مراسل نضال الشعب- حلب
تواجه محافظة حلب تراجعاً كبيراً في أعداد المتعلمين، إذ بلغت نسبة الأمية في المحافظة حوالي 25% من إجمالي السكان، بينما تقفز هذه النسبة لتصل إلى 50% في المناطق الريفية النائية. ويعود هذا التدهور بشكل رئيسي إلى ظاهرة التسرب المدرسي التي تفاقمت على مدار سنوات طويلة عاشها الشعب السوري في خضم الحروب والصراعات. وتُعد محافظة حلب من أكثر المحافظات السورية تضرراً من هذه الظاهرة؛ حيث يُقدر عدد الأطفال المتسربين في عموم المحافظة بين 250 ألفاً و300 ألف طفل خارج منظومة التعليم بشكل كامل أو مؤقت.
توزيع نسب التسرب بين المدينة والريف
يُعتبر ريف حلب المتضرر الأكبر من هذه الأزمة، إذ تصل نسبة المتسربين فيه إلى 65%، وبأعداد تُراوح بين 170 ألفاً و200 ألف طفل، ولا سيما في مخيمات النزوح والبلدات المتضررة جراء العمليات العسكرية. أما في مدينة حلب، فتقدر النسبة بـ 35% (أي بحدود 80 إلى 100 ألف طفل)، حيث يتركز هؤلاء المتشربون أساساً في أحياء حلب الشرقية والعشوائيات، مثل: الشعار، والسكري، وصلاح الدين، والتي تعاني من اكتظاظ وضغط سكاني هائل.
ونتيجة للتضخم الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة بنسب قياسية، يتجه غالبية الأطفال المتسربين في المدينة إلى سوق العمل والمهن الحرة والورش الصناعية (كالخياطة ومحلات الإصلاح وغيرها) لإعالة أسرهم. وفي المقابل، يتجه أطفال الأرياف للعمل في الأراضي الزراعية وتربية المواشي.
الفقر وتكاليف التعليم الباهظة
تُشير إحصائيات “هيئة التخطيط والإحصاء السورية” لعام 2026 إلى أن 27% من الأسر السورية عاجزة تماماً عن تحمل المصاريف التعليمية؛ ويشمل ذلك أسعار المستلزمات المدرسية من ملابس وحقائب، إضافة إلى الارتفاع الحاد في أجور النقل والقرطاسية.
ويمكن تفصيل كلفة تجهيز الطالب الواحد في أسواق حلب الشعبية على النحو الآتي:
• المرحلة الابتدائية (الصفوف: الأول، الثاني، الثالث): تُراوح تكلفة السلة الواحدة بين 500,000 إلى 700,000 ليرة سورية.
• المرحلة الابتدائية (الصفوف: الرابع، الخامس، السادس): ترتفع التكلفة لتصل إلى ما بين 700,000 إلى مليون ليرة سورية.
• المرحلة الإعدادية: تُراوح الكلفة بالحدود المقبولة بين مليون إلى مليون ونصف الليرة السورية.
• المرحلة الثانوية: تتراوح بين مليون ونصف إلى مليونين و200 ألف ليرة سورية.
تعتذر هذه الأرقام ضخمة جداً مقارنة بدخل المواطن السوري؛ إذ لا يتجاوز راتب موظف القطاع الحكومي حاجز الـ 100 دولار، بينما يراوح متوسط أجور القطاع الخاص بين 150 و250 دولاراً شهرياً. وبناءً على هذه المعطيات، فإن 19% من الأسر التي تسرب أبناؤها من المدارس اتخذت هذا القرار مدفوعة بالحاجة الملحّة لعمالة الأطفال بهدف تأمين لقمة العيش، في ظل القفزات التضخمية التي شهدتها تكاليف المعيشة والخدمات خلال العام الأخير. فبحسب بيانات “برنامج الأغذية العالمي”، بلغت نسبة ارتفاع الأسعار 33% عند المقارنة بين منتصفي عامي 2025 و2026، وعلى الرغم من الزيادات التي طرأت على الأجور، إلا أنها لا تغطي أكثر من 47% فقط من سلة الحد الأدنى للإنفاق الأساسي.
العوامل الفكرية وواقع البنية التحتية
إلى جانب العامل المادي، يبرز ضعف الوعي وانتشار الأفكار الظلامية والرجعية في أوساط المجتمع كسبب وجيه للتسرب؛ حيث أظهرت الإحصائيات أن حوالي 17% من أسر المتسربين يعتقدون أن التعليم لم يعد يضمن مستقبلاً اقتصادياً واضحاً لأبنائهم في ظل الظروف الراهنة، بينما تمتنع الكثير من العائلات من تدريس بناتها نتيجة الفكر الرجعي الظلامي.
علاوة على ذلك، يشكل واقع البنية التحتية للمدارس عائقاً كبيراً؛ فبالرغم من إعلان السلطات إعادة ترميم 134 مدرسة، إلا أن الفجوة لا تزال ضخمة جداً أمام وجود 1950 مدرسة متضررة بفعل سنوات الحرب. هذا الواقع نتجت عنه صعوبات وتحديات عديدة، أبرزها:
1. البعد الجغرافي: يضطر آلاف الطلاب (خصوصاً في الأرياف) لقطع مسافات طويلة تصل أحياناً إلى 20 كيلومتراً للوصول إلى بلدة تضم مدرسة مؤهلة، نتيجة الدمار الذي طال مدارس قراهم.
2. الاكتظاظ المدرسي: أدى نقص المدارس إلى تكدس الطلاب داخل الصفوف، لا سيما في الاحياء الشعبية وخصوصا شرقي المدينة، حيث يصل عدد الطلاب في الشعبة الصفية الواحدة إلى 65 طالباً، مما أجبر المدارس على اعتماد نظام الفوجين (الدوامين).
3. تراجع جودة التعليم: التزاحم الشديد داخل الغرف الصفية يفقد المعلم القدرة على مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، ويصعب عليه رصد ضعاف التحصيل لتقديم الدعم اللازم لهم، مما يدفع العديد من الطلاب للتسرب تدريجياً لشعورهم بانعدام المردود الفعلي للعملية التعليمية.
خاتمة : إن القضاء على الأمية وظاهرة التسرب المدرسي، ورفع مستوى التعليم في محافظة حلب، هو من مهمة التعليم الحكومي فالتعليم الخاص بسبب طابعه الاستثماري هو أبعد ما يكون عن المساهمة في هذه المهمة الوطنية ويكفي أن نعرف بأن المدارس الخاصة قد زادت أقساطها بنسبة تصل الى 35% حيث تتراوح الأقساط ما بين 800$ إلى 2500 $ وهذا بعيد عن متناول الغالبية العظمى من سكان محافظة حلب.
إذاً إن القضاء على الأمية وظاهرة التسرب المدرسي، ورفع مستوى التعليم في محافظة حلب، لا يتطلب فحسب حل المشكلات البنيوية المتعلقة بقطاع التعليم (كصيانة المدارس وتأمين الكوادر والمستلزمات الصفية)، بل يتطلب بالتوازي معه رفع المستوى المعيشي لجماهير الشعب الكادح، لتمكينهم من إبقاء أطفالهم على مقاعد الدراسة.
18/10/2026



