تبقى من البنية التحتية العسكرية السورية، حيث شنت غارات جوية كثيفة استهدفت المطارات العسكرية والطائرات ومخازن الأسلحة ومعسكرات الجيش والمصانع العسكرية وكذلك الموانئ والأسطول البحري.

3/ الاستيلاء على موقع جبل الشيخ الاستراتيجي، مما يمنح إسرائيل ميزة عسكرية واستراتيجية حاسمة.

4/ الاستيلاء على ما يقارب 500 كم² جديدة من الأراضي السورية الحاوية على أكبر ينابيع المياه العذبة.

هكذا نجد أن التطورات الميدانية الحالية تخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، يقوم على تغييرها لمعطيات حدودها من خلال الاحتلال العسكري أولًا، ثم التفاوض على الانسحاب ولكن في مقابل ترسيم جديد للحدود الإسرائيلية، يتفق مع الأمر الواقع الذي فرضته تل أبيب بالقوة.

لقد بات واضحًا أن اتفاق 6 كانون الأول 2025 في باريس بين السلطة الحاكمة في دمشق وإسرائيل الصهيونية والولايات المتحدة، وضع آلية أمنية لتبادل المعلومات الاستخباراتية وإنشاء خلية اتصال متخصصة للتواصل والتنسيق المستمر والفوري تحت إشراف واشنطن، كما نص على إنشاء منطقة اقتصادية منزوعة السلاح على جانبي الحدود، واستغلال الموارد الطبيعية والجغرافية فيه، وخاصة جبل الشيخ لتحويله لمنتجع تزلج عالمي، إضافة لذلك جرى الاتفاق على التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والطب، وهو ما يعد خطوة باتجاه التطبيع والانضمام للاتفاقات الإبراهيمية آجلاً!

وقد كان لافتًا حضور وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” في كواليس هذا الاتفاق الذي هو في المحصلة تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ إقليمية، حيث الجنوب تحت السيطرة الإسرائيلية، والشمال ومركزه حلب تحت سيطرة تركيا والفصائل التي تدعمها.

باختصار ترى إسرائيل أن من مصلحتها سوريا ضعيفة مفككة ومقسمة، فالمشروع الصهيوني يعتاش على تأجيج التفتّت الإثني والطائفي حوله، ما يتيح له تبرير وجوده، وضمان توسيع النفوذ العسكري والسياسي دون عوائق، واحتلال المزيد من الأراضي السورية.

فالمشروع الإمبريالي الصهيوني هو “مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد”، مشروع “صهيون الكبرى” الهادف لتشكيل مركز إمبريالي رابع في المنطقة يسيطر على دولها المفتتة إثنيًا وطائفيًا.

إن التنافس التركي الإسرائيلي على موارد الطاقة في شرق المتوسط هو أحد المحاور المركزية التي تؤجج التوتر بين الدولتين، حيث ترغب تركيا في فرض سيطرتها على مساحات بحرية إضافية في البحر المتوسط من خلال ترسيم الحدود مع الإدارة السورية الجديدة، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية في المنطقة.

يُضاف إلى ذلك، ترى إسرائيل أن إحياء أنقرة لمشروع خط أنابيب الغاز التركي القطري الذي سيمر عبر الأراضي السورية، يهدد جدوى الممر الهندي الأوروبي الذي يربط أوروبا بميناء حيفا الإسرائيلي، والذي يجعل من تل أبيب حلقة الوصل بين آسيا وأوروبا.

لكن، وعلى الرغم من اختلاف الرؤى بين تركيا وإسرائيل فيما يخص الملف السوري، فإن غالبية المحللين السياسيين يرون أنه من غير المرجح أن يصل الصراع بينهما على النفوذ في سوريا إلى حد المواجهة المباشرة، نظرًا لعدة أسباب، منها اشتراك الطرفين في موقفهما من النفوذ الإيراني في سوريا، والعلاقات الاقتصادية المهمة التي تربط أنقرة وتل أبيب، فضلًا عن شراكات الدولتين مع الولايات المتحدة التي توازن بين الدور الإقليمي لكل منهما.

أما فيما يخص السلطة الاستبدادية الظلامية في سوريا فغايتها الأساسية الاستمرار في الحكم مهما كان حجم التنازلات للخارج، لذا نجدها تلهث خلف نيل رضا القوى الإقليمية والدولية ذات النفوذ مع تقديم كل فروض الطاعة والولاء.

لقد سبق لحزبنا الشيوعي السوري أن لخص حال هذه السلطة كالتالي: “القمع في الداخل المترافق مع المجازر والنهب والإفقار، أما فيما يخص الخارج فالخشوع أمام أمريكا وأمام حكام الخليج، والخنوع للصهاينة والعمالة السافرة لتركيا والمستترة لبريطانيا”.

إذن أي كلام حول أن طريق الحل يكمن في الحوار مع هذه السلطة هو وهم ضار بالمصلحة الوطنية.

إن الحزب الشيوعي السوري يرى أن الطريق القويم يكمن في النضال من أجل حرية سوريا واستعادة السيادة الوطنية الكاملة، والنضال ضد المؤامرات الرامية لتقسيم البلاد والتي تقف وراءها بالدرجة الأولى إسرائيل الصهيونية إلى جانب دوائر الاستعمار الأنجلو-أمريكي.

وإن تحقيق كل ذلك يقتضي إيجاد علاقة تفاهم وتحالف مع جميع الوطنيين في سوريا، كما يقتضي دعوة المواطنين السوريين إلى معترك النضال السياسي كي يكون لهم دور فاعل لا مشاهد، في قيام حكم وطني ديمقراطي يشكل نقيضًا جذريًا للحكم الاستبدادي الظلامي العميل.

دمشق صبرًا على البلوى فكم صهرت

سبائك الذهب الغالي فما احترقا

وعند أعوادك الخضراء بهجتها

كالسنديانة مهما تساقطت ورقًا

مقالات مقترحة

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني بيان تضامني يعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري تضامنه مع الحزب الشيوعي الأردني في نضاله الوطني والطبقي، ويدين بشدة اعتقال السلطات الرجعية الأردنية للرفيقين، عضوي المكتب السياسي: الدكتور عمر

Read More »

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية هيئة تحرير نضال الشعب سنتوقف عند بعض الإجراءات الاقتصادية في سوريا من أجل تسليط الضوء عليها وتبيان آثارها الكارثية على وطننا وأبناء شعبنا، وخاصة الكادحين منهم. علماً أنه

Read More »

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي! ظافر العسلي لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة

Read More »

جريمة موصوفة بحق متقاعدي محافظة الحسكة

جريمة موصوفة بحق متقاعدي محافظة الحسكة ناظم حسن تم إضافة راتب شهر كانون الثاني (الذي لم يصرف سابقاً) المستحق للمتقاعدين إلى راتب شهر شباط ليصرفا بجدول واحد في شهر شباط وكانت المفاجأة غير السارة حرمان

Read More »