الحزب الشيوعي السوري

Syrian Communist Party

أوروبا تغلي: احتجاجات شعبية وقمع أمني ومحاولات لصرف النظر عن الصراع الطبقي

من الصحافة الشيوعية

تشهد القارة الأوروبية موجة من الاحتجاجات الشعبية والعمالية والطلابية، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وأزمات السكن والتعليم والخدمات العامة. وشملت هذه الاحتجاجات فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا، وترافقت في بعض المدن مع مواجهات وتدخلات أمنية، في مشهد يعكس تعمّق التناقضات الاجتماعية وتزايد السخط على السياسات الحكومية.

ففي فرنسا، شهدت باريس ومرسيليا وليون وبوردو وليموج ومدن أخرى مظاهرات واسعة، حيث أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 550 ألف متظاهر في 110 مسيرات، فيما قدرت النقابات والمنظمات الطلابية المشاركين بنحو 800 ألف. وانطلقت الاحتجاجات من مطالب طلابية تتعلق بتراجع تمويل التعليم ونقص المدرسين، قبل أن تتوسع لتشمل الغلاء والأجور وتدهور الخدمات العامة.

وشهدت باريس مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما تحدثت السلطات عن حوادث تخريب وحرائق في عدد من المدن. غير أن التركيز الرسمي والإعلامي على مشاهد المواجهات جاء على حساب المطالب الاجتماعية والمشاركة الجماهيرية الواسعة.

وفي هذا السياق، حمّل جان لوك ميلانشون، زعيم حركة «فرنسا الأبية»، القيادة الأمنية مسؤولية تأجيج الفوضى، معتبراً أن إجراءات الشرطة ساهمت في خلق ظروف المواجهة، ولا سيما منع المتظاهرين من الوصول إلى ساحة الجمهورية والاستخدام المتواصل للغاز المسيل للدموع. كما انتقد التركيز الإعلامي على مشاهد العنف مقابل تجاهل الحشود السلمية، مع رفضه أعمال النهب والتخريب.

وفي بلجيكا، شهدت بروكسل ولييج احتجاجات طلابية وشبابية ضد ارتفاع تكاليف التعليم والأعباء المعيشية والإصلاحات الحكومية، تخللتها مواجهات مع الشرطة. أما في إيطاليا، فقد شهدت ميلانو وتورينو وبولونيا تحركات ضد الغلاء وتدهور الظروف الاقتصادية، رافقتها تدخلات أمنية واعتقالات.

وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع لشبونة احتجاجاً على انخفاض الأجور والمعاشات وارتفاع الإيجارات وأسعار السكن والوقود. وفي ألبانيا، تواصلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في تيرانا، وسط مطالب بمكافحة الفساد والبطالة، والاعتراض على مشاريع استثمارية كبرى، بينها مشروع سياحي مرتبط بشركة أسسها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لكن ما رافق بعض الاحتجاجات من أعمال تخريب ومواجهات يطرح سؤالاً سياسياً: من المستفيد من تحويل التحركات الجماهيرية إلى مشاهد للفوضى؟

إن تاريخ الحركات الجماهيرية حافل بمحاولات الاختراق والاستفزاز وحرف الاحتجاجات عن أهدافها، سواء عبر مجموعات فوضوية أم عناصر استفزازية تسعى إلى توفير الذرائع للقمع. ورغم أن إثبات مثل هذه التدخلات في الأحداث الراهنة يحتاج إلى أدلة، فإن المستفيد سياسياً من تحويل النقاش من الأجور والسكن والتعليم إلى الأمن والفوضى هو القوى الحاكمة التي تسعى إلى التهرب من مسؤوليتها عن الأزمات الاجتماعية.

وفي خضم هذه التطورات، برز الخطاب الأميركي المعادي للهجرة، حيث جدد الرئيس دونالد ترامب دعواته لإغلاق الحدود وتشديد القيود على دخول المهاجرين والمسلمين، فيما سار نائبه جيه دي فانس في الاتجاه نفسه، مهاجماً سياسات الهجرة الأوروبية.

