الحزب الشيوعي السوري

Syrian Communist Party

السنة الثانية بعد المئة من عمر السنديانة الحمراء

النضال الثابت من أجل قضايا الوطن والشعب

هيئة تحرير نضال الشعب

تحلّ هذا العام الذكرى الثانية بعد المئة لميلاد حزبنا الشيوعي السوري المجيد، ففي 28 تشرين الأول 1924 أعلن فريق من العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين تأسيس حزب الطبقة العاملة السورية، وطلبوا الانضمام إلى الأممية الثالثة، الأممية الشيوعية (الكومنتيرن). ومنذ ذلك التاريخ، وهو يغذّ السير ويواظب النضال في كافة المعارك الوطنية والطبقية من أجل وطن حر وشعب سعيد، مهتدياً في نضاله بتعاليم الماركسية-اللينينية والأممية البروليتارية من أجل القضاء على جميع أنواع استغلال الإنسان للإنسان واضطهاد شعب لشعب.

لقد كانت سورية إحدى ضحايا المؤامرات الاستعمارية بعد الحرب الإمبريالية الأولى، فوقعت تحت نير الاستعمار الفرنسي وباسم «الانتداب». ولقد نشأ الحزب الشيوعي السوري في هذه الظروف عام 1924 نتيجة لحاجة موضوعية ذات أبعاد متعددة:

١- البعد الوطني: فقد تأسس عشية الثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي، وقد استمر نضاله الوطني حتى الاستقلال التام الناجز في 17 نيسان 1946، ولذلك سُمّي بحزب الجلاء، وبأحقية مطلقة قال الرفيق خالد بكداش: «نحن حزب الوطن قبل أي اعتبار».

٢- البعد الطبقي: فقد تزامن نشوء الحزب مع ظهور الرأسمالية في بعض فروع الاقتصاد، كصناعة النسيج والكهرباء والسكك الحديدية والإسمنت والريجي (التبغ والتنباك)، وبالتالي بدء تكوّن الطبقة العاملة حاملة الفكر الاشتراكي. وقد أصدر الحزب خلال هذه الفترة العديد من الصحف العمالية السرية والعلنية، مثل «كفاح العمال» و«العمال والنقابات» و«صوت العمال»، ترافق ذلك مع سياسة التجهيل والفقر والتخلف التي اتبعتها السلطات، وسنّ القوانين الكابحة للحركات العمالية والفلاحية التي أوجدت إحساساً عميقاً لدى هؤلاء بضرورة إقامة العدالة الاجتماعية. ولكن ما ميّز هذه المرحلة طبقياً هو سيطرة العلاقات الإقطاعية، ولذلك فإن نضال الحزب في الداخل قد اتخذ بُعداً ثلاثياً ضد الاستعمار والإقطاع والرأسمالية. وتجلّى ذلك في تشكّل النقابات العمالية والتعاونيات الفلاحية بقيادة الشيوعيين أو بمشاركتهم الفاعلة، مثل نقابات النسيج والطباعة في دمشق، ونقابات التبغ في لبنان، ونقابة العتالة في الجزيرة، والجمعية الفلاحية في دير عطية، وغيرها.

٣- البعد العالمي: كانت لإشعاعات ثورة أكتوبر وانتصار تعاليم ماركس وإنجلز ولينين أصداؤها في نشوء الحزب الشيوعي السوري. فبانتصار ثورة أكتوبر وانسحاب روسيا السوفياتية من الحرب الإمبريالية ووقوع أرشيف اتفاق سايكس بيكو الاستعماري بين فرنسا وإنكلترا بيد البلاشفة الذين قاموا بنشره، اندلعت انتفاضات الشعب السوري واحدة تلو الأخرى، وأهمها بين عامي 1919 و1927، ضد الاحتلال وضد تقسيم سورية إلى دويلات طائفية، وفي سبيل وحدة البلاد واستقلالها. وبالرغم من حداثة الحزب الشيوعي السوري، فإنه ساهم في هذه الانتفاضات بعد التأسيس مباشرة وبالأشكال المناسبة.

