عن الإمبريالية و الحرب (1)

ثابت حداد

بعد ستة أسابيع من الحرب الإمبريالية-الصهيونية/الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومن ثم على لبنان، دخلت هدنة من أسبوعين للتفاوض موضع التنفيذ(تشارف اليوم على الانتهاء) ، فصمود ومقاومة الشعب الإيراني وصمود الشعب اللبناني في الجنوب ومقاومته حتى الآن، أدهشت، جميعها، الحلفاء والأحرار قبل الأعداء الإمبرياليين (نأسف للغة الخشبية، من يبحث عن لغة مودرن مطاطية، لديه مروحة واسعة من اليمين الفاشي فالليبرالي إلى “اليسار الديمقراطي”، مرورا بالNGOs وتوابعها)، وقد سال حبر كثير في تحليل هذه الحرب و تشريحها، و تعددت المواقف منها.

لا شك أنه، كما في دراسة أي ظاهرة تاريخية أو حدث معين، تتنوع التحليلات والاستنتاجات والمواقف بتنوع المشارب الإيديولوجية والمواقف الطبقية. فالذي ينظر إلى الظواهر المعاصرة بعين تاريخية (قل مادية تاريخية)، ويرى أن الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل أخرى، وأن السياسة هي بدورها تعبير مكثف عن الاقتصاد، وأن للاستعمار والإمبريالية مصالح ونفوذ، وللصهيونية مشاريع تعمل على تحقيقها، يختلف عن موقف من يرى الحرب بسبب ديكتاتورية هذا النظام وقمعيته، أو بسبب محاولاته امتلاك سلاح نووي، أو بسبب دعمه المزعوم للإرهاب، أو لأن هذا الرئيس الأمريكي يتصف من الصفات بكذا وكذا، أما سلفه أو خلفه فبغيرها. كما أن موقف الإنسان الغزي المحاصر أو النازح من جنوب لبنان يختلف جذريًا عن موقف إعلاميّ في وسيلة إعلام خليجية أو ناشط مجتمع مدني أو موظف في شركة متعددة الجنسيات في الخليج. فحسب الواقع الطبقي ومصالح البشر الاقتصادية والسياسية، تتحدد رؤيتهم ووعيهم، على أن تعدد الرؤى هذا واختلافها لا يلغي الطابع الموضوعي الطبقي للحرب.

لندع هذا قليلًا، ولنرَ إذن كيف يرى الشيوعيون الحرب في عصر الإمبريالية بشكل عام، وهذه الحرب العدوانية على إيران ولبنان بالخصوص.

الحرب والإمبريالية:

تلازم الحرب والعسكرة الرأسمالية عامة منذ نشأتها، والإمبريالية بشكل خاص، وخاصة في مراحل التراكم ومراحل الأزمات. فمن إخضاع العالم الجديد وإبادة السكان الأصليين، إلى إخضاع المستعمرات في القرن التاسع عشر، ثم الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما تلاها من حروب قادتها تحديدًا الإمبريالية الأمريكية، أفصحت الرأسمالية و الإمبريالية خاصة عن ميل متجذر للعنف.

لكن ما يميز إذن العسكرة والحروب في عهد الإمبريالية؟

كان إلحاق المستعمرات في عصر رأسمالية المزاحمة الحرة يتم في وضع لم يكن فيه أغلب العالم، تحديدًا آسيا وأفريقيا، قد استُعمر بعد. ولكن مع انتقال الرأسمالية لطورها الإمبريالي، وتحديدًا مع بدايات القرن العشرين وعشية الحرب العالمية الأولى، كان اقتسام العالم قد تم فعلاً، فأصبحت المهمة الماثلة أمام أي إمبريالية فتية هي إعادة اقتسام العالم وفق توازن القوى الجديد الاقتصادي والعسكري.

وصف لينين وحلل طبيعة الحروب في الطور الإمبريالي من الرأسمالية، وبيّن موقف الشيوعيين (الاشتراكية الديموقراطية الثورية آنذاك) من الحروب بشكل عام، والحرب الإمبريالية العالمية الأولى بشكل خاص، وعالج هذه المواضيع في العديد من الكتب والكراسات التي وضعها قبيل الحرب أو بعد نشوبها، مثل: “الاشتراكية والحرب”، “التسلح والرأسمالية”، “مهمات الاشتراكية الديموقراطية الثورية في الحرب الأوروبية”، “نظرة الاشتراكية الديموقراطية في روسيا للحرب الأوروبية”، “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، “إفلاس الأممية الثانية”، و”بصدد الكاريكاتير عن الماركسية، وبصدد الاقتصادية الإمبريالية”.

يعرف لينين الإمبريالية بأنها الرأسمالية في مرحلة رأس المال الاحتكاري، مرحلة نشوء وسيطرة الاحتكارات، ويرى أنهذه الاحتكارات أوطد ما تكون حين تتفرد بوضع يدها على جميع مصادر الخامات، لذا فهي توجه جهودها كي تنتزع من الخصم كل إمكانية للمزاحمة. لكن هذه الاحتكارات لا تقضي على المزاحمة والمنافسة، لكنها تنشأ من رحمها ونتيجة لها، ثم تعيش جنبًا إلى جنب معها، لتبدأ الدورة باقتسام العالم اقتصاديًا بين كبريات اتحادات الرأسماليين، لتنتهي بإعادة اقتسام العالم، تقاسم العالم جغرافيًا بين الدول الإمبريالية.

بالإضافة إلى حاجتها المباشرة لها تحتاج هذه الإمبرياليات الأراضي والخامات ومناطق النفوذ،، وربما بقدر أكبر، لحرمان الخصوم منها وتقوية الوضع التنافسي الاقتصادي والعسكري ( هذا الجانب أي حرمان المنافسين من الركائز في إطار الصراع الاستراتيجي يلعب اليوم دوراً هاماً في الحروب الامبريالية المعاصرة كدافع لها يتفوق على الفوائد الاقتصادية المباشرة، سنعود لهذا في إطار تحليل الحرب على إيران).

وقد انتقد لينين بشكل شديد الاتجاهات التي كانت تسعى لفصل السياسة الإمبريالية، (أي العدوانية وصنع الحروب) عن اقتصادها، والتي كانت ممثلةً آنذاك بكاوتسكي، أما اليوم فبورثته الاشتراكيين الديمقراطيين، ومدعي اليسار الليبراليين الذين يرون في الحروب سياسية قد تتخذها الدول الإمبريالية أو تتركها. فالحروب والتدخلات الإمبريالية هي سياسة رأس المال المالي الاحتكاري، هي البناء الفوقي الذي ينشئه رأس المال هذا في دورته وديناميته.

ومن المؤكد أن العسكرة والاستعداد الدائم للحروب قد أدى إلى نشوء صناعات عسكرية ضخمة ومؤسسات سياسية وجامعات وبحث علمي مرتبطة بهذا المجمع العسكري الصناعي، إلا أن الحروب وطبيعة الرأسمالية، خاصة في المرحلة الإمبريالية، هي سبب وجود هذا المجمع وليس العكس، وإن كان وجوده، أي المجمع، يطلق دينامياته الخاصة به ويعود بفوائد اقتصادية معينة على قطاعات معينة من رأس المال في الدولة المعنية، و النموذج الكلاسيكي لهذه الظاهرة نراه في المجمع العسكري الصناعي في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الحرب في العصر الإمبريالي هي ميدان حسم الصراع بين الاحتكارات، إذ إن هذا الصراع يُحسم بالمقام الأول بالعلاقة بين قواها العسكرية. في إحدى مقالاته، وتحديدًا في المقال الموسوم بـ«حول شعار الولايات المتحدة الأوروبية»، يورد لينين ما يلي: «ولأجل التثبت مما لدى الدولة الرأسمالية من قوة فعلية، ليست ثمة، ولا يمكن أن تكون ثمة، وسيلة غير الحرب. فالحرب لا تتناقض مع أسس الملكية الخاصة، إنما هي تطورها المباشر المحتوم. وفي ظل الرأسمالية يستحيل تطور مختلف الاستثمارات ومختلف الدول اقتصاديًا بالوتيرة نفسها، والوسيلة الوحيدة الممكنة لإعادة التوازن المفقود من حين إلى آخر إنما هي، في ظل الرأسمالية، الأزمات في الصناعة والحروب في السياسة».

