لوسيانا عبد النور
«لأول مرة، أصبحت العائلة الأوروبية تخشى على مستقبل أولادها، وأصبح الفقر النسبي يشكل خطرا حقيقيا على بنية النظام الرأسمالي.»
الدكتور عمار بكداش
لم تعد أزمة المجتمع الأوروبي تُقاس فقط بعدد الذين يعيشون في الفقر المدقع، بل باتساع الشعور بأن امتيازات الحياة التي استطاعت أجيال أن حصل عليها بفضل نضالات الطبقة العاملة الاوروبية وبفضل قوة المثل في المنظومة الاشتراكية، أصبحت أصعب على الأجيال الذي القادمة. قد يمتلك العامل أو الموظف عملًا ومسكنًا ولا يُصنَّف فقيرًا، لكنه يرى قدرته الشرائية تتراجع، والسكن يصبح أكثر كلفة، والعمل أقل استقرارًا، ويخشى ألا يستطيع أبناؤه بلوغ المستوى الاجتماعي الذي وصل إليه. هنا تكمن خطورة الفقر النسبي: الإحساس بالتراجع الاجتماعي وسط مجتمع تتراكم فيه الثروة وتتطور فيه القوى المنتجة بصورة غير مسبوقة.
يظهر هذا التناقض بوضوح في ألمانيا، التي استندت قوتها الاقتصادية لعقود إلى قاعدة صناعية ضخمة وقدرة تصديرية عالية وأسواق خارجية واسعة وطاقة وفرت للصناعة شروطًا تنافسية ملائمة. لكن هذه المعادلة تعرضت لهزات كبيرة مع ارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة، والضغط على السكن والخدمات، واشتداد المنافسة الدولية، والقلق حول مستقبل قطاعات أساسية من الصناعة. والتراجع في القدرة على إنتاج الثروة، مع ازدياد التناقض بين هذه القدرة وبين الأمن الاقتصادي والاجتماعي الذي يحصل عليه المنتجون.
كان من الممكن أن يجد هذا التناقض تعبيره في تصاعد الصراع الطبقي وتعزيز تنظيم الطبقة العاملة، إلا أن الأحزاب الشيوعية والعمالية الأوروبية تعرضت خلال عقود لعملية إضعاف سياسي وفكري وتنظيمي. ولم يبدأ ذلك مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وإن كان انهياره قد عمّقه، بل سبقته عملية طويلة من تغلغل أفكار الاشتراكية الديمقراطية والانتهازية والتيارات الإصلاحية داخل الحركة العمالية، وانحراف أجزاء من الحركة الشيوعية عن الصراع لتغيير علاقات الإنتاج والسلطة الطبقية نحو القبول بإدارة الرأسمالية وإصلاحها ضمن حدودها.
ومع تراجع التنظيم والوعي الطبقي، احتل اليسار الليبرالي مساحة متزايدة مما كان يُقدَّم بوصفه خطابًا يساريًا. فتراجعت أسئلة ملكية وسائل الإنتاج، وعلاقة العمل برأس المال، ومن ينتج الثروة ومن يستحوذ عليها، بينما تقدمت قضايا الهوية والثقافة منفصلة عن أساسها الطبقي. لم تختفِ الحركة الشيوعية ولا الصراع الطبقي، لكن ضعف الأحزاب الشيوعية المنظمة أخلّ بميزان القوى وترك قطاعات من الطبقة العاملة أمام أزمة تتفاقم دون قوة قادرة على تنظيم غضبها وتوجيهه نحو مسبباتها الحقيقية.
في هذه الظروف وجدت قطاعات من مالكي وسائل الإنتاج، أي من رأس المال الألماني، في اليمين الشعبوي أداة سياسية لإعادة توجيه السخط الاجتماعي بعيدًا عن أساسه الطبقي. ويبرز هنا حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، الذي يجمع بين التشدد تجاه الهجرة واللجوء والمساعدات وقضايا الهوية وبين الدفاع عن الملكية الخاصة واقتصاد السوق. وهكذا يستطيع اليمين الشعبوي مخاطبة المتضررين بلغة الاحتجاج على النظام السياسي دون المساس بالأساس الاقتصادي لسلطة رأس المال.
فبدل السؤال عن سبب تراجع القدرة الشرائية مع استمرار تراكم الثروة، يصبح السؤال: كم يحصل اللاجئ من المساعدات؟ وبدل البحث في أسباب أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، يصبح المهاجر مسؤولًا عنها. وبدل النقاش حول الأرباح والضرائب والخدمات وتوزيع الثروة، يتحول النقاش إلى الأموال التي تُنفق على المهاجرين. وتُستخدم قضايا المثلية والجندر والهوية لتوسيع الصراع الثقافي على حساب الصراع الطبقي. وهكذا يتحول التناقض بين العمل ورأس المال إلى تناقض داخل الطبقات الشعبية نفسها: العامل الألماني في مواجهة العامل المهاجر، والمواطن في مواجهة اللاجئ، والفقير في مواجهة فقير آخر، بينما يبقى مالك وسائل الإنتاج بعيدًا عن دائرة الغضب.
وقد قامت قوة الصناعة الألمانية لعقود على معادلة جمعت بين السوق الأوروبية، والعلاقات التجارية الواسعة مع الصين، والطاقة الروسية التي خدمت قدرتها التنافسية، وبين الارتباط السياسي والعسكري الوثيق بالولايات المتحدة. الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا وأزمة الطاقة وتصاعد الصراع الأميركي مع الصين هزّت هذه المعادلة، وأبرزت التناقض بين مصالح قطاعات من رأس المال الألماني وبين حدود الهيمنة الأميركية.
فرأس المال لا يبني موقفه على الصداقة أو العداء بين الدول، بل على الأسواق والطاقة والمواد الأولية وكلفة الإنتاج ومعدلات الربح. وحين تصبح نتائج الأزمات الدورية المتتالية والجزمة الهيكلية خطرا على النظام الرأسمالي وعلى مصالح قطاعات من مالكي وسائل الإنتاج، تبحث هذه القطاعات عن أدوات سياسية تمنحها هامشًا أوسع للحركة
12 سبتمبر 2026