لقد تأسس الحزب الشيوعي حزباً لسورية ولبنان، واستمر كذلك حتى عام 1964، وكان يُسمّى في البدء الحزب الشيوعي السوري، ثم سُمّي الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، حيث عقد مؤتمره الأول عام 1925، وأعلن برنامجه الأول عام 1931، وكان برنامجاً ماركسياً لينينياً ذا طابع وطني وطبقي وأممي.

ففي مرحلة العشرينيات، كان الحزب موجوداً في عدد من المدن السورية واللبنانية (دمشق، وبيروت، وحلب، وطرابلس) وبعض مناطق الريف، واتسع في الثلاثينيات ليشمل مدناً ومناطق ريفية أخرى، كحمص وإسكندرون وأنطاكيا وزحلة ومنطقة القلمون وجبل لبنان. وفي الأربعينيات، استكمل وجود الحزب في جميع المدن والغالبية العظمى من الريف.

وهنا يجب التركيز على طبيعة الصراع الطبقي في تلك المرحلة، وهذه ليست قضية تاريخية فقط، بل هي ضرورة يتميز بها التحليل الماركسي العلمي، وعلى مدى دقتها يتحدد اتجاه البوصلة على أرض الواقع في كل مرحلة. فالعمال والمثقفون الثوريون والبرجوازية الوطنية في جهة، تقابلها البرجوازية الكومبرادورية المرتبطة بالاستعمار الفرنسي بشكل أساسي في الجهة الأخرى. وقد برز هذا الصراع في المدن الرئيسية (دمشق، وبيروت، وحلب، وحمص، واللاذقية)، وكان ذا طابع طبقي مطلبي ووطني تقوده البرجوازية الوطنية والنقابات العمالية، وكان للشيوعيين دور فاعل فيها، وبعضها بقيادتهم، على شكل إضرابات وانتفاضات، كالإضراب الخمسيني وغيره.

أما في الريف، فكان الصراع بين الفلاحين والإقطاع المدعوم من الاستعمار الفرنسي. ففي محافظة حماة، كبلد زراعي متخلف، تجلّى الانقسام الطبقي بالإقطاع وزلمائه وخدمه في المدينة والريف، تقابلهم الجماهير الشعبية في المدن والفلاحون الفقراء والمتوسطون في الريف. وقد تشكّلت نواة الحزب فيها عام 1943، وكان أغلبها من المثقفين والحرفيين. وفي الجزيرة السورية، اشتد الصراع الطبقي بين الفلاحين الفقراء والمُلّاك الإقطاعيين والآغوات، من جهة أخرى. وقد كان للشيوعيين في الجزيرة دور بارز في الدفاع عن هؤلاء الفلاحين وعن قانون الإصلاح الزراعي التقدمي وشعار «الأرض لمن يعمل بها» لاحقاً. وستبقى جرائد مثل «صوت الفلاح» و«الأرض للفلاح» مثالاً للصحافة الشيوعية الملتزمة بمطالب الفلاحين وحقوقهم، فقد جاء في العدد الأول من جريدة «صوت الفلاح» عام 1950 ما يلي:

«إن تقاليد الفلاح السوري في الكفاح ضد الاستعمار وضد الإقطاعية والمستثمرين، وضد تعسف الدرك والجباة، لن تموت، وهي باقية ما بقي الفلاح السوري، إلى أن يتم له التحرر النهائي من الاستعمار والاستثمار، وتنهار جميع معالم الإقطاعية وأنظمتها، ويبني الشعب، عماله وفلاحيه، حكمه ودولته بيده».