ويبدو أن ترامب وفانس قد اكتشفا الحل السحري لأزمات الرأسمالية الأوروبية: المهاجرون مسؤولون عن كل شيء! فلا حاجة للحديث عن انخفاض الأجور أو ارتفاع الأسعار أو سياسات التقشف وهيمنة الاحتكارات، ما دام بالإمكان تعليق الأزمة على أكتاف اللاجئين والعمال المهاجرين.

والمفارقة أن ترامب وفانس يتحدثان عن المهاجرين وكأنهم هبطوا فجأة على القارة الأوروبية من كوكب آخر، لا كضحايا لحروب وتدخلات وسياسات استعمارية كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها في طليعة المسؤولين عنها. فمن غزا العراق ودمّر مؤسساته؟ ومن قاد الحرب على ليبيا وتركها غارقة في الفوضى؟ ومن ساهم في تأجيج الصراعات في سورية وغيرها من بلدان شرق المتوسط وأفريقيا، ودعم السياسات التي أفقرت شعوبها ودفعت الملايين إلى النزوح وركوب مراكب الموت؟

إن واشنطن، ومعها القوى الاستعمارية الأوروبية، تتحمل مسؤولية تاريخية مباشرة عن جانب كبير من الكوارث التي دفعت شعوباً بأكملها إلى الهجرة واللجوء. وها هي القوى نفسها، بعد أن ساهمت في تدمير أوطان هؤلاء الناس، تتظاهر بالدهشة من وصولهم إلى أوروبا، وتطالب بإغلاق الحدود في وجوههم!

أما الأكثر إثارة للسخرية، فهو أن القوى التي صدّرت الحروب والدمار إلى بلدان الآخرين تريد اليوم تصدير مسؤولية أزماتها الداخلية إلى ضحايا تلك الحروب. وكأن المشكلة في العامل المهاجر الذي يبحث عن لقمة عيشه، لا في الاحتكارات التي تستغل عمله، ولا في الحكومات التي تخفض الإنفاق الاجتماعي وتضخ المليارات في التسلح والحروب.

وهكذا يحاول ترامب وفانس قلب الحقائق رأساً على عقب: فبدلاً من مساءلة المسؤولين عن الحروب والاستغلال والتقشف، يُطلب من الشعوب الأوروبية أن ترى عدوها في اللاجئ والمهاجر، لا في السياسات الرأسمالية التي تضرب مصالح العمال بصرف النظر عن قومياتهم وأديانهم.

ومن منظور ماركسي–لينيني، فإن تحويل المهاجرين إلى كبش فداء ليس سوى محاولة لتحريف الصراع الطبقي إلى صراع قومي وديني، وتقسيم الطبقة العاملة وإضعاف نضالها المشترك. كما أن اختزال الاحتجاجات في مشاهد العنف والفوضى يخدم التوجه نفسه، إذ يحجب التناقضات الحقيقية بين العمل ورأس المال، ويمنح السلطات الذرائع لتشديد القمع.

إن ما تشهده شوارع أوروبا يعكس أزمة نظام رأسمالي يُحمّل الجماهير الشعبية تكاليف الأزمات والحروب والعسكرة، بينما تتراكم الثروات في أيدي الاحتكارات. ويبقى التحدي أمام القوى الشيوعية والعمالية والنقابية هو تحويل الغضب الشعبي إلى نضال طبقي منظم، يربط المطالب المعيشية بمواجهة الاستغلال الرأسمالي والحروب الإمبريالية، ويحمي وحدة الطبقة العاملة من محاولات تفتيتها.

فلا المهاجرون أشعلوا أزمة الرأسمالية الأوروبية، ولا إغلاق الحدود سيعالج تناقضاتها. ومن أشعل الحروب وشرّد الشعوب لا يملك الحق في تحميل ضحاياه مسؤولية الأزمات التي صنعتها سياساته.

19/10/2026

سجل الدخول الاَن لتصلك المقالات الجديدة!

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

مزيد من المقالات