Design sem nome (21)

بين الفرض والرفع العقوبات الإمبريالية ووظيفتها السياسية في سوريا

بين الفرض والرفع

العقوبات الإمبريالية ووظيفتها السياسية في سوريا

علي العامودي

بدأت العقوبات الامريكية على سوريا بشكل متدرج منذ السبعينيات، ثم توسعت بعد عام 2011 لتتحول إلى منظومة ضغط شاملة استهدفت الدولة والاقتصاد والمجتمع، وبلغت ذروتها مع تشريعات خنقت الاقتصاد السوري -وبالتالي المجتمع السوري- خلال سنوات الحرب.

تستخدم الدول الإمبريالية العقوبات في سياق الصراع ما بين المراكز الإمبريالية، وإن كانت تسوقها بغلاف قانوني أو أخلاقي شكلاً، حيث تستخدم هذه الدول وسائل اقتصادية بدل الحرب المباشرة لإعادة تشكيل محيطها وسيطرتها الدولية وفق مصالح رأس المال الاحتكاري.

في الحالة السورية، لم تكن العقوبات منفصلة عن هذا المنطق. فقد استهدفت تفكيك قدرة الدولة على إعادة إنتاج ذاتها اقتصادياً، وضرب استقلال القرار السياسي، والمساهمة بدفع غالبية الشعب السوري نحو الإنهاك المعيشي وبالتالي الإنهاك السياسي. أي إن الهدف لم يكن تغيير سلوك سياسي محدد، بل إعادة هندسة المجال الاقتصادي ومن ثم السياسي بما يسمح لاحقاً بفرض تسويات تخدم مصالح المراكز الإمبريالية.

وهنا يمكن طرح تساؤل مشروع، لماذا تم رفع العقوبات الاقتصادية (ولو ليس بشكل كامل، وليس هذا موضوع نقاشنا) عن سلطة ظلامية استبدادية ذات خلفية إرهابية؟

رفع العقوبات عن سلطة إرهابية لا يمكن فهمه من زاوية المبادئ المعلنة. المنظور الماركسي اللينيني يفسر الأمر من خلال الجوهر السياسي. الإمبريالية تعادي كل ما يهدد تدفق الربح والسيطرة. حين تصبح السلطة الجديدة قادرة ـولو فقط شكلياً أو إعلامياًـ على ضبط المجال الاجتماعي، وتقديم ضمانات أمنية، وفتح الاقتصاد أمام أشكال جديدة من التبعية، يتحول التصنيف السابق الى عبء غير ضروري. هنا تظهر ازدواجية المعايير بشكل فاضح. ما كان يسمى غرهابا يصبح شريكاً محتملاً، وما كان يرفع كشعار أخلاقي يتبخر أمام ضرورات المصالح والسياسة. هذا التحول يؤكد أن العقوبات لم تكن مرتبطة يوما بحماية المدنيين، وإنما باستخدامها كورقة ضغط.

والجدير بالذكر، أن رفع العقوبات لا يؤدي تلقائياً الى تحسن شروط حياة الناس. السبب بسيط: الفقر ليس نتيجة الحصار وحده، بل نتيجة بنية اقتصادية قائمة على التبعية والاستغلال. تحسن معيشة الناس يتطلب ما هو أبعد من فتح القنوات المصرفية او عودة الاستيراد. المطلوب هو تغيير جوهر النظام القائم على الهيمنة الكومبرادورية (والتي هي عبارة عن فئة من السماسرة والتجار التي ترتبط مصالحها عضوياً مع مصالح الاحتكارات الرأسمالية والأسواق العالمية) على الاقتصاد السوري، والعمل على تقوية القطاع العام وليس تصفية ما تبقى منه، بالإضافة إلى دعم الإنتاج الزراعي والإنتاج الصناعي، وإعادة توزيع الدخل لصالح غالبية الشعب السوري الذي بات أكثر من 90% منه يعيشون تحت خط الفقر.

في غياب هذه الشروط، تتحول الأموال المتدفقة بعد رفع العقوبات إلى ربح جديد بيد قلة، بينما تبقى الغالبية أسيرة الأجور الهزيلة، وغلاء المعيشة، وانعدام الأمان الاجتماعي. أي إن العدالة لا تتحقق عبر تخفيف الضغط الخارجي فقط، بل أيضاً عبر تغيير داخلي جذري في طبيعة السلطة والاقتصاد.

فرض العقوبات الأميركية على سوريا، ثم رفعها الانتقائي، تكشف طبيعة النظام الإمبريالي أكثر مما تكشف طبيعة الدولة المستهدفة. هي أدوات مرنة في يد قوة تبحث عن الاستقرار الذي يخدمها، ولا يهمها كرامة الشعوب. القراءة الماركسية اللينينية تضع هذه السياسات في سياقها الحقيقي: صراع على السيطرة. وبين الفرض والرفع، يبقى مصير الفقراء معلقاً بقدرتهم على فرض مشروع اقتصادي واجتماعي مستقل يخدم مصالحهم ويعمل على تحسين مستوى معيشتهم.

مقالات مقترحة

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني

الحرية للمناضلين في الحزب الشيوعي الأردني بيان تضامني يعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري تضامنه مع الحزب الشيوعي الأردني في نضاله الوطني والطبقي، ويدين بشدة اعتقال السلطات الرجعية الأردنية للرفيقين، عضوي المكتب السياسي: الدكتور عمر

Read More »

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة

سوريا بين مطرقة المشروع الصهيوني وسندان العثمانية الجديدة د. فداء الريان كتب الرفيق عمار بكداش، الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري، بتاريخ 11/1/2025 تحت عنوان “المهام الراهنة للشيوعيين السوريين”، يقول: “من الواضح أنه لا توجد أية

Read More »

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية

الاقتصادي السوري في ظل سلطة البرجوازية الظلامية هيئة تحرير نضال الشعب سنتوقف عند بعض الإجراءات الاقتصادية في سوريا من أجل تسليط الضوء عليها وتبيان آثارها الكارثية على وطننا وأبناء شعبنا، وخاصة الكادحين منهم. علماً أنه

Read More »

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي!

حركات التحرر الوطني والتناقض ما بين الإمبريالي! ظافر العسلي لو انطلقنا من الفهم المادي للتاريخ، بمعنى لو أخضعنا ما يجري في عالم اليوم للديالكتيك المادي، بما يتضمنه من قوانين تربط الحاضر بالماضي ضمن سلسلة متكاملة

Read More »