احتجاجات الجزيرة في أسبوعها الثاني..

احتجاجات الجزيرة في أسبوعها الثاني..

راسم علي

تدخل الاحتجاجات الشعبية في مدن وبلدات محافظة الحسكة، وفي مقدمتها مدينة القامشلي، أسبوعها الثاني على التوالي، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية والخدمية التي تعاني منها المنطقة التي تضم الجزء الأكبر من حقول النفط والغاز في سوريا ، حيث تتفاقم فيها المعاناة اليومية بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه، وتراجع الخدمات الأساسية .

لم تكن الاحتجاجات التي شهدتها القامشلي والحسكة مجرد رد فعل لحظي على قرار رفع أسعار المحروقات، بل جاءت نتيجة تراكمات امتدت لأسابيع وأشهر، مع استمرار تراجع كميات المازوت الخدمي، وارتفاع كلفة الكهرباء والنقل والمياه والخبز في آن واحد.

ويطالب المحتجون بـ :

· تخفيض أسعار المحروقات، وخاصة مادة المازوت، لما لها من تأثير مباشر على الزراعة والتدفئة والنقل، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت الحر من 55 سنتاً إلى 75 سنتاً، فيما بلغ سعر المازوت القادم من المصافي الحكومية 88 سنتاً لليتر، وهو أعلى مستوى تشهده المنطقة منذ سنوات.

· تحسين مستوى المعيشة وضبط أسعار السلع الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة اليومية الذي زاد من الأعباء الملقاة على كاهل الأهالي.

· إيجاد حلول عاجلة لأزمتي المياه والكهرباء، في وقت تتزامن فيه الأزمة مع موجة حر وارتفاع غير مسبوق في الطلب على الكهرباء والمياه.

· ضمان وصول المازوت المدعوم إلى المواطنين وأصحاب المولدات ووسائل النقل، بدلاً من تسربه إلى السوق السوداء .

هذه المطالب المحقة لكادحي الجزيرة التي تمعن السلطة في حرمانهم منها، و شهدت مدينة القامشلي مظاهرات شعبية تخللها إحراق إطارات وقطع للطرق احتجاجاً على ارتفاع وتفاوت أسعار المحروقات وتوقف توريد المازوت. ونظم سائقو السرافيس وسيارات الأجرة وقفات احتجاجية ، تخللها إغلاق مؤقت للطرق احتجاجاً على رفع سعر البنزين المخصص لهم عبر البطاقات من 425 ليرة سورية إلى 8000 ليرة لليتر الواحد.

كما شهدت المدينة و بمشاركة منظمة الجزيرة للحزب الشيوعي السوري الى جانب جماهير الشعب وقفات احتجاجية يومية في أماكن مختلفة ، رفع المشاركون فيها لافتات تطالب بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، ورددوا هتافات تدعو إلى تخفيض أسعار الوقود وإيجاد حلول عاجلة لأزمات الكهرباء وغلاء المعيشة .

تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً في أن محافظة الحسكة التي تضم الجزء الأكبر من حقول النفط والغاز في البلاد، تجد نفسها أمام أزمة متفاقمة في توفير المازوت. وبينما يفترض أن تكون المنطقة الأكثر قدرة على تأمين احتياجاتها من الوقود، تحولت خلال الأيام الماضية إلى مسرح لاحتجاجات شعبية وإغلاق طرق وارتفاعات متسارعة في الأسعار.

وانتقلت تداعيات الأزمة سريعاً إلى مختلف القطاعات .

إن استمرار الأزمة دون حلول جذرية يهدد بتصعيد الاحتجاجات وتوسع رقعتها. ومن الحلول العملية المطلوبة:

1. تخفيض أسعار المحروقات بشكل فوري، والعودة إلى التسعير العادل الذي يراعي القدرة الشرائية للمواطنين.

2. ضبط السوق ومنع الاحتكار والتسرب، عبر تشديد الرقابة على توزيع المازوت .

3. إيجاد حلول لأزمة الكهرباء من خلال صيانة شبكات التوزيع، و الحد من التلوث البيئي في مدن الجزيرة ، وتأمين الوقود اللازم لتشغيل المولدات .

4. معالجة أزمة المياه عبر تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، وضخ كميات كافية من المياه للمناطق المتضررة.

5. دعم القطاع الزراعي والنقل اللذين يعتمدان بشكل كبير على المحروقات، وتقديم إعفاءات أو دعم مباشر للفلاحين والسائقين.

إن استمرار الاحتجاجات في قامشلي والحسكة و بلدات المحافظة لأسبوعين متتاليين هو رسالة واضحة على حجم المعاناة التي يعيشها الأهالي، وهم يئنون تحت وطأة غلاء المحروقات وانقطاع الكهرباء وشح المياه وتراجع الخدمات. والمطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تعمل القوى الوطنية بكل مسؤولية للضغط من أجل تحقيقها، و تشكيل تحالف واسع ، معتمداً على جماهير الشعب يؤدي الى قيام سلطة وطنية ديمقراطية قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى انفجار شعبي أوسع قد لا تحمد عقباه. فمعاناة المواطن في جزيرتنا المعطاءة ليست مجرد أرقام وأسعار، بل هي حياة يومية يدفع ثمنها الفقراء والموظفون والعمال والفلاحون، في منطقة تزخر بالثروات لكنها تعاني من أشد أنواع الحرمان.

مزيد من المقالات