ويُعدّ الحزب الشيوعي بحق أول حزب دعا إلى توزيع أراضي الإقطاعيين وأراضي الدولة على الفلاحين الفقراء والمحرومين، والقضاء على علاقات الإنتاج الإقطاعية. وقد عقد العديد من المؤتمرات الفلاحية في محافظات ومناطق عديدة، كمحافظة اللاذقية ومناطق الجزيرة وريف دمشق ومناطق حماة وحمص، بغية تحرير الفلاح من السخرة وتثبيتهم في الأرض ومنع طردهم من بيوتهم. ودخل المئات من الفلاحين السجون، وقدّم الحزب في هذه المعارك شهداء من أعضائه، نذكر منهم: عمر هيواني، وأوسي رخيص، وعبد المجيد كامر، وغيرهم.

لقد كان مؤسسو الحزب الشيوعي السوري وبناته الأوائل من العمال الطليعيين والمثقفين الديمقراطيين، عرباً وأرمن وغيرهم. وقد ضم الحزب في صفوفه باستمرار أعداداً من خيرة العمال والفلاحين والمثقفين الطليعيين من العرب والأرمن والأكراد وغيرهم. وقد كان الحزب وسيبقى حزب الكادحين جميعاً، أياً كان منشؤهم القومي وكانت مذاهبهم الدينية.

وكان الحزب وسيظل أميناً لتعاليم الماركسية-اللينينية والأممية البروليتارية، فقد ناضل ضد التحريفية اليمينية واليساروية والتروتسكية وتياراتها الانتهازية التي أحدثت انشقاقات متتالية، تصدّى لها الحزب بكل مبدئية ووضوح بقيادة الرفيق خالد بكداش ونهجه، كما ناضل ضد اتجاهات التعصب القومي الشوفينية والعدمية اللاوطنية. وفي مواجهة جميع أشكال القمع الهادفة إلى ضرب الحزب الشيوعي السوري وتحطيمه، أعلن الرفيق خالد بكداش أن «راية الماركسية-اللينينية لن تُنكّس في سماء سوريا».

وقد أعار الحزب باستمرار اهتماماً كبيراً للمثقفين الثوريين الطليعيين، حيث برز من صفوفه وصفوف أصدقائه نخبة من الكتّاب والشعراء والصحفيين، لهم بصمات لن تُمحى على التطور الثقافي الوطني والتقدمي في بلادنا، حيث تصدّوا بقوة للثقافة الاستعمارية والصهيونية والنازية، وعملوا على تعرية الفكر اليميني الغيبي الرجعي.

وقد لعبت صحافة الحزب دوراً كبيراً في مختلف المراحل وفي كل المجالات، ونذكر باعتزاز الجرائد والمجلات مثل: «الإنسانية»، و«الفجر الأحمر»، و«المطرقة والمنجل»، و«نضال الشعب»، و«الطليعة»، و«صوت الشعب»، و«الطريق»، و«الصرخة»، و«الأخبار»، و«الوقت»، و«الثقافة الوطنية»، و«النور»، و«دراسات اشتراكية». لقد ساهمت بقسطها في رفع راية الماركسية اللينينية في بلادنا والعديد من البلدان العربية.

لقد كان حزبنا الشيوعي وما زال وسيبقى حزب الوطنية الصادقة والأممية الحقة، مناضلاً ضد الإمبريالية والصهيونية، وفي سبيل استعادة الاستقلال الوطني والسيادة التامة وتحرير التراب الوطني ووحدته. فالاستقلال الوطني هو بحق المفتاح لتحقيق مطامح البلاد، وبدونه لا يمكن السير على طريق التحرر السياسي والاقتصادي وطريق التقدم الاجتماعي. لقد رفض حزبنا وما زال يرفض كل محاولات تمزيق الوطن السوري إلى دويلات طائفية أو إثنيات عرقية.

وكان له نشاط واسع في صفوف الجماهير ضد المؤامرة التركية الفرنسية لسلخ لواء إسكندرون عن سوريا، وساهم في تأسيس لجنة «الدفاع عن لواء إسكندرون»، ممثلاً بالرفيق خالد بكداش، فاللواء جزء من الوطن السوري طال الزمن أم قصر.