تحديد الموقف من هذه الحرب أو تلك في الرؤية اللينينية:

ميّز لينين والشيوعيون بين الحروب العادلة التحررية التي تشنها الأمم المضطهدة ضد مضطهديها، والحروب التي تلعب دورًا تقدميًا في التاريخ في سبيل الديمقراطية والبروليتاريا، وبين الحروب الهجومية العدوانية التي تُشن بقصد النهب والاستعباد وإعادة اقتسام الأمم وثرواتها.

ويشدد لينين على دراسة موضوع أي حرب دراسة ديالكتيكية، أي تناول كل حرب بعينها على حدة، وتحليل ظروفها وأسبابها والدول والطبقات المشاركة فيها. وهو يرفض أخذ الحروب في عصر ما على إجمالها، كالقول إن كل الحروب في المرحلة الإمبريالية هي عدوانية وهجومية بالضرورة. وهذا يستلزم أن نعرف أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، على رأي كلاوزفيتز. إذن، فتحليل سياسة الدول والطبقات قبل الحرب هو الذي يحدد طبيعة الحرب المعنية وكنهها.

عن هذا يورد لينين في كراسه المعنون بـ «الاشتراكية والحرب”: “إذا أعلنت مراكش غدًا الحرب على فرنسا، والهند على إنجلترا، وإيران أو الصين على روسيا، فإن هذه الحروب ستكون حروبًا عادلة دفاعية، أيا كان البادئ، وكل اشتراكي سيتمنى انتصار الدول المضطهدة التابعة التي لا تتمتع بحقوقها كاملة على الدول الكبرى المضطهدةالمستعبِدة النهابة”، و لكننا، وكما يقول لينين، لن نؤيد حرب مالك 100 عبد ضد مالك 200 عبد تحت أي شعار، إذ لا توجد إمبريالية طيبة.

و نحن اليوم إذ نستعيد لينين، لا نستعيده كنصوص جافة مفصولة عن الواقع، بل نستعيد تحليله الماركسي الثاقب المادي الجدلي، بسبب من تشابه المرحلتين، فما أشبه الفترة التي نعيشها بعشية الحرب العالمية الأولى.

ربما اختلفت بعض الظروف بتفاصيلها، ولكن ليس بإطارها العام. فبعد الحرب العالمية الثانية، وانتصار الاتحاد السوفييتي فيها، نشأت في الستينات والسبعينات موجات تحرر وطني وإزالة الاستعمار، ونالت العشرات من البلدان حول العالم استقلالها السياسي على الأقل، بالإضافة إلى وجود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي. ولكننا اليوم، وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1990، في نهاية الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، نرى أن جميع دول العالم اليوم تقريبًا جزء من السوق العالمي، وأن هذه الدول إما شريك تجاري لأمريكا أو للصين اقتصاديًا، وجزء من هذا التجمع أو التحالف السياسي أو ذاك، مما يجعل الحروب و التدخلات ممراً إلزامياً لفرض الهيمنة الاقتصادية على هذه الدولة أو تلك أو إعادة موضعتها سياسياً و استراتيجياً في إطار الصراع العالمي بين الأمبريالي.

في الجزء الثاني سنتناول العدوانية الأمريكية بشكل خاص و الحرب العدوانية على لبنان و إيران.

21 ابريل 2026

مزيد من المقالات