الليرة و الدولار و قبعة الحاوي

بدأت الليرة السورية بعد فترة قصيرة من نشوب الأزمة السورية تفقد قيمتها تدريجياً ليرتفع صرف العملات الصعبة في مقابلها لتصل إلى ذروة أولى عام 2016 ، إذ سجل الدولار الأمريكي مستوىً قياسياً آنذاك لامس 673 ليرة سورية، إلا أن التدهور الأكبر والدراماتيكي ابتدأ في النصف الثاني من عام 2019 واشتد عام 2020 ليصل الدولار إلى 3000 ليرة سورية ولتستمرالليرة في الانخفاض (3500 إلى 4000 ليرة عام 2021 و4500 إلى 5000 ليرة عام 2022 و6000 إلى 7000 ليرة سورية في النصف الأول من 2023 ودائما لكل دولار واحد) وبلغ هذه المسار ذروة غير مسبوقة في النصف الثاني لعام 2023 وعام 2024 إذ جاوزسعر الصرف عتبة الـ 15000 ليرة سورية وتراوح ليصل في بعض الفترات إلى 16000 ليرة سورية. في المجمل كان هذا المسار منطقياً متسقاً مع السياق الاقتصادي للبلاد فالسبب الأساسي وراءه كان تدهور الإنتاج الوطني وانعدام التصدير تقريباً بسبب ظروف الحرب أولاً، معطوفةٌ عليه السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة للنظام السابق، حتى إن بعض التقديرات اعتبرت أن السعر الحقيقي للدولار هو أعلى من هذا السعرالمثبت في نشرات المصرف المركزي أو ذاك المتداول في السوق السوداء.

في تلك السنوات ،أي تحديداً بعد عام 2020، تعرف السوريون على ظاهرة المضاربة والتلاعب بأسعار الصرف بغية تحقيق أرباح كبيرة لصالح أثرياء الحرب وأمرائها وصولاً لأعلى هرم السلطة وعلى حساب معاناة ملايين السوريين ولقمة عيشهم من أصحاب الدخل المحدود، وحتى المعتمدين منهم على الحوالات الخارجية تأثروا بتقلبات أسعار الصرف والانخفاضات المؤقتة في قيمة الحوالات ولكن المصحوبة في الوقت نفسه بارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية.

صعود الليرة تعافي الاقتصاد أم ….

بعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول من العام الفائت سجلت الليرة السورية ارتفاعاً مستمراً مقابل العملات الأجنبية لتسجل أفضل مستوى لها في الرابع من شباط (1 دولار يساوي 7800 ليرة سورية) في السوق الموازي، هذا التحسن لم يأتِ على أرضية تعافٍ اقتصادي حقيقي، إذ لم تدرعجلة الإنتاج والتصدير.

أحد الخبراء الاقتصاديين السوريين يشبّه الوضع الحالي لليرة السورية بوضع الجنيه السوداني عشية سقوط عمر البشير وغداته، إذ هبط الدولار الامريكي من 72 جنيه في الليلة التي سبقت السقوط الى حوالي 40 جنيه فيما تلاه ليعود الى الارتفاع الى 90 جنيه سوداني خلال ستة اشهر مع استئناف الاستيراد. و يشير الخبير نفسه إلى إن الدولار سيرتفع حتماً مع بعد استيراد النفط والمواد الغذائية الحيوية. و يعزو الخبير التحسن الحالي في سعر صرف الليرة الى “التجميد الغامض لحركة الليرة السورية”.

أم حيلة من قبعة الحاوي ….

يحلل باحث اقتصادي وطني آخر هذا المسار، و يضع سيناريو وإن كان متشائماً فإنه للأسف ممكن التحقق. إذ يشير إلى إن “تجفيف السيولة من العملة المحلية” سيؤدي إلى بيع المواطنين و رجال الأعمال مقتنياتهم من الدولار للحصول على الليرة و إلى انخفاض متسلسل لسعر صرف الدولار (دومينو الصرف) و ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي و سيضاف إلى ذلك في ظل عشوائية السوق (المقصودة) غزو كبير لبضائع أجنبية معظمها تركي و النتيجة ستكون دولار منخفض دون أي أثر على تحسين القوة الشرائية ل الليرة. و يضيف أنه في مرحلة ثانية ستشهد البلاد تدفق كبيرلليرة السورية وبالتالي سحب كل الدولارات السورية (اي الموجودة لدى السوريين). هذه الليرات التي سوف تشكل التدفق موجودة في المصرف المركزي و المصارف التجارية وفي مستودعات خارج سورية (هناك أخبار بأن تركيا تحتفظ بمئات المليارات من الليرات السورية في مستودعات خاصة في كيليس)، الأمر الذي سيؤدي إلى شح دولاري في سوريا و ليرات سورية بكثرة دون أي قيمة حقيقية. أما في المرحلة الثالثة، و دائماً حسب الباحث الاقتصادي، فسيتم شراء مؤسسات وشركات الاقتصاد السوري تحت اسم الخصخصة و بنفس الدولارات المسحوبة في المرحلة الثانية، مع إعادة تبديل العملة السورية التي ستصبح تحت وطأة الانفجار التضخمي، أي إطلاق عملة جديدة و إتلاف كل ما تم ضخه.

أي أن رأس المال الأجنبي (و خاصة التركي) سيشتري الاقتصاد السوري مجاناً و بأموال السوريين. فدولة الانتداب الحالية (تركيا) تعيد ما نفذته فرنسا في العشرينات من القرن الماضي من سياسات مالية و اقتصادية (انظر التعليق الأول)، مع لحظ اختلاف الظروف و الاختلاف في هيكلية الاقتصاد.

و تكثيف القول أنه استعمار اقتصادي سيكمل مفاعيل الاستعمار السياسي

قبعة الحاوي ليست قدراً

رغم تشاؤم و خطورة هذا المشهد لا بد من تحليل الواقع ومحاولة تلمس مسارات تطوره كي نعرف على أي صعيد نستوي، ومهما بدا المخطط الاقتصادي الاستعماري قاتماً ومحكماً فإن خوارالمعدات الفارغة قمين بأن يهز أي عرش مهما علت قوائمه، إن لم يكن اليوم فغداً.

ثابت حداد

عضو في أسرة تحرير نضال الشعب

7 فبراير 2025

مزيد من المقالات