السويداء في مواجهة الاستبداد الظلامي

السويداء في مواجهة الاستبداد الظلامي

أثار ما يجري في محافظة السويداء منذ 13 تموز 2025 الكثير من الأسئلة.

حيث كان لافتاً للنظر منذ اللحظة الأولى أن كل ما جرى جاء بعد يوم واحد فقط من لقاء باكو في العاصمة الأذرية بين السلطة الاستبدادية الظلامية في دمشق و اسرائيل الصهيونية برعاية الإمبريالية الأمريكية، وهذا ما له دلالاته الواضحة!

في 14 تموز 2025 اقتحمت قوات الجيش والأمن العام التابع للسلطة الاستبدادية الظلامية الحاكمة في دمشق مدينة السويداء بحجج واهية روج لها إعلامها الكاذب والإعلام الخليجي الرديف، الذي ذكرنا بما كان يردده وزير الإعلام النازي غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب ، فلا بد أن يصدقك الناس ” !

من هذه الحجج الواهية :

الحجة الأولى : أن محافظة السويداء خارج الدولة السورية و متمردة عليها!

بينما يعلم الجميع أن محافظ السويداء وقائد الشرطة وقائد الأمن العام فيها تم تعيينهم من قبل هذه السلطة الاستبدادية الظلامية.

كما كانت كل تصريحات القوى والفعاليات والشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية الوازنة تؤكد الانتماء الى سوريا الواحدة الموحدة، سوريا الدولة العلمانية الديمقراطية وليس دولة الاستبداد والظلامية!

والحجة الثانية : أن الدولة دخلت لمواجهة فصائل مسلحة خارجة عن الدولة والقانون ولجمع سلاحها غير الشرعي ! لكن الأحداث على الأرض أثبتت أن المواجهة كانت مع كل أبناء المحافظة شيباً و شباناً الذين هبوا للدفاع عن أرواحهم وكراماتهم وأرزاقهم .

كما تبين أن السلاح غير الشرعي والمنفلت ليس حكراً على محافظة السويداء بل هو موجود في كل بقعة من سوريا! بل وبكميات أكبر ونوعيات أكثر تطوراً بكثير مما هو في السويداء!

أما الحجة الثالثة: أن الدولة دخلت لفض الاشتباك بين أبناء السويداء وعشائر البدو!

بينما الجميع يعلم أن هذه العشائر الكريمة استقرت وعاشت لعشرات السنين بأمان ضمن محافظة السويداء، ولم يكن بين الجميع إلا المحبة والتعاون والعيش المشترك في السراء والضراء.

وإن الإشكالية التي حصلت بينهما مؤخرا كانت بتدبير وتخطيط من السلطة الاستبدادية الظلامية في دمشق عندما لم تلتزم عامدة بحماية طريق دمشق السويداء، ما سمح بعمليات التعدي و السطو والإهانة على أبناء المحافظة ، و التي كانت هذه السلطة تعلم أنها ستجر المحافظة للفتنة التي هي تريدها لتبرير دخول قواتها إلى السويداء.

وهكذا وتحت هذه الحجج الواهية قامت قوات الجيش والأمن العام بقصف السويداء وبشكل عشوائي براجمات الصواريخ والدبابات وطائرات الشاهين المسيرة وقذائف الهاون استعمال القناصين، مرتكبة مجازر مروعة وبدم بارد بحق المدنيين العزل، ترافقت بإهانة كرامات المواطنين، خاصة رجال الدين والمسنين والنساء.

ولم تتوان عن استنفار كل مكونات ما قبل الدولة من عشائر وقبائل لتتلطى خلفها وتعاود هجومها على السويداء وترتكب المزيد من المجازر !

يقدر العدد الحالي للضحايا ب 1520 شهيد قابلاً للزيادة منهم 50 طفلا والكثير من النساء! بعضهم تم التمثيل بجثثهم و إحراقها! كما أن هناك مئات المفقودين ! و ما يزيد عن 80 ألف خارج منازلهم بضيافة اهلهم في الأماكن الآمنة.

تم اقتحام ونهب المحال التجارية والمنازل المأهولة ثم حرقها لتتحول الى رماد !

