الرميلان: من “المدينة التي لا تنام” إلى مدينة تائهة في ظلّ الفوضى
راسم علي
في الذاكرة الجماعية لأبناء الجزيرة السورية، كانت الرميلان تُلقَّب بـ”المدينة التي لا تنام”. لم يكن هذا اللقب مجرد وصفٍ عابر، بل كان شهادةً على حيوية مدينةٍ لم تتوقف فيها آبار النفط عن العمل ليلاً ونهاراً، ولم يغب عنها صوت الحفارات والمحطات والورش المساعدة. كانت رميلان قلبَ الثروة الوطنية النابض، ورمزاً لاقتصادٍ كان يُفترض أن يعود خيره على أبنائه.
اليوم، تبدّلت الصورة. فبعد أن جرى بيع ثروات البلاد في المزاد العلني، ومنها النفط، والتعاقد مع شركات أمريكية مثل شركة “HKN” بشروطٍ مجحفةٍ بحق الشعب، وحصة الأسد تعود للشركة، باتت الرميلان تعيش حالةً من الغموض والارتباك لم تعرفها من قبل.
لم يعد العاملين في الرميلان يعرفون لمن يتبعون. فالإدارات المتعددة تتنازع الصلاحيات، والمشهد يزداد ضبابيةً يوماً بعد يوم. وفي تطورٍ لافت، تم مؤخراً إبلاغ العاملين في مبنى إدارة الحقول بضرورة إفراغ المبنى لصالح موظفي شركة “HKN”. ذلك المبنى الذي كان يُعدّ رمزاً للحقول، وذاكرةً حيّة لعقودٍ من العمل والإنتاج.
تعمل الشركة الأمريكية HKN على توقيع عقود عمل مع العاملين في شركة الجزيرة النفطية، غير أن بنود هذه العقود تبقى سرية. هذا الغموض يضع العمال في حيرةٍ من أمرهم: لا يفهمون ما يجري، ولا يعرفون لمن سيتبعون، ولا من سيدفع رواتبهم. وإلى جانب هذا القلق اليومي، تبقى الحقوق المهضومة منذ سنوات جرحاً مفتوحاً: إجازاتٌ لم تُمنح، وعطلٌ لم تُحسب، واستراحاتٌ أسبوعيةٌ سُلبت، و طبابة معدومة وحقوقٌ تُركت دون محاسبة.
لم يقتصر الأمر على الرواتب التي لم تعتمد على سلم واضح بل استناداً الى تقييمات عشوائية و مزاجية افتقرت تماماً لأي معايير مهنية أو علمية و دون أدنى اعتبار لسنوات الخدمة، بل طال أيضاً السكن العمالي، الذي كان يُوزَّع سابقاً عبر لجنةٍ تراعي الأقدمية في الوظيفة، وأهمية العمل، والفئة الوظيفية. أما اليوم، فيبدو أن التوزيع أصبح خاضعاً لمعيارٍ واحد: الولاء.
في هذه المساكن، يسكن عمالٌ لم تتجاوز خدمتهم أشهراً، وآخرون ليسوا من العاملين في قطاع النفط أصلاً، وأشخاصٌ بلغوا السن القانونية منذ سنوات. وبالمقابل، لم يحصل على هذه المساكن عمالٌ وفنيون أفنوا عشرات السنين من عمرهم في الحفارات والمحطات والورش المساعدة.
ويبقى ملف المفصولين جرحاً آخر لم يُضمَّد. فحتى اللحظة، لم يعد هؤلاء إلى عملهم، رغم مرور وقتٍ طويل على فصلهم، ورغم ما يمثلونه من كفاءاتٍ وخبراتٍ تراكمية.
في ظلّ هذا المشهد، يبقى السؤال الأبرز معلقاً بلا جواب: إلى أين تتجه رميلان؟ وهل سيعود إليها ذلك النبض الذي جعلها “المدينة التي لا تنام”؟ أم أن الغموض والفوضى سيبقيان سيدَي الموقف، والعمال في حيرةٍ من أمرهم، يبحثون عن جهةٍ يتبعون لها، وعن حقٍّ ينتظرون استرداده؟
إن ما يجري في الرميلان ليس قضية إدارية أو قانونية فحسب، بل هو قضية وطنية بامتياز. فحين تُباع الثروة، وتُهضم الحقوق، ويُوزَّع السكن و الراتب استناداً الى تقييمات عشوائية و مزاجية، فإن الخسارة لا تصيب العمال وحدهم، بل تصيب الوطن بأكمله. وتبقى الحقيقة الأثقل: أن مدينةً كانت لا تنام، باتت اليوم لا تعرف لمن تنتمي.



