معاناة المتقاعدين و طوابير الذل

معاناة المتقاعدين و طوابير الذل

غاندي شيخو

يفني العامل بأجر جل سنوات عمره في خدمة وطنه، يبني ويشيد، يعمل ليل نهار آملاً بأن تأتي لحظة الراحة بعد التقاعد، ليجني ثمرة ما زرعه من عرق وجهد. لكن في سوريا اليوم، تحولت هذه اللحظة المنتظرة إلى كابوس يومي، يعيشه نحو 475 ألف متقاعد، بعد عقود من العطاء، يُهانون في طوابير تمتد لساعات، ليستلموا راتباً لا يغطي حتى ثمن الدواء، وبعد التأخر في القبض لشهور.

قبل أي زيادة، كان راتب المتقاعد السوري لا يتجاوز في أحسن الأحوال 30 دولار، وبعد الزيادات الأخيرة بموجب المرسومين رقم 103 لعام 2025 (زيادة 200%) ورقم 135 لعام 2026 (زيادة 30%)، ارتفعت المعاشات وسطياً لتصل حوالي 90 دولار. لكن هذه الزيادات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية في ظل التضخم الهائل وارتفاع تكاليف الدواء والغذاء والإيجارات.

إن معاناة المتقاعدين لا تقتصر على ضعف الرواتب وارتفاع الأسعار، بل هي معاناة يومية متصلة بكل تفاصيل الحياة.

إن تأخر صرف رواتب المتقاعدين خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت ظاهرة تعكس أزمة بنيوية تتقاطع فيها عوامل السيولة والإدارة والبيروقراطية. حيث تعتمد هذه الفئة بشكل شبه كامل على رواتبها الشهرية لتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يجعل أي تأخير، ولو لبضعة أيام، ذا أثر مباشر وقاسٍ على مستوى معيشتها.

وتبرر المؤسسة السورية للبريد التأخير بعدم تسلم الكتل المالية والجداول الرسمية من الجهات المختصة في موعدها المعتاد. لكن المواطنين لا يقتنعون بهذه التبريرات، وهم يرون بعيونهم مشاهد مؤلمة يومياً، كما علق أحدهم على فيديو يوثق طوابير المتقاعدين: “كيف ماتشوفوا المتقاعدين بالبريد طوابير وكلن غصب عم يمشوا وبروحوا 20 مرة ليقبضوا من الزحمة… فئة لازم يوصلا الراتب ع بيتا”.

أما ورثة المتوفين، فمعاناتهم مضاعفة، إذ يضطرون إلى تقديم الثبوتيات لمرات عديدة والتي لا يتم الحصول عليها الا بشق الأنفس و عن طريق السماسرة، والمراجعة مراراً إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية، في رحلة شاقة من البيروقراطية المعقدة التي لا ترحم.

إن الأسباب، مهما كانت موضوعية، لا تبرر إهانة فئة قضت عمرها في خدمة الدولة، ولا تخفف من مرارة الوقوف في طوابير لساعات تحت أشعة الشمس أو في البرد القارس، ليتسلم المتقاعد راتبه المتأخر الذي فقد قيمته أصلاً بفعل التضخم.

— أين دور اتحاد نقابات العمال؟

الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا هو المركز النقابي الوطني الوحيد، تأسس عام 1938، ويُعد منصة للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين دور الاتحاد في الدفاع عن المتقاعدين؟

صحيح أن الاتحاد طالب مؤخراً برفع الحد الأدنى للأجور وتثبيت العقود، و ضرورة شمول المتقاعدين بالتأمين الصحي و ضرورة اعادة المفصولين، لكن هذه الخطوات تبقى أقل بكثير من حجم المأساة التي يعيشها المتقاعدون.

المطلوب من اتحاد نقابات العمال ليس مجرد بيانات وشعارات، بل:

1. التدخل الفوري لدى الجهات المعنية لوقف سياسة التأخير في صرف الرواتب.

2. مطالبة حقيقية بزيادة المعاشات بما يتناسب مع التضخم وتكاليف المعيشة، لا بزيادات شكلية.

3. تسهيل إجراءات صرف الرواتب، وتوفير بدائل مصرفية تخفف عن المتقاعدين معاناة الطوابير.

4. الدفاع عن حقوق الورثة وتبسيط إجراءات استحقاق المعاش بعد وفاة صاحب المعاش.

5. متابعة ملف المتقاعدين بشكل مستمر، وعدم تركه لأجهزة البيروقراطية التي لا تبالي بمعاناتهم.

كما طالب البعض بأن يشمل التأمين الصحي العامل المتقاعد وعائلته، وهو مطلب طموح يسعى إليه الاتحاد، لكنه لم يتحقق بعد.

المتقاعدون في سوريا ليسوا مجرد أرقام في جداول الرواتب، هم آباء وأمهات، من بنوا هذا الوطن بعرق جبينهم، وقدموا له أفضل سنوات عمرهم. اليوم، هم في أمس الحاجة إلى كرامة يستحقونها، إلى راتب يعينهم على لقمة العيش، إلى معاملة تليق بمن قضى عمره في خدمة الوطن.

إن استمرار معاناتهم وإهانتهم ليس مجرد إخفاق إداري، بل هو وصمة عار في جبين الدولة والمجتمع.

فإلى متى سيبقى المتقاعد السوري ينتظر راتبه في طوابير الذل؟

وإلى متى سيظل اتحاد نقابات العمال متفرجاً على هذه المأساة؟

إن الوقت قد حان للتحرك الجاد، لتحسين مستوى معيشة المتقاعدين ،فكرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن يحب أن يكون خط أحمر، وعدم تجاوزه.

20 يونيو 2026

مزيد من المقالات