تم اقتحام المشفى الوطني بالسويداء لمرتين و قتل ثلاثة أطباء و بعض الكادر التمريضي.

هناك اليوم أكثر من 35 قرية في الريف الشمالي و الغربي للمحافظة تم نهبها و حرق بيوتها بل حتى هدم بعضها بالجرافات و ردم آبار المياه فيها!

هذه القرى مازالت تحت سيطرة الظلاميين و مازالت جثث أبنائها ملقاة في الشوارع متفسخة تنهشها الكلاب الشاردة!

إن ما تعرضت له السويداء هو جريمة ضد الإنسانية و جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، انها حرب إبادة جماعية وعملية تطهير ممنهجة!

في هذا التوقيت دخلت اسرائيل الصهيونية على الخط لتسوق لنفسها أنها حامية الأقليات في المنطقة ! فقامت بتوجيه ضربة عسكرية استعراضية على مقرات وزارة الدفاع و الأركان و القصر الجمهوري بدمشق بعدما أخبرتهم مسبقاً بتوقيتها كي يفرغوا المواقع !

هذه الضربة العسكرية الخبيثة لعبت دوراً خطيراً في تعميق الشرخ بين مكونات الشعب السوري بإيهامه أن هناك من يستقوي بالاسرائيلي على أبناء الوطن ! كما روجت هذه الضربة في بعض الأوساط الشعبية لصورة وطنية للسلطة الحاكمة في دمشق ! و كأنها سلطة تقف في مواجهة العدو الصهيوني!

بينما تؤكد جميع الوقائع ومنذ اللحظة الأولى لوصولها للحكم أنها كما وصفها حزبنا الشيوعي السوري ” سلطة لا وطنية، لا تمتلك ذرة من الوطنية ،بل هي سلطة عميلة ” .

إن التدخل الاسرائيلي الصهيوني لم يتم استدعاؤه من أي مكون سوري كما يروج البعض بل استدعته المصلحة الإسرائيلية في ظل الصراع التركي الإسرائيلي على تقاسم الحصص والدور في سوريا! و هناك تقارير تشير لوجود غرفة عمليات تركية في الجنوب السوري مكونة من عسكريين و رجال استخبارات أتراك يديرون المعارك بالتعاون مع سلطة الاستبداد الظلامي !

ثم هل كان ممكن للسلطة الاستبدادية الظلامية أن تقوم بعملها الإجرامي في السويداء دون الضوء الأخضر الأمريكي الاسرائيلي ! طبعا لا ! لنتذكر أنهم جميعا كانوا مجتمعين في باكو الأذرية قبل يوم واحد من الجريمة !

أيضا لماذا انتظرت إسرائيل كل هذا الوقت سامحة للسلطة الاستبدادية الظلامية أن تمارس الاجرام و الإبادة الجماعية و تتأكد أن الشرخ الطائفي وصل للمقدار الذي لا يمكن العودة عنه قبل أن تتدخل مدعية أنها تنجد أبناء السويداء !

ثم كيف قطعت ميليشيات العشائر و القبائل أكثر من ألف كيلومتر لتصل السويداء دون أن يعترض طريقها أحد لا السلطة الاستبدادية الظلامية ولا قوات التحالف بقيادة الإمبريالية الأمريكية و لا الاسرائيلي الصهيوني!

كل ما سبق يؤكد أن ما جرى كان بتوافق أمريكي اسرائيلي مع سلطة الاستبداد الظلامي هدفه تقديم الجنوب السوري على طبق من فضة لاسرائيل الصهيونية تمهيداً لتقاسم النفوذ بين الضواري الاستعمارية والذي تلعب فيه الولايات المتحدة دوراً محورياً.

و هذا كله جزء من المشروع الذي طالما حذر منه حزبنا ” الشرق الأوسط الكبير الجديد ” ، مشروع صهيون الكبرى الهادف إلى تفتيت دول المنطقة إلى مكوناته الدينية الطائفية و الإثنية، بما يبرر وجود الدولة اليهودية ويجعل جميع دول المنطقة في حالة عداء و اقتتال مستمر ! و جميعها تستقوى باسرائيل على بعضها البعض !