ومع كل القوى الوطنية والديمقراطية، وقف ضد المشاريع والأحلاف العسكرية والارتباطات المشبوهة، كحلف بغداد، والنقطة الرابعة، ومشروع سوريا الكبرى، والهلال الخصيب الذي حاكته الرجعية الأردنية والعراقية.

لقد كانت مواقف حزبنا مشرّفة وستبقى كذلك في الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة في إقامة دولته الوطنية المستقلة على تراب وطنه، موضحاً الطبيعة العنصرية للصهيونية كممثل عن مصالح رأس المال المالي اليهودي وارتباطها بالإمبريالية العالمية. ومن الجدير بالذكر أن الإمبريالية الأمريكية هي أول دولة اعترفت بالكيان الإسرائيلي، وقد تعرّض الحزب لاتهامات القوى الرجعية بقيادة الإخوان المسلمين على خلفية قرار تقسيم فلسطين الصادر عن مجلس الأمن رقم 181، والهجوم على مكتب الحزب، ما أدّى إلى استشهاد الرفيق حسين عاقو.

أما الاتحاد السوفييتي، الصديق الصدوق للشعوب العربية ومنها الشعب الفلسطيني، فقد قطع علاقاته الدبلوماسية مع دولة إسرائيل عام 1950 بقيادة الرفيق يوسف ستالين، وليس بعد نكسة حزيران عام 1967 كما يروّج أعداء الاتحاد السوفييتي.

وكان لحزبنا موقفه المميز من الوحدة السورية-المصرية من خلال البنود الثلاثة عشر، ومضمونها أخذ الظروف الموضوعية لكلا الدولتين بعين الاعتبار، ووجوب أن تكون هذه الوحدة معادية للاستعمار وديمقراطية، ملبيةً لمصالح الجماهير الكادحة في دولتي الوحدة، وللرفيق خالد بكداش الدور الرئيسي في حماية الحزب، عندما رفض حلّه تحت أي ظرف كان، بناءً على طلب أوساط من القوى القومية في دولة الوحدة بحجة تماثل الأوضاع.

ولحزبنا الشيوعي السوري دور مهم في إلغاء النتائج السلبية لإحصاء عام 1962، والذي نفذته الدوائر الرجعية في محافظة الحسكة، وطالب على الدوام بإعادة الجنسية للمواطنين الأكراد الذين جُرّدوا منها نتيجة لذلك الإحصاء، وهذا ما تحقق فعلاً! كما طالب على الدوام، وفي جميع وثائقه وأدبياته، بالاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد والأقليات القومية، بما فيها إصدار مطبوعاتها بلغتها الأم، وطالب الرفيق عمار بكداش بأن يُثبَت ذلك دستورياً، باعتبار الأكراد هم القومية الثانية في البلاد، ولهم تاريخ وطني يشهد لهم، بعكس ما تخطط له القوى الاستعمارية من تركيا الإخونجية وإسرائيل الصهيونية بقيادة الإمبريالية الأمريكية، والقوى الرجعية والإقطاعية في الداخل وفي دول الجوار، من أجل ضرب هذا النسيج الأخوي المتلاحم منذ عشرات السنين.

إن أي حديث عن تاريخ الحزب الشيوعي السوري لا يكتمل دون الإشارة إلى دور الرفيق خالد بكداش، القائد التاريخي للحزب. فقد وُلد الرفيق خالد بكداش في 15 تشرين الثاني 1912 من عائلة شعبية فقيرة في دمشق، وهو ابن لضابط مدفعية في الجيش العربي وقتذاك. انتسب إلى الحزب عام 1930، واعتُقل عام 1931 في بيته أثناء طباعة جريدة الحزب المركزية «المطرقة والمنجل»، مع مجموعة من رفاقه لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، يمثلون كل تنظيم دمشق. وبعد خروجه من السجن، قاد العديد من الإضرابات العمالية في دمشق وحمص وحلب، وإضرابات عمال المطابع في بيروت.

