الحزب الشيوعي السوري
تناول أكثر من مقال فكري، نُشر في بعض الصفحات والصحف الإلكترونية، واقع الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية والإشارة إلى أنها في حالة أزمة.
في مقالنا هذا، سنناقش بعض من هذه الأفكار .
حيث تناولت هذه الأفكار التوصيف لحالة الرأسمالية العالمية في العقود الأخيرة، وما تعانيه من الأزمات البنيوية، كما أكدت على أن “الأحزاب الشيوعية والعمالية والحركات اليسارية الراديكالية تعاني بدورها من أزمة عميقة تحدّ من قدرتها على تحويل هذه التناقضات المتفاقمة إلى مشروع تغييري قادر على استقطاب الجماهير وقيادة عملية التحول الاجتماعي” .
منذ البداية، نبّه لينين إلى أن “طريق الثورة لن يكون مستقيماً كشارع “نيفسكي” في “بطرسبرغ”، بل هو طريق متعرج فيه صعود وهبوط”، وهذا الشيء شهدته كل الثورات الكبرى في تاريخ البشرية.
وقال ماركس: “قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بأشكال متنوعة، ولكن المسألة تكمن في تغييره”.
إن هذه المقولة تعني أن التفسير والتحليل، مهما كانت درجة تجريدها، يجب أن يكرّسها من أجل التغيير. وهذا ما لم تأخذها هذه الأفكار بعين الاعتبار؛ فهي تكتفي بالتوصيف والتفسير دون طرح السبل التي على الأحزاب الشيوعية والعمالية اتباعها من أجل تغيير النظام الرأسمالي. وهذا الطرح يساروي في الشكل ويميني في الجوهر، ويدل على ذلك استشهاده بقول أحد المفكرين: “فإن كثيرين باتوا يجدون من الأسهل تخيّل نهاية العالم من تخيّل نهاية الرأسمالية”.
هذا القول يذكر بما يقوله حزبنا” إما الاشتراكية أو نهاية البشرية”. وهذا تطوير لقول المناضلة الثورية روزا لوكسمبورغ :” أما الاشتراكية أو البربرية “، في عصر امتلاك الدول لسلاح الدمار الشامل، لكن شتان بين مغزى القولين؛ حيث الأول إصلاحي ويشير إلى استحالة تغيير النظام الرأسمالي، والثاني ثوري يدعو إلى النضال في سبيل تغيير الرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية، لأن عدم الانتقال قد يؤدي إلى هلاك البشرية.
تولي هذه الأفكار أهمية كبيرة لمفهوم ” الهيمنة الثقافية” لأنطونيو غرامشي و” أجهزة الإيديولوجيا”للويس ألتوسير ويعتبرهما عائقاً رئيسياً أمام التغيير.
هذا الموقف ، من وجهة النظر الماركسية ـ اللينينية، ينظر إليه على أنه استسلام نظري، فالماركسية اللينينية لا تكتفي بتحليل الهيمنة، بل تقدم استراتيجية واضحة لتفكيكها: بناء تنظيم ثوري مناضل قادر على خلق إيديولوجيا مضادة والتأثير في الجماهير، بهدف قلب علاقة القوى لصالح الطبقة العاملة.
وجاء في أحد هذه المقالات:
“وقد جرى تفسير هذه الأزمة -وأقصد أزمة الحركة الثورية- بطرق مختلفة”.
ويتوقف المقال عند بعض أسباب أزمة الحركة الثورية وما يتعرض له العامل المعاصر، ليس للاستغلال الاقتصادي فقط، بل ما يتعرض له من الهيمنة الأيديولوجية والثقافية، وما شهدته الطبقة العاملة نفسها من تحولات عميقة نتيجة التغيرات التي طرأت على شكل الإنتاج الرأسمالي؛ الأمر الذي جعل بناء الوعي الطبقي أكثر تعقيداً مما كان عليه في المراحل السابقة. وعلى الحركة الشيوعية العمالية فهم هذا الأمر عن قرب، فعدم إدراكه يعني عدم فهمها العميق لحالة قاعدتها الاجتماعية.
تميل هذه الأفكار إلى استخدام خطاب ” ما بعد الحداثة” الذي يشكك في الروايات الكبرى، مما يضعف الإيمان بوجود حل شامل وجذري، ألا وهو” دكتاتورية البروليتاريا” هذا التيار الفكري نقد بشدة من قبل الماركسيين اللينينيين بوصفه ” معاد للماركسية”,فهو يعكس فكر الطبقة البرجوازية الصغيرة ويحول اليسار إلى تيار ” يساري زائف”, وتظهر هذه الأفكار رفضاً ضمنياً للمادية الجدلية والأحادية المنهجية ( التي تؤكد أن الصراع الطبقي هو المحرك الرئيسي للتاريخ ), ويتجه نحو رؤية ” مرنة” و ” متعددة” للعوامل المؤثرة. هذا التحول بعيد كل البعد عن المركزية الطبقية التي تميز الفكر الماركسي ـ اللينيني.
بالعودة إلى السؤال الوارد في هذه الأفكار، واحتمال أن تكون الأزمة في الحركة الثورية نتيجة تخلفها عن فهم قاعدتها الاجتماعية؟.وإفتراضها أن الوعي الطبقي لم يعد كما كان بسبب” تفتت مواقع العمل”، وهذا يتناقض مع الفهم الماركسي اللينيني الذي يعتبر أن الوعي الثوري الحقيقي لا ينشأ تلقائيا في ظروف العمل. بل هو وليد الممارسة السياسية الواعية والتنظيم ، ويمكن للحزب الطليعي ، من خلال تحليله العلمي للواقع ، أن ” يحقن” هذا الوعي في الطبقة العاملة.وللإجابة على هذا السؤال وبيان مدى الفهم العميق لدى الأحزاب الشيوعية والعمالية الماركسية-اللينينية لحالة الطبقة العاملة المعاصرة ودراستها، نعود لكراس “التحريفية والثورة المضادة” للرفيق عمار بكداش، والذي صدر بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث جاء فيه:
“لا شك أن الثورة العلمية التكنيكية أدت إلى تغيرات كبيرة في تركيب المجتمع الرأسمالي. فمع ازدياد جيش العمل المأجور، تغيرت هيكليته، وتجلى ذلك بنشوء فصائل جديدة من الطبقة العاملة في الفروع الحديثة، وازدياد الوزن النوعي للعمال العاملين في قطاع الخدمات، وازدياد وزن ودور العاملين في المجال المكتبي والفكري. وتغيرت كذلك أشكال نهب الدول النامية ( الدول المتحررة)، وأصبحت تدخل أكثر فأكثر أشكال النهب المعتمدة على التفوق التكنولوجي للدول الرأسمالية المتطورة، وعلى إغراق الدول النامية بالديون، وضخ الأموال بشكل أكثر تعقيداً إلى المراكز الرأسمالية العالمية، وعلى الرغم من كل التغييرات الهيكلية، فإن التناقض الأساسي بين العمل والرأسمال قائم، والذي يتجلى في ازدياد الإفقار النسبي للطبقة العاملة في الدول الرأسمالية، وازدياد نهب الدول النامية، وازدياد التناقض بين المراكز الرأسمالية”
أي أن جوهر الرأسمالية لم يتغير، ولكن الذي تغير فقط هو بعض الظواهر المرتبطة -لا بعلاقات الإنتاج- بل بتطور التكنولوجيا.
وتتوقف هذه الأفكار عند نقطة منهجية هامة كما وردت، وهي” أن الرأسمالية التي درسها ماركس في القرن التاسع عشر ولينين في بداية القرن العشرين، تختلف في جوانب كثيرة من الرأسمالية الرقمية المعولمة في القرن الحادي والعشرين. ويضيف أن مهمة الماركسيين اليوم لا تتمثل في تكرار النصوص الكلاسيكية أو التعامل معها بوصفها أجوبة جاهزة لكل زمان ومكان، بل في استكمال ما تم التوقف عنده باستخدام المنهج المادي الجدلي لفهم التحولات الجديدة وتحليل التناقضات المستجدة التي تنتجها الرأسمالية المعاصرة”.
بكل تأكيد، الأحزاب الشيوعية التي تتبنى الماركسية-اللينينية تعتمد في تحليلها للواقع الاقتصادي والاجتماعي وتطوره على المنهج المادي الجدلي. وبالاعتماد على هذا المنهج، تدرك أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي ليس باعتبارهما مجرد تطور تقني محايد, بل بوصفهما أدوات إنتاج جديدة تملكها الطبقة الرأسمالية، مما يؤدي إلى تعميق الاستغلال وتفاقم التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي وتقريب الأزمات الثورية لها، وذلك بفعل القانون العلمي الذي اكتشفه ماركس: ” قانون ميل معدل الربح للانخفاض” . وأكد الرفيق عمار بكداش في بحثه عام 2008 تحت عنوان “تعاليم ماركس راهنة وحية طالما هناك رأسمالية”، حيث قال:
“دور الطبقة العاملة لا يتناقص في المجتمع الرأسمالي بل يزداد. وما طرأ عليه من التغييرات يمس شكل الاستغلال لها وليس مضمونه. كما أنه لا شك جرت عمليات كبرى أدت إلى تغيير شكلي في تركيب الطبقة العاملة، خاصة في الدول المتطورة رأسمالياً (المراكز الإمبريالية)، ولكن من ناحية مكانتها الاقتصادية والاجتماعية هي الحامل الرئيسي للثورة الاشتراكية وللتقدم الاجتماعي”.
وعندما وضحت الماركسية الموضوعة حول الرسالة التاريخية للطبقة العاملة، فهي انطلقت من العوامل التي حافظت على راهنيتها حتى يومنا هذا.
كما أكد الرفيق عمار بكداش في أكثر من بحث” بما أن اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية والثورة الاشتراكية، فإن قوانينها الأساسية صحيحة وقائمة مع مراعاة كيفية وشكل تطبيقها بما يتلاءم مع متغيرات ومستجدات الحياة. فقوة الأحزاب الشيوعية تأتي من صفاء إيديولوجيتها ووضوح خطها السياسي وقوة تنظيمها وصلاتها الجماهيرية الواسعة ومن خلال تحالفاتها المبنية على الأسس الصحيحة “.ويقول الرفيق عمار بكداش: “الماركسية-اللينينية حية وفعالة طالما تعمل تلك العوامل الموضوعية التي استدعتها إلى الوجود. وإذا تنكر الشيوعيون اليوم للينينية، فسيتحولون إلى مركب يسير بلا بوصلة وبلا نجم هادٍ”.
مكتب التثقيف المركزي