إن أبناء محافظة السويداء ليسوا بحاجة لشهادة بالوطنية من أحد! بل إن تاريخهم الوطني العريق هو الشاهد لهم بالوطنية و مقارعة كل القوى الاستعمارية التي توالت على سوريا من الاستعمار العثماني الى الفرنسي الى الأمريكي الأطلسي الصهيوني.

و اليوم نرى أن سلطة الأمر الوقع الاستبدادية الظلامية لم تكتفي بكل الاجرام و التنكيل السابق الذكر! بل هي أيضا مستمرة في فرض الحصار على أكثر من نصف مليون انسان في السويداء عبر :

الاستمرار في قطع طريق دمشق السويداء الشريان الوحيد الذي يغذي المحافظة.

انقطاع الكهرباء و الماء و الاتصالات.

منع دخول الطحين و المحروقات مما شل حركة النقل و المشافي و الأفران.

الأدوية و حليب الأطفال بدأت تفقد من الصيدليات في ظل التوقف عن التوريد من دمشق!

و ما يقدم من مساعدات بهذا الخصوص من قبل بعض الهيئات كالهلال الأحمر السوري و الصليب الأحمر الدولي لا يغطي الا الجزء اليسير من احتياجات المحافظة اليومية .

اليوم تحاول هذه السلطة الاستبدادية الظلامية الحاكمة في دمشق أن تتبرأ من جرائمها المشينة التي يندى لها جبين الإنسانية و ذلك بإعلانها تشكيل لجنة قضائية للتحقيق! و هذا ما قابله أبناء محافظة السويداء بالاستهجان و الرفض حيث أدركوا فيها محاولة بائسة لهذه السلطة لتجميل وجهها الدموي القبيح عبر تشكيل لجنة تحقيق صورية لا هدف لها سوى طمس الحقائق و تبرئة القتلة ، عبر غسل اياديهم من آثار الجريمة و تحميل الضحية مسؤولية ما حدث.

إن أبناء السويداء كافة يحملون المسؤولية الكاملة عما جرى للسلطة الاستبدادية الظلامية الحاكمة في دمشق و لرأسها تحديدا، و لديهم اليقين أن العدالة لا تتحقق عبر لجان شكلية تابعة للمجرم نفسه بحيث تكون هي الخصم الحكم .

إن السكوت عن هذه الجرائم التي ارتكبت في محافظة السويداء هو مشاركة في ارتكابها!

و لاحل في سوريا إلا بزوال هذه السلطة بالكامل، كيف يمكن الحديث عن حلول في ظل بقاء نفس الأجهزة التي ارتكبت المجازر ! كيف يمكن بناء دولة مع من دمر مؤسساتها و حولها لأدوات قمع و حول الوطن لساحات لتصفية الحسابات ! كيف يمكن بناء دولة مع من سرق الثروات و تاجر بدماء السوريين و يقف مكتوف اليدين متفرجا أمام استباحة العدو الإسرائيلي و احتلاله الأرض السورية يومياً!

نعم لا مستقبل لسوريا ولا عدالة ولا استقرار الا بزوال هذه السلطة الاستبدادية الظلامية ،و كل حديث عن حلول وسط هو محاولة لإعادة إنتاج الخراب بثوب جديد .

سوريا تستحق دولة جديدة وطنية ديمقراطية لا مجرد إصلاح لسلطة ساقطة أخلاقياً ووطنياً .

كم كان الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري الرفيق الراحل عمار بكداش محقاً عندما قال : ” إن الطريق القويم في الحالة التي يعيشها وطننا، يكمن في النضال من أجل حرية الوطن و استعادة السيادة الوطنية الكاملة المستقلة عن مصالح المستعمرين و أعوانهم، والنضال من أجل وحدة التراب الوطني . و إن تحقيق ذلك يتطلب قيام حكم وطني ديمقراطي كنقيض جذري للحكم الاستبدادي الظلامي العميل .

هذه هي شروط تحقيق التقدم و الازدهار لشعبنا “

د.فداء الريان

6 اب 2025

مزيد من المقالات