وفي العام 1933، أصبح عضواً في اللجنة المركزية، وفي العام نفسه ترجم البيان الشيوعي، وكان ذلك مساهمة كبيرة في تنوير الجماهير العربية بالاشتراكية العلمية. في أوائل عام 1934، سافر الرفيق خالد بكداش إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الماركسية-اللينينية في «معهد الأساتذة الحمر». وفي عام 1935، حضر المؤتمر السابع للكومنتيرن. وفي باريس عام 1936، دعم مطالب سوريا الوطنية من خلال الوفد السوري الرسمي هناك، وانتُخب أميناً عاماً للحزب عام 1937. وعندما حاك المستعمرون الفرنسيون المؤامرات لإثارة القلاقل والفتن في الجزيرة، ساندتهم في ذلك القوى الرجعية وزعماء العشائر الإقطاعيون. أصدر الرفيق خالد بكداش كراساً بعنوان «عصيان في الجزيرة». وفي عام 1954، أصبح أول نائب شيوعي في دنيا العرب.

وقد ساهم عالمياً في فضح التحريفية الخروتشوفية والغورباتشوفية في موضوعة التطور اللارأسمالي وخيانة البيريسترويكا والغلاسنوست لمنجزات ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى. وكان عدواً لدوداً للصهيونية باعتبارها ممثلة رأس المال المالي اليهودي وأكبر قوة رجعية ظلامية عنصرية ذات طابع فاشي. وساهم بشكل فعال في حماية حزبنا من التحريفية والانتهازية بأشكالها المختلفة.

وقد فضح مبكراً دور البرجوازيتين الطفيلية والبيروقراطية، وخاصة في المؤتمر الخامس عام 1980، مشيراً إلى خطرهما على السيادة والاستقلال الوطني والعمالة للإمبريالية، وهذا ما حصل!

إن هذا التاريخ المشرف لحزبنا الشيوعي السوري على مدى أكثر من قرن هو جزء من تاريخ الشعب السوري، ممثلاً بالقوى الوطنية التحررية من المثقفين الثوريين والعمال والفلاحين والبرجوازية الوطنية وجميع الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم. هؤلاء جميعاً شكّلوا إرثاً نضالياً ورافعة التقدم لسورية الحبيبة خلال جميع المنعطفات التي مرّت بها، وتميّزت خلالها بكونها قلعة صامدة على أبوابها تكسّرت جميع مشاريع المستعمرين العثمانيين والغربيين والصهاينة.

وشكّلت مقاومة المستعمرين الفرنسيين والإنكليز وهزيمتهم عام 1946، والحياة الديمقراطية البرلمانية فترة الخمسينيات، والتطور الاقتصادي والاجتماعي بقيادة القطاع العام في الستينيات، وقانون الإصلاح الزراعي التقدمي وما تلاه، وحرب تشرين الوطنية التحررية، جميعها منارات عز وفخار لهذا الشعب الأصيل.

ولكن مع بداية القرن الحالي، بدأت دفة السفينة تنحرف رويداً رويداً، ولكن بتسارع، من خلال:

١- السياسات الاقتصادية الليبرالية بقيادة تحالف البرجوازية البيروقراطية مع البرجوازية الطفيلية ورأس حربتها الكومبرادور، والتي حذّر الرفيق عمار بكداش مبكراً من مخاطرها على الشعب والوطن .

٢- العقلية البونابرتية التي هيمنت على الحياة السياسية، والتي مثّلها النظام السابق.

٣- تغلغل منظومة الفساد كآفة السرطان في بنيان الدولة، والتي ارتبطت مباشرة بالزمرة الحاكمة بقيادة البرجوازية السورية الكبيرة.

وقد استفادت القوى الاستعمارية والرجعية من هذه الأرضية الخصبة التي أوجعت الجماهير، فدخلت في تناحر خطير مع السياسة الوطنية المعادية للإمبريالية والصهيونية ومشروعهما الرئيسي في الشرق الأوسط الكبير الجديد، أي «صهيون الكبرى». وانزلقت البلاد إلى أتون حرب أهلية أُضرمت نيرانها طيلة ثلاثة عشر عاماً، انتهت بالفاجعة! فقد استولت على مقاليد الحكم في البلاد سلطة ظلامية استبدادية لا وطنية، أوغلت في الخيانة الوطنية السافرة، منفّذةً مشاريع الإمبريالية الأمريكية وتركيا الإخونجية وإسرائيل الصهيونية، وباعت مفاتيح الاقتصاد الوطني لفاسدين كبار من أركان هذه السلطة وشراذم سابقة من الكومبرادور ومستثمرين أجانب وهميين، ديدنهم سرقة خيرات بلادنا، وخاصة النفط والغاز والفوسفات والعشرات من مشاريع القطاع العام السابق، دون أي إضافة إيجابية، ففاقد الشيء لا يعطيه!

ومزّقت الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية من خلال المجازر الرهيبة والعقلية القروسطية وثقافة التجهيل وتلويث عقول الأطفال والشباب بالأفكار الهدامة، وتقسيم البلاد وتحويلها إلى ملعب للقوى الاستعمارية وعملائها، وتأجيج الفتن الطائفية والعرقية بين أبناء البلد الواحد.

إن أرضية بقاء هذه السلطة الظلامية العميلة الفاقدة لشرعيتها قد اهتزت تحت أقدام وصرخات مئات الآلاف من المتظاهرين والمحتجين على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدمية التي يعيشها الشعب السوري ذي التاريخ الوطني الناصع. فالنضال الطبقي قد التحم بالنضال الوطني والحريات الديمقراطية، وستتزايد بكل تأكيد.

فالمجاميع الإرهابية، بالرغم من جميع محاولات تجميلها من خلال الإعلام الخليجي الكاذب والمضلل وترّهات المسؤولين الغربيين، لكن الحقيقة الناصعة أن من جاء بها هي الإمبريالية والصهيونية لأداء وظائف محددة، وهي خارجياً ضرب حركات التحرر الوطني العربية والعالمية لصالح الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية، وداخلياً تخريب سوريا وتفتيتها، غير آبهة بما يعانيه الشعب السوري من الغلاء الفاحش في كل شيء، وخاصة حوامل الطاقة والمواد الغذائية، من خلال تدني مستوى الدخول والفقر المدقع وحرمان آلاف العوائل من رواتبها المعاشية تحت عناوين طائفية قذرة.

وما إن تنتهي من هذه المهام، حتى تُرمى في سلة المهملات، وهذا ليس ببعيد، وشواهد التاريخ لا تُدحض. وقد استشرف الدكتور عمار بكداش الحالة إذ قال: «يمكن أن تشهد البلاد هزات اجتماعية كبرى، فسرعان ما يتحول المزاج الشعبي، فالبرادات الفارغة ستكون أكثر تأثيراً مما تبثه التلفزيونات من خطب مشبعة بدعوات غيبية لا تطعم جائعاً ولا تؤدي أبداً إلى تحسن الواقع المعيشي للجماهير الشعبية».

وأخيراً، نؤكد على المهام النضالية للشيوعيين السوريين التي وضعها الرفيق الأمين العام الراحل، د. عمار بكداش، وذلك لراهنيتها في ظل هذه الظروف، في ظل الموجة الرجعية السوداء التي تعيشها بلادنا:

أولاً: وطنياً

من الواضح أن هناك مهمات وطنية تحررية تنتج عن الواقع الجديد، وأهمها:

1. النضال ضد الاحتلال الأجنبي المباشر لأرض الوطن.

2. النضال ضد المؤامرات الرامية إلى تقسيم البلاد، والتي تقف وراءها بالدرجة الأولى إسرائيل الصهيونية، إلى جانب دوائر معينة من الاستعمار الأنكلو-أمريكي.

3. استعادة السيادة الوطنية الكاملة وتخليص البلاد من الوصاية الأجنبية، ومن هنا يأتي مفهوم الحياد الإيجابي الذي يطرحه حزبنا ضمن الظروف الجديدة. ومضمونه عدم الانضمام إلى الأحلاف الاستعمارية، واتباع سياسة تحررية منطلقة من المصلحة الوطنية، والتي تقتضي إقامة الصلات وتوثيقها مع الأحرار في دنيا العرب وفي العالم.

إن النضال من أجل تحقيق هذه المهام الوطنية الكبرى يقتضي إيجاد علاقة تفاهم وتحالف مع جميع الوطنيين في بلادنا.

ثانياً: تتركز أهم توجهات نضالنا في مجال الحياة السياسية والاجتماعية الداخلية على ما يأتي:

1. النضال في سبيل تحقيق الحريات الديمقراطية، أي:

أ- حرية الرأي.

ب- حرية التجمع والتظاهر والإضراب.

ت- حرية الصحافة.

ث- حرية العمل الحزبي وإشهار الأحزاب من خلال العلم والخبر.

ج- حرية تشكيل المنظمات الاجتماعية المتنوعة، ومن أهمها المنظمات النسائية والشبابية.

ح- السماح بالعمل النقابي في جميع المجالات المهنية، وخاصةً تشكيل نقابات العمال والتنظيمات الفلاحية وكذلك الطلابية، وعدم تدخل الجهات الحكومية في نشاط النقابات.

2. وضع مشروع دستور البلاد من قبل جمعية تأسيسية يجري انتخابها حسب مبدأ النسبية بشكل كامل، وطرح هذا المشروع لإقراره بالاستفتاء العام في البلاد.

3. انتخاب المجلس التشريعي فور إقرار الدستور.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحجج التي أوردها رأس السلطة القائمة حول تأجيل الانتخابات وإقرار الدستور هي حجج واهية؛ إذ يمكن أن يتم إحصاء المواطنين الذين يرغبون بالإدلاء بأصواتهم من خلال توزيع بطاقات انتخابية عليهم، استناداً إلى قيود الأحوال المدنية. وهذه الآلية مطبقة في العديد من دول العالم ذات الأنظمة الانتخابية الأكثر تطوراً ومراعاةً للحريات الديمقراطية.

4. تحقيق المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن المعتقد والمنشأ الاجتماعي. وفي هذا السياق يأتي أيضاً تحقيق الحقوق الثقافية الكاملة للكرد السوريين وللأقليات القومية، من إصدار الأدبيات والصحف بلغتهم، وكذلك الدراسة بلغتهم الأم إلى جانب اللغة العربية.

5. إحقاق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وتثبيت ذلك تشريعياً.

6. احترام حرية المعتقد لجميع المواطنين، وهذا هو مضمون علمانية الدولة. وهنا نعيد تأكيدنا على راهنية الشعار الذي رفعه الوطنيون في بلادنا منذ أكثر من مئة عام: «الدين لله والوطن للجميع».

7. التحقيق الفعلي لاستقلال القضاء، الأمر الذي جرى تغيّيبه على مدى عقود عديدة، عملياً منذ عام 1958.

8. بغض النظر عن كل السلبيات، إلا أنه تحقق خلال العقود الماضية تطور ملحوظ في المجال الأدبي والفني. يجب الحفاظ على هذا الإنجاز وتطويره، وهذا الأمر يأخذ أهمية خاصة في ظل التحكم الحالي للظلاميين في حياة الجزء الأكبر من البلاد.

نحن نرى أن هناك طيفاً واسعاً من الجماهير يمكن أن يناضل من أجل أساسيات الحريات الديمقراطية. ونحن، الشيوعيين السوريين، سنكون في الصفوف الأولى لهذا النضال. فالمهام الوطنية تتشابك حالياً بشكل أوثق مع مهام النضال من أجل الحريات الديمقراطية.

ثالثاً: مهام النضال في المجال الاقتصادي، ودفاعاً عن لقمة الشعب

1. نرى في هذا المجال أن المهمة الأساسية تكمن في النضال ضد التوجه الليبرالي الاقتصادي المتوحش الذي تريد فرضه السلطة القائمة، والذي يناسب تماماً طبيعتها.

2. الدفاع عن الإنتاج الوطني والعمل على إحيائه، والمطالبة بوضع سياسة حمائية له تصونه من المنافسة الأجنبية التي ستؤدي إلى خرابه النهائي.

3. ويأتي كأولوية في سياق ذلك الدفاع عن القطاع العام (قطاع الدولة)، وهو الأداة الأساسية في ظروف بلادنا، التي يجب الاعتماد عليها في تحقيق الإعمار والنهوض بالاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى كونه مجالاً مهماً لإيجاد فرص العمل.

4. منع تغلغل الرأسمال الأجنبي إلى المفاصل الأساسية لاقتصادنا، فهذا التغلغل سيجعل بلدنا سوقاً ملحقةً بمصالح أجنبية وعاملاً مضعضعاً للسيادة الوطنية.

5. إعطاء الأولوية للرأسمال المنتج بكافة أشكاله، وضرب مواقع البرجوازية الطفيلية، وخاصةً رأس حربتها الكومبرادور، أي ممرري مصالح الرأسمال الأجنبي، وإحياء وتطوير القطاع الصناعي الوطني.

6. العمل من أجل استعادة الأمن الزراعي والأمن الغذائي، وهذا يتطلب دعماً مؤثراً لمستلزمات الإنتاج في هذا القطاع الحيوي.

7. الحفاظ على شبكة المصارف الحكومية بصفتها عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.

8. استثمار الثروات الباطنية (وهي غنية جداً) وطنياً، وهذا سيخلق مورداً أساسياً لإنهاض الاقتصاد الوطني.

9. حماية القطاع الحرفي العريق بتقاليده الإنتاجية في بلادنا.

10. الدفاع عن لقمة الشعب والنضال ضد الانفلات الجنوني للأسعار، والذي يحد من القدرة الشرائية المتدنية أصلاً لغالبية الشعب.

11. الوقوف بحزم ضد عملية التسريح الواسع للعاملين في القطاع العام وفي أجهزة الدولة.

12. استعادة المكتسبات الاجتماعية التي جرى قضمها على مدى أعوام طويلة (منذ عام 2005 عملياً)، ومن أهمها قوانين العمل والضمان الاجتماعي المنصفة، وكذلك الخدمات الصحية الحكومية المجانية وديمقراطية التعليم.

إن تحقيق هذه المهام يقتضي تشكيل تحالف واسع يعتمد على جماهير الشعب، ويؤدي إلى قيام سلطة وطنية ديمقراطية.

هذه هي التوجهات الأساسية لنضال حزبنا في المرحلة الراهنة. وهذه المهام تقتضي حشد الهمم ورص الصفوف وتوسيع الصلات الجماهيرية للحزب. فجماهير شعبنا اعتادت أن ترى في حزبنا الثبات على المبدأ والنزاهة في خدمة الشعب.

لقد مر حزبنا الشيوعي السوري على مدى تاريخه بظروف صعبة قاسية، خرج منها مرفوع الرأس، مؤكداً على صوابية نهجه. وهذا ما سيكون عليه الحال في هذه المرحلة.

فمهما كانت الصعاب كبيرة، فإن راية الماركسية اللينينية لن تُنكّس في سماء سوريا!

معاً أيها الرفاق، دفاعاً عن الوطن ودفاعاً عن لقمة الشعب!

عاش الشعب السوري حراً أبياً!

عاش الحزب الشيوعي السوري!

27/10/2026

سجل الدخول الاَن لتصلك المقالات الجديدة!

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

مزيد من المقالات