ثابت حداد
“وتنفق بريطانيا والبلدان الأخرى مئات وآلاف الملايين من الروبلات على التحضير للحرب، ومن البديهي أن ذلك كله يجري، على وجه الحصر، في سبيل السلام، ومن أجل صيانة الثقافة، وفي سبيل الوطن والحضارة وهلمجرا”
لينين في مقاله الرأسمالية والتسلح
إذا استبدلنا ببريطانيا الولايات المتحدة الأمريكية، وبآلاف ملايين من الروبلات آلافًا من مليارات الدولارات، وبالحضارة الديمقراطية وحقوق الإنسان، سنجد أن توصيف لنين لا يزال راهناً يصف واقعاً عاملاً. طبعاً، دونالد ترامب لم يتورع عن الإفصاح عن كل شيء، عن الأهداف الحقيقية للحروب الإمبريالية الأمريكية.
قطعاً، لا توجد إمبريالية طيبة، ولسنا بوارد المفاضلة بين إمبريالية وأخرى، ولكن، وكما كانت ألمانيا النازية أكثر الإمبرياليات عدوانية في الحرب العالمية الثانية والفترة التي سبقتها، فإن الإمبريالية الأمريكية اليوم هي الأكثر عدوانية، والأكثر خوضًا للحروب، وصاحبة أكبر سجل من التدخلات ودعم الانقلابات حول العالم. فما الذي يجعلها، على هذا الواقع، التي هي عليه؟ والأهم: لماذا هذه العدوانية ممكنة؟ ولماذا هي ضرورية؟
لنبدأ ببعض الأرقام؛ بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي المعلن عنه عام 2024–2025 حوالي 960 -1000 مليار دولار، أي ما يقارب 3.4 إلى 3.8 من الناتج المحلي الإجمالي GDP، (طبعًا، الرقم أكبر من ذلك بكثير إذا تم حساب الإنفاق المرتبط بموازنات الدفاع)، ويقول باحثون اقتصاديون إن الإنفاق الفعلي هو تقريبًا ضعف الإنفاق المعلن عنه، أي أنه قد يتراوح بين 1.8 و2 تريليون دولار، وهو إنفاق يفوق إنفاق الصين العسكري بثلاثة إلى أربعة أضعاف حسب المعلن و أكثر من ذلك بكثير إذا أخذنا الإنفاق الفعلي( 240 – 341 مليار دولار، أي 1.7 إلى 2% من GDP)، وهو ما يبلغ 2.8 ضعف المعدل العالمي لموازنة الدفاع بالنسبة الناتج المحلي الإجمالي (DOD/GDP). وهو أيضا ًيضع الولايات المتحدة على قمة الإنفاق العسكري في العالم، ويجعلها أكثر الدول عسكرة، وأكثر الدول التي تمأسست فيها العسكرة، بنشوء وتطور المجمع العسكري الصناعي (أو العسكري- الصناعي-البرلماني، في تعبيرات أخرى).
المجمع الصناعي العسكري الأمريكي:
تضاعف الإنتاج الصناعي العسكري الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، ليشكّل، في عام 1943–1944 حوالي 42% من الناتج المحلي الإجمالي، وبعد الحرب، تم نقل ملكية 77% من مصانع الأسلحة ومنشآت التعدين الحديثة إلى ملكية الشركات الكبيرة، مقابل كلف منخفضة أو دون مقابل، لتبدأ حقبة جديدة من آليات صنع القرار والعلاقات المتشابكة والوطيدة بين أضلاع “المثلث الحديدي” المكوّن لهذا المجمع؛ وهي شركات الأسلحة العملاقة، قاعدة هذا المثلث (أكبر خمسة شركات أسلحة أمريكية هي لوكهيد مارتن، رايثون، بوينغ للدفاع و الفضاء، جينيرال داينيمكس و نورثروب غروومان) ؛ وضلعاه الآخران وزارة الدفاع الأمريكية ووكالات الاستخبارات من جهة، والمؤسسات السياسية المرتبطة بشؤون الأمن القومي (كمجلس الأمن القومي، واللجان الرئيسية في الكونغرس الأمريكي، ووكالة ناسا، ومراكز الأبحاث Think Tankers) كضلع ثالث مدني (على الهامش: من بين الخمس والعشرين مركزاً الأكثر استشهاداً بها، يتلقّى 12 مركزاً تمويلاً من شركات الأسلحة الأمريكية).
هنا يطرح السؤال نفسه؛ كيف لا يشكّل هذا الإنفاق الضخم عبئاً على اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية ذات المديونية العالية (قرابة 35 تريليون دولار)، وزات العجز السنوي المقدّر بـ 1.5 إلى 2 تريليون دولار؟
تقدّم الكينزية العسكرية بعض الإجابة عن هذا التصوّر؛ ففي حين أن رأس المال الاحتكاري ينفر من و يعزف عن الإنفاق الحكومي في الشق المدني، فإنه يحبّذ إنفاقاً واسعاً في المجال العسكري. إذ إن هذا الإنفاق حقّق سابقاً، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، معدلات تشغيل عالية، وساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أُطلق على تسميته من قبل الاقتصاديين الكينزيين بـ “الأثر المضاعف”، حيث إن إنفاق مليار دولار في عقود الدفاع والعسكرة يؤدي إلى زيادة في مقدار الGDP بمقدار 1.5 مليار دولار، وهذا فضلًا عن إغراء الربحية العالية؛ ففي حين بلغ معدل الربح في الاستثمار الرأسمالي المدني حوالي 8% عام 2022، بلغ معدل الربح في العقود العسكرية حوالي 14.4%، عن طريق التعاقد مع شركات أو مقاول رئيسي، يلجأ بدوره إلى متعهدين من الباطن وشركات أخرى، ليراكم كل منها هامش ربحه الخاص، وهذا ما يُسمّى بتراكم الأرباح الهرمي (Profit Pyramiding).
من الأدوار التي يلعبها المجمع الصناعي العسكري، تحفيز البحث العلمي وتشجيع المبادرات التكنولوجية؛ فالإنترنت مثلاً، والذكاء الاصطناعي، بدآ كمشاريع سرية مطوّرة تحت إشراف وزارة الدفاع الأمريكية (وزارة الحرب حالياً)، ثم انتقلت للاستخدام المدني، وهذه النقطة تحديداً قد تفرمل و تقلل من إغراء الربحية، كما تنبأ بول باران وبول سويزي، فمن حيث إن الإنفاق العسكري يكون ذا كثافة تكنولوجية عالية، أي يستثمر في التكنولوجيا بشكل كبير، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وإحلال الذكاء الاصطناعي و المكننة مكان العديد من العمال، قد يكون نفسه سبباً في زيادة البطالة لا في زيادة التشغيل، كما أشير ابتداءً.
إذن، يُنظر إلى المجمع الصناعي العسكري كأداة لمكافحة الركود، يمكن لرأس المال الاحتكاري الأمريكي استخدامها كقاطرة لمراكمة رأس المال والقيمة الزائدة وإعادة خلقها. وفي هذا السياق، كانت روزا لوكسمبورغ تنظر إلى العسكرة كمجال لنزح المزيد من دخل الطبقة العاملة وتحويله إلى أرباح رأسمالية في إطار عملية الإنتاج الرأسمالي للأسلحة، وفي عمليات التجهيز العسكري للجيوش. ومن هذا المنظار، نُظر إلى الضرائب غير المباشرة والتعريفات الجمركية كأداة لتحميل نفقات العسكرة على كاهل العمال.
لا شك أن هذا المجمع يغذي العدوانية الأمريكية، ولكنه ليس السبب فيها، بل الأصل هنا الحفاظ على الهيمنة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وما يجعله ممكناً أن الإنفاق عليه ليس عبئاً اقتصادياً، بل على العكس يجلب فوائد اقتصادية معينة، طبعاً لرأس المال وليس للشعب الأمريكي وطبقته العاملة، على إنهما يؤثران في بعضهما في عملية ديالكتيكية، فالمسدس، إذا وُجد على خشبة المسرح، لا بد أن يطلق النار، إذا استعرنا من أنطون تشيخوف.
هذا جانبٌ من الإجابة عمّا يجعل العدوانية الأمريكية ممكنة، ولكن ما الذي يجعلها و يجعل هذا الإنفاق ضروريين وحيويين بالنسبة للإمبريالية الأمريكية؟
تتربع في الوقت الحالي الولايات المتحدة الأمريكية على قمة الاقتصاد العالمي بناتج قومي إجمالي (الناتج المحلي الإجماليGDP ) يبلغ 30.6 تريليون دولار، وتليها الصين بـ 19–20 تريليون دولار، لذا لا تزال الاقتصاد الأكبر عالمياً من حيث القيمة الاسمية. ولكن عند حساب القوة الشرائية، نرى أن الصين قد أزاحت الولايات المتحدة عن صدارتها منذ عام 2016.
لتوضيح هذه الفكرة، نضرب المثال التالي: إذا كانت ثلّاجة تُنتج في الولايات المتحدة وتباع بقيمة 700 دولار، فإن نفس الثلّاجة لو أُنتجت في الصين ستباع بـ 400 دولار مثلاً، وهكذا فإن 19–20 تريليون دولار، وهي ناتج الصين القومي الإجمالي، تنتج من البضائع، سلعاً أو خدمات، أكثر مما تنتجه 30 تريليون دولار، وهي الناتج الإجمالي للولايات المتحدة.
كما أن الصين تمثل 20–32% من الإنتاج الصناعي العالمي، بينما تمثل الولايات المتحدة 15–17% من هذا الناتج. في حين تبلغ المديونية الأمريكية (الدين الفيدرالي الكلي) حوالي 34–35 تريليون دولار، أي نحو 120% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يبلغ عجز الموازنة السنوية الحالي 1.5–2 تريليون دولار.
مستوى المديونية المرتفعة هذا كفيل بانهيار وإفلاس أي دولة في النظام الرأسمالي العالمي، لكن حال الولايات المتحدة تختلف؛ فهذا الدين مقوّم بالدولار، العملة العالمية وعملتها الخاصة في الوقت نفسه، وتطبعه الولايات المتحدة دون تكلفة تُذكر نسبياً، والعالم كله تقريباً يحتاج لهذه العملة (60% من الاحتياطات العالمية، وأغلب التجارة العالمية، خاصة النفط، هي بالدولار، والنظام المالي العالمي يُدار بشكل رئيسي من الولايات المتحدة الأمريكية) ما يجعل الطلب عليها مستمراً. فالفوائض العالمية تُستثمر أو تُخزَّن إما كذهب، أو في صناديق سيادية، أو بشراء سندات الخزينة الأمريكية، ما يجعل العالم، حتى الصين بفائضها التجاري البالغ 1.5 تريليون دولار، يمول الاستهلاك الأمريكي والاقتراض الأمريكي.
ربطاً، إن قوة الدولار ومركزيته مرتبطتان بالموقع الاقتصادي لـ الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها الاقتصاد الأكبر اسمياً، وبالنوعية العالية للاقتصاد الأمريكي (الاحتكار التكنولوجي)، وبهيمنة الإمبريالية الأمريكية السياسية والعسكرية.
ولكن هذه الحالة ليست معطىً نهائياً؛ فـالصين تزاحم الولايات المتحدة وتزيحها عن عرشها الاقتصادي، وقد أزاحتها حسب معطيات الإنتاج الفعلي، ورويداً رويداً ينمو اقتصادها الاسمي أيضاً، وتحقق في الوقت نفسه قفزات تكنولوجية هائلة ومتطورة، مما يجعل الهيمنة السياسية والعسكرية للإمبريالية الأمريكية ضرورية وحيوية لاستمرار هيمنتها الاقتصادية. وهذا ما يمنح العدوانية الأمريكية وجوداً خاصاً، طبعاً فضلًا عن ميل أي إمبريالية إلى العنف والعسكرة، وذلك لتأمين الأسواق ومصادر المواد الأولية، ولضمان الوصول إلى جميع حلقات سلاسل التوريد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعادن النادرة وأمن الطاقة، وحرمان المنافسين من هذه الامتيازات.
فالولايات المتحدة،ث تراكم القوة، وخاصة العسكرية، في حين تتراجع مكانتها الاقