
الحزب الشيوعي السوري



من الصحافة الشيوعية تشهد القارة
تناول أكثر من مقال فكري، نُشر في بعض الصفحات والصحف الإلكترونية، واقع الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية والإشارة إلى أنها في حالة أزمة. ...
في مقالنا هذا، سنناقش بعض من هذه الأفكار . حيث تناولت هذه الأفكار التوصيف لحالة الرأسمالية العالمية في العقود الأخيرة، وما تعانيه من الأزمات البنيوية، كما أكدت على أن "الأحزاب الشيوعية والعمالية والحركات اليسارية الراديكالية تعاني بدورها من أزمة عميقة تحدّ من قدرتها على تحويل هذه التناقضات المتفاقمة إلى مشروع تغييري قادر على استقطاب الجماهير وقيادة عملية التحول الاجتماعي" . منذ البداية، نبّه لينين إلى أن "طريق الثورة لن يكون مستقيماً كشارع "نيفسكي" في "بطرسبرغ"، بل هو طريق متعرج فيه صعود وهبوط"، وهذا الشيء شهدته كل الثورات الكبرى في تاريخ البشرية. وقال ماركس: "قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بأشكال متنوعة، ولكن المسألة تكمن في تغييره". إن هذه المقولة تعني أن التفسير والتحليل، مهما كانت درجة تجريدها، يجب أن يكرّسها من أجل التغيير. وهذا ما لم تأخذها هذه الأفكار بعين الاعتبار؛ فهي تكتفي بالتوصيف والتفسير دون طرح السبل التي على الأحزاب الشيوعية والعمالية اتباعها من أجل تغيير النظام الرأسمالي. وهذا الطرح يساروي في الشكل ويميني في الجوهر، ويدل على ذلك استشهاده بقول أحد المفكرين: "فإن كثيرين باتوا يجدون من الأسهل تخيّل نهاية العالم من تخيّل نهاية الرأسمالية". هذا القول يذكر بما يقوله حزبنا" إما الاشتراكية أو نهاية البشرية". وهذا تطوير لقول المناضلة الثورية روزا لوكسمبورغ :" أما الاشتراكية أو البربرية "، في عصر امتلاك الدول لسلاح الدمار الشامل، لكن شتان بين مغزى القولين؛ حيث الأول إصلاحي ويشير إلى استحالة تغيير النظام الرأسمالي، والثاني ثوري يدعو إلى النضال في سبيل تغيير الرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية، لأن عدم الانتقال قد يؤدي إلى هلاك البشرية. تولي هذه الأفكار أهمية كبيرة لمفهوم " الهيمنة الثقافية" لأنطونيو غرامشي و" أجهزة الإيديولوجيا"للويس ألتوسير ويعتبرهما عائقاً رئيسياً أمام التغيير. هذا الموقف ، من وجهة النظر الماركسية ـ اللينينية، ينظر إليه على أنه استسلام نظري، فالماركسية اللينينية لا تكتفي بتحليل الهيمنة، بل تقدم استراتيجية واضحة لتفكيكها: بناء تنظيم ثوري مناضل قادر على خلق إيديولوجيا مضادة والتأثير في الجماهير، بهدف قلب علاقة القوى لصالح الطبقة العاملة. وجاء في أحد هذه المقالات: "وقد جرى تفسير هذه الأزمة -وأقصد أزمة الحركة الثورية- بطرق مختلفة". ويتوقف المقال عند بعض أسباب أزمة الحركة الثورية وما يتعرض له العامل المعاصر، ليس للاستغلال الاقتصادي فقط، بل ما يتعرض له من الهيمنة الأيديولوجية والثقافية، وما شهدته الطبقة العاملة نفسها من تحولات عميقة نتيجة التغيرات التي طرأت على شكل الإنتاج الرأسمالي؛ الأمر الذي جعل بناء الوعي الطبقي أكثر تعقيداً مما كان عليه في المراحل السابقة. وعلى الحركة الشيوعية العمالية فهم هذا الأمر عن قرب، فعدم إدراكه يعني عدم فهمها العميق لحالة قاعدتها الاجتماعية. تميل هذه الأفكار إلى استخدام خطاب " ما بعد الحداثة" الذي يشكك في الروايات الكبرى، مما يضعف الإيمان بوجود حل شامل وجذري، ألا وهو" دكتاتورية البروليتاريا" هذا التيار الفكري نقد بشدة من قبل الماركسيين اللينينيين بوصفه " معاد للماركسية",فهو يعكس فكر الطبقة البرجوازية الصغيرة ويحول اليسار إلى تيار " يساري زائف", وتظهر هذه الأفكار رفضاً ضمنياً للمادية الجدلية والأحادية المنهجية ( التي تؤكد أن الصراع الطبقي هو المحرك الرئيسي للتاريخ ), ويتجه نحو رؤية " مرنة" و " متعددة" للعوامل المؤثرة. هذا التحول بعيد كل البعد عن المركزية الطبقية التي تميز الفكر الماركسي ـ اللينيني. بالعودة إلى السؤال الوارد في هذه الأفكار، واحتمال أن تكون الأزمة في الحركة الثورية نتيجة تخلفها عن فهم قاعدتها الاجتماعية؟.وإفتراضها أن الوعي الطبقي لم يعد كما كان بسبب" تفتت مواقع العمل"، وهذا يتناقض مع الفهم الماركسي اللينيني الذي يعتبر أن الوعي الثوري الحقيقي لا ينشأ تلقائيا في ظروف العمل. بل هو وليد الممارسة السياسية الواعية والتنظيم ، ويمكن للحزب الطليعي ، من خلال تحليله العلمي للواقع ، أن " يحقن" هذا الوعي في الطبقة العاملة.وللإجابة على هذا السؤال وبيان مدى الفهم العميق لدى الأحزاب الشيوعية والعمالية الماركسية-اللينينية لحالة الطبقة العاملة المعاصرة ودراستها، نعود لكراس "التحريفية والثورة المضادة" للرفيق عمار بكداش، والذي صدر بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث جاء فيه: "لا شك أن الثورة العلمية التكنيكية أدت إلى تغيرات كبيرة في تركيب المجتمع الرأسمالي. فمع ازدياد جيش العمل المأجور، تغيرت هيكليته، وتجلى ذلك بنشوء فصائل جديدة من الطبقة العاملة في الفروع الحديثة، وازدياد الوزن النوعي للعمال العاملين في قطاع الخدمات، وازدياد وزن ودور العاملين في المجال المكتبي والفكري. وتغيرت كذلك أشكال نهب الدول النامية ( الدول المتحررة)، وأصبحت تدخل أكثر فأكثر أشكال النهب المعتمدة على التفوق التكنولوجي للدول الرأسمالية المتطورة، وعلى إغراق الدول النامية بالديون، وضخ الأموال بشكل أكثر تعقيداً إلى المراكز الرأسمالية العالمية، وعلى الرغم من كل التغييرات الهيكلية، فإن التناقض الأساسي بين العمل والرأسمال قائم، والذي يتجلى في ازدياد الإفقار النسبي للطبقة العاملة في الدول الرأسمالية، وازدياد نهب الدول النامية، وازدياد التناقض بين المراكز الرأسمالية" أي أن جوهر الرأسمالية لم يتغير، ولكن الذي تغير فقط هو بعض الظواهر المرتبطة -لا بعلاقات الإنتاج- بل بتطور التكنولوجيا. وتتوقف هذه الأفكار عند نقطة منهجية هامة كما وردت، وهي" أن الرأسمالية التي درسها ماركس في القرن التاسع عشر ولينين في بداية القرن العشرين، تختلف في جوانب كثيرة من الرأسمالية الرقمية المعولمة في القرن الحادي والعشرين. ويضيف أن مهمة الماركسيين اليوم لا تتمثل في تكرار النصوص الكلاسيكية أو التعامل معها بوصفها أجوبة جاهزة لكل زمان ومكان، بل في استكمال ما تم التوقف عنده باستخدام المنهج المادي الجدلي لفهم التحولات الجديدة وتحليل التناقضات المستجدة التي تنتجها الرأسمالية المعاصرة". بكل تأكيد، الأحزاب الشيوعية التي تتبنى الماركسية-اللينينية تعتمد في تحليلها للواقع الاقتصادي والاجتماعي وتطوره على المنهج المادي الجدلي. وبالاعتماد على هذا المنهج، تدرك أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي ليس باعتبارهما مجرد تطور تقني محايد, بل بوصفهما أدوات إنتاج جديدة تملكها الطبقة الرأسمالية، مما يؤدي إلى تعميق الاستغلال وتفاقم التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي وتقريب الأزمات الثورية لها، وذلك بفعل القانون العلمي الذي اكتشفه ماركس: " قانون ميل معدل الربح للانخفاض" . وأكد الرفيق عمار بكداش في بحثه عام 2008 تحت عنوان "تعاليم ماركس راهنة وحية طالما هناك رأسمالية"، حيث قال: "دور الطبقة العاملة لا يتناقص في المجتمع الرأسمالي بل يزداد. وما طرأ عليه من التغييرات يمس شكل الاستغلال لها وليس مضمونه. كما أنه لا شك جرت عمليات كبرى أدت إلى تغيير شكلي في تركيب الطبقة العاملة، خاصة في الدول المتطورة رأسمالياً (المراكز الإمبريالية)، ولكن من ناحية مكانتها الاقتصادية والاجتماعية هي الحامل الرئيسي للثورة الاشتراكية وللتقدم الاجتماعي". وعندما وضحت الماركسية الموضوعة حول الرسالة التاريخية للطبقة العاملة، فهي انطلقت من العوامل التي حافظت على راهنيتها حتى يومنا هذا. كما أكد الرفيق عمار بكداش في أكثر من بحث" بما أن اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية والثورة الاشتراكية، فإن قوانينها الأساسية صحيحة وقائمة مع مراعاة كيفية وشكل تطبيقها بما يتلاءم مع متغيرات ومستجدات الحياة. فقوة الأحزاب الشيوعية تأتي من صفاء إيديولوجيتها ووضوح خطها السياسي وقوة تنظيمها وصلاتها الجماهيرية الواسعة ومن خلال تحالفاتها المبنية على الأسس الصحيحة ".ويقول الرفيق عمار بكداش: "الماركسية-اللينينية حية وفعالة طالما تعمل تلك العوامل الموضوعية التي استدعتها إلى الوجود. وإذا تنكر الشيوعيون اليوم للينينية، فسيتحولون إلى مركب يسير بلا بوصلة وبلا نجم هادٍ". مكتب التثقيف المركزي ...
منذ أكثر من قرن، اعتادت الأنظمة الرأسمالية أن تُقدّم نفسها بوصفها معبد الحريات وفضاءً مفتوحاً للفكر والاختلاف. غير أنّ هذه الصورة اللامعة سرعان ما تتشقق ...
كلما هبَّ نسيم خفيف، يحمل في طياته شيئاً من الشيوعية الماركسية–اللينينية. وكأنّ “شبح الشيوعية” الذي أعلن عنه ماركس ذات يوم لا يزال حيّاً، يتجول في أروقة الديمقراطيات الغربية، فيثير فيها قلقاً لا تخطئه العين. ازدواجية الحرية: حرية لهم وليست للآخرين الرأسمالية ترفع شعار حرية التعبير، لكنها ما إن تشعر بأن خطاباً ما يلامس أصل المشكلة—أي النقد الجذري لبنية الملكية والاستغلال—حتى تنقلب الحرية إلى “خطر على الأمن”، ويصبح النقد “ترويجاً للشمولية”. وهنا تتكشف الازدواجية: • يُسمح لليمين المتطرف بالتنظير لسياسات إقصائية بحجة “التعددية”. • لكن يُحظر الحزب الشيوعي البولندي رغم أنه لا يملك لا يملك كتلة انتخابية، فقط لأنه يذكّر بما تحاول الرأسمالية إخفاءه: أن هناك بديلاً آخر مهما حاولوا دفنه. قرار المحكمة الدستورية البولندية في 2025 بإلغاء الحزب الشيوعي البولندي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه رد فعل رمزيّاً، يهدف إلى تأكيد ما تريده المنظومة: “التاريخ انتهى، والرأسمالية هي قدر البشرية الوحيد.” لكنّ القرارات التي تُتخذ بدافع الخوف نادراً ما تخفي حقيقة الخوف نفسه. لماذا تخاف الرأسمالية من فكرة سقطت أنظمتها؟ النظام الرأسمالي يردد إن الشيوعية “ماتت”، لكن لو كانت فعلاً قد ماتت فلماذا كل هذا الذعر؟ الجواب يكمن في أنّ الماركسية لم تكن نظاماً سياسياً فقط، بل نقداً علمياً للرأسمالية نفسها. أي محاولة حظر لها هي في الحقيقة محاولة لحظر المرآة التي تعكس عيوب النظام. وإذا كانت الأنظمة الاشتراكية قد انهارت، ولكن النقد الماركسي للرأسمالية لم يتهاوَ، لأنه ليس مرتبطاً بدولة، بل بآليات اقتصادية واجتماعية تتكرر اليوم أمام أعين العالم.ولهذا يخافون: • لأنّ الأزمات التي وصفها ماركس—الركود، الاحتكار، تركز الثروة، تهميش العمال—تتجلى اليوم مرة أخرى. • ولأن كل أزمة تُعيد سؤال البديل إلى الساحة، حتى لو حاولوا إسكاته بحكم قضائي. الرأسمالية في أزمة… والحظر علامة ضعف لا قوة الأزمة الاقتصادية العالمية التي تتسع منذ 2008 وتعود في موجات متلاحقة—غلاء أسعار، ركود، تفاوت طبقي، انهيارات مالية—تكشف هشاشة البنية التي تدعي التفوق المطلق. وعندما يضرب الضعف أركان منظومة ما، فإن أول ما تفعله هو: 1. إسكات النقد 2. تجريم الفكر المعارض 3. اصطناع تهديدات أيديولوجية لصرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية لهذا لا يمكن فصل حظر الحزب الشيوعي البولندي سنة 2025 عن المناخ العام للأزمة الاقتصادية في أوروبا والعالم. فبدلاً من مواجهة سؤال: “لماذا تفشل الرأسمالية في حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة؟” تلجأ الدولة إلى تقديم كبش فداء أيديولوجي: “الشيوعية تهدد الديمقراطية!” لكن الحقيقة الواضحة هي: الديمقراطية التي تخاف من حزب صغير وتضيق بالنقد ليست واثقة بنفسها، بل مترنحة. مفارقة العصر: قوة الرأسمالية ليست في نجاحها، بل في غياب البديل المنظم رغم أن الأنظمة الرأسمالية اليوم لا تواجه حركة شيوعية قوية كما في القرن الماضي، ومع ذلك تستمر في إغلاق المنافذ أمام أي خطاب بديل. هذا يدل على أن: • الخوف ليس من قوة الشيوعية فحسب، بل من قوة الأسئلة التي تطرحها الشيوعية. • والرغبة ليست في حماية المجتمع، بل في حماية بنية الملكية الخاصة وتركز رأس المال. والنقطة الأعمق أن الرأسمالية تخاف من شيء قد يحدث عندما تنفجر أزماتها المقبلة. في النهاية… الشبح لم يمت يمكن إسكات الأحزاب، ويمكن حلّ المنظمات، ويمكن محو الرموز. لكن لا يمكن إلغاء التناقضات التي تولّد الأسئلة ذاتها كلما اشتدت الأزمة. ولهذا، رغم مرور عقود على سقوط الأنظمة الاشتراكية، فإن فكرة العدالة الاجتماعية، والمساواة الاقتصادية، وملكية الشعب لنتاج عمله لا تزال تُرعب مراكز القوة الرأسمالية. لقد قال ماركس ذات مرة إن الشبح يطارد أوروبا. واليوم—بعد قرن ونصف—يبدو أن هذا الشبح لم يفقد قدرته على تخويف من يحتكرون الحرية لأنفسهم ويمنعونها عن الآخرين. لوسيانا عبد النور ...
جوهر الأزمة في الرأسمالية كما حدده ماركس يكمن في غياب التخطيط المركزي الواعي للإنتاج. فالإنتاج في هذا النظام يتم بشكل اجتماعي واسع تشترك فيه ...
ملايين الأيدي العاملة وسلاسل إنتاج معقّدة، بينما يبقى قرار الإنتاج خاضعاً لمصالح فردية واحتكارية هدفها تحقيق الربح لا تلبية حاجات المجتمع. هذا التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للتملك هو الأساس البنيوي لفوضى الإنتاج. في ظل غياب التخطيط لا يعرف أي رأسمالي ما ينتجه الآخر، ولا تُحدَّد أولويات الإنتاج على أساس الحاجات الفعلية للمجتمع، بل على أساس توقعات السوق والمضاربة والربح السريع. ومن هنا تصبح الأزمات الاقتصادية حتمية لا استثناءً. فائض إنتاج، كساد، بطالة، تعطّل قوى إنتاج كاملة، ثم إعادة تشغيلها مؤقتاً بانتظار الأزمة التالية. هذه ليست أعطالاً عرضية، بل قوانين داخلية لنمط الإنتاج الرأسمالي. غير أنّ الأزمة الراهنة لم تعد تشبه الأزمات الدورية التي عرفتها الرأسمالية في مراحل سابقة، تلك التي كانت تمرّ بدورات شبه منتظمة من ازدهار ثم كساد ثم تعافٍ نسبي. فما نشهده اليوم يدلّ على انتقال الأزمة من طابعها الدوري إلى طابعها البنيوي العميق. ففي السابق كان النظام قادراً، رغم التدمير الاجتماعي الهائل، على إعادة إنتاج شروط استمراره عبر فتح أسواق جديدة، أو تدمير جزء من قوى الإنتاج، أو شنّ حروب كبرى، أو إدخال تقنيات جديدة ترفع معدلات الربح مؤقتاً. أمّا اليوم فإن هذه الأدوات نفسها لم تعد قادرة على إعادة التوازن. ويظهر هذا التحوّل البنيوي بوضوح خاص منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي شكّلت لحظة كاشفة لعجز الرأسمالية المعاصرة عن استعادة توازنها التاريخي. فمنذ تلك الأزمة لم تتمكّن الدول الرأسمالية الصناعية وحتى يومنا هذا من استعادة عافيتها الفعلية، رغم كل ما اتُّخذ من إجراءات استثنائية. فقد جرى إنقاذ المصارف، وضخّ تريليونات الدولارات، وتوسيع غير مسبوق للديون العامة، واعتماد سياسات نقدية توسّعية طويلة الأمد، دون أن يفضي ذلك إلى دورة تعافٍ مستقرة على غرار ما كان يحدث في الأزمات الدورية السابقة. ما يؤكّد أن أزمة 2008 لم تكن أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية في تعمّق الأزمة البنيوية. إلى جانب التناقض البنيوي الجوهري الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي، والمتمثّل في غياب التخطيط المركزي الواعي لوسائل الإنتاج، والتناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للتملّك، تبرز في المرحلة المعاصرة تناقضات إضافية ناتجة عن التطور التاريخي لقوى الإنتاج نفسها. فالتقدم التكنولوجي المتسارع لم يعد مجرّد عامل تقني محايد داخل عملية الإنتاج، بل بات يشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة وسائل الإنتاج. ويعيد هذا التحول إلى الأذهان المسار التاريخي الذي شهدته المجتمعات الأوروبية منذ بدايات العصر الحديث، حين بدأت وسائل الإنتاج الزراعية الإقطاعية تفقد قدرتها على استيعاب تطور قوى الإنتاج. فبرزت وسائل الإنتاج الصناعية وتبلور الصراع بينها وبين الإقطاع قبل أن يُحسم هذا الصراع تاريخياً عبر الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. وفي السياق الراهن تتقدّم وسائل إنتاج تكنولوجية جديدة لتدخل في تناقض متزايد مع وسائل الإنتاج الصناعية التقليدية. غير أنّ هذا الصراع لا يلغي التناقض الأساسي في الرأسمالية، بل يتراكب معه. وكما أكّد كارل ماركس فإن نمط الإنتاج الرأسمالي يحمل في بنيته الداخلية تناقضات تاريخية ستقود حتمًا إلى تآكله الذاتي وانهياره. لقد وصلت الرأسمالية إلى مرحلة باتت فيها الأزمات ممتدّة زمنياً، ومتداخلة الأبعاد، وعالمية الطابع. أزمة إنتاج تترافق مع أزمة مالية، وديون متفاقمة، وأزمة شرعية سياسية، وأزمة نظام دولي. لم تعد الأزمة تُغلق لتبدأ من جديد، بل تتخذ أشكالاً متلاحقة داخل أزمة واحدة مستمرة، ما يشكّل دليلاً مادياً على تعمّقها البنيوي. وحين يُطرح التخطيط كحل، يظهر التناقض الجذري بوضوح. فالتخطيط المركزي للإنتاج يعني إخضاع السوق والربح لمنطق اجتماعي واعٍ، وتحديد ما يُنتج وكيف يُنتج ولمن يُنتج. وهذا يتناقض كلياً مع جوهر الرأسمالية. لذلك إذا وُجد تخطيط حقيقي للإنتاج انتفى النظام الرأسمالي، وإذا بقي النظام الرأسمالي استحال القضاء على الأزمات. من هنا نفهم أن الأزمة ليست خللاً قابلاً للإصلاح، بل هي جوهر النظام نفسه وقد بلغ حدوده التاريخية. ومع تعمّق هذه الأزمة البنيوية في المرحلة المعاصرة لم تعد محصورة داخل الدول، بل تحوّلت إلى أزمة عالمية شاملة. فالعولمة لم تُلغِ فوضى الإنتاج، بل عمّمتها ونقلت التناقضات إلى مستوى كوني. وبدلاً من حلّها زادت حدّتها، فانتقلت الأزمة من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي والجيوسياسي. هنا يتجلّى تحليل لينين للإمبريالية، حيث تتحوّل المنافسة الاقتصادية إلى صراع حاد بين الدول الرأسمالية الكبرى على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ. ويزداد هذا التناقض وضوحاً في مرحلة الإمبريالية المعاصرة، حيث يتداخل الرأسمال العالمي بشكل عميق، فتملك الشركات الأميركية حصصاً واستثمارات داخل الصين، كما تدخل الشركات الأوروبية في شراكات إنتاجية وتكنولوجية مع الرأسمال الصيني، وتمتد الاستثمارات الصينية بدورها إلى داخل الأسواق الأوروبية والأميركية. غير أن هذا التداخل لا ينفي الصراع الإمبريالي، بل يشكّل أحد مظاهره الأساسية كما أكّد لينين، إذ إن تشابك الرساميل لا يجري في إطار انسجام أو تخطيط واعٍ للإنتاج، بل ضمن تنافس احتكاري حاد على السيطرة والهيمنة. فالرأسمال، بوصفه قيمة تسعى إلى تعظيم الربح، يتحرّك بلا اعتبار للحدود القومية، بينما تبقى الدولة الإمبريالية أداة في يد الكتل الاحتكارية المسيطرة داخل كل مركز رأسمالي. وقد يجد الرأسمال الفردي مصلحته في الشراكة أو الاستثمار المتبادل، إلا أن الدولة الإمبريالية تتدخل عندما يتحوّل هذا التداخل إلى تهديد لمواقع الهيمنة الاقتصادية أو التكنولوجية أو المالية. عند هذه النقطة يتقدّم منطق الصراع على منطق الشراكة، وتتحوّل العلاقات الاقتصادية المتشابكة إلى ساحات مواجهة سياسية وتجارية وحتى عسكرية. وفي هذا السياق لا يمكن فهم صعود الخطاب الترامبي وسياساته إلا كتعبير مباشر عن تعمّق الأزمة البنيوية في الرأسمالية الأميركية. ويشكّل دونالد ترامب تعبيراً فاقعاً عن مرحلة الانكشاف الوقح في السياسة الإمبريالية الأميركية، حيث لم تعد الولايات المتحدة تحاول إخفاء أهدافها خلف شعارات أخلاقية أو إنسانية، بل باتت تعلنها بصورة مباشرة. فترامب لا يمثّل انحرافاً شخصياً بقدر ما يعكس أزمة عميقة في النظام الرأسمالي الإمبريالي نفسه، الذي لم يعد قادراً حتى على إنتاج خطاب تبريري مقنع. وفي هذا السياق كما قال الأمين العام الراحل الدكتور عمار بكداش: «لم يأتِ رئيس أميركي منذ منتصف القرن العشرين يعلن بكل صراحة ووقاحة أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو نهب العالم كما يفعل دونالد ترامب الآن.» ويختصر هذا التوصيف بدقّة جوهر سياسات ترامب، التي قامت على الابتزاز الاقتصادي، وفرض الخوّات السياسية، وتحويل العلاقات الدولية إلى علاقات قسرية تخدم مصالح رأس المال الأميركي الاحتكاري. أما الاتحاد الأوروبي فيظهر كأحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا العجز البنيوي. فهو وحدة سوق دون وحدة تخطيط، وعملة موحّدة دون سياسة إنتاج موحّدة، وتجمّع احتكارات متنافسة ضمن إطار واحد. لذلك يتعرّض لهزّات متكرّرة ويعجز عن الاستقلال السياسي والأمني، ويبقى تابعاً للمركز الإمبريالي الأميركي أو مهدَّداً بالتفكّك عند أوّل صدام جدّي في المصالح. وتأتي موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا في المرحلة الأخيرة لتشكّل تعبيراً مباشراً عن تعمّق هذه الأزمة داخل دول المركز الرأسمالي الأوروبي. ففرنسا، بوصفها إحدى الركائز الأساسية في الاتحاد الأوروبي، تشهد تصاعداً متكرّراً في الاحتجاجات ضد سياسات التقشّف وارتفاع كلفة المعيشة وتآكل الحقوق الاجتماعية، ما يعكس اتساع الفجوة بين متطلبات تراكم رأس المال الاحتكاري والحاجات الاجتماعية للطبقات الشعبية. ولا تندرج احتجاجات الفلاحين التي شهدتها فرنسا يوم الجمعة الفائت، 19 كانون الأوّل/ديسمبر 2025، خارج هذا السياق، بل تمثّل أحد أكثر تجلياته حدّة، إذ لا تعبّر عن أزمة اقتصادية بسيطة أو مطالب فئوية معزولة، وإنما تعكس صراعاً بنيوياً في هيكلية الرأسمالية المعاصرة التي تُخضع منتجي الغذاء لمنطق سوق عالمي غير متكافئ تهيمن عليه الاحتكارات الكبرى، ما يبيّن أن الحل لا يكمن في التفاوض مع الدولة الرأسمالية وحدها، بل في بناء قوى موحّدة للعمال والمزارعين في مواجهة هيمنة رأس المال الاحتكاري ومنطق السوق الرأسمالي نفسه. من هنا يتضح أن الحل لا يمكن أن يكون إصلاحياً. فكل إصلاح يُبقي السوق حكَماً، وكل تدخل للدولة ضمن الرأسمالية يبقى في خدمة رأس المال ويؤجّل الأزمة ولا يلغيها. الأزمة الراهنة بطابعها البنيوي تؤكّد ما شدّد عليه ماركس وعمّقه لينين: الرأسمالية تصل في مرحلة الإمبريالية إلى حدود تاريخية تعجز عندها عن الاستمرار دون تعميق التناقضات. وهكذا فإن ما نشهده اليوم من أزمات متلاحقة وصراعات دولية ليس سوى التعبير التاريخي عن عجز الرأسمالية عن تنظيم إنتاجها، فتحاول تنظيم العالم عبر الصراع. وكما في الخلاصة الماركسية–اللينينية الواضحة: غياب التخطيط يعني أزمات حتمية، ووجود التخطيط يعني نفي الرأسمالية، ولذلك فإن تجاوز هذه الأزمة البنيوية لا يمكن أن يتم إلا عبر تجاوز النظام الرأسمالي نفسه وبناء نمط إنتاج قائم على التخطيط الواعي وتوجيه قوى الإنتاج لخدمة حاجات المجتمع.لوسيانا عبد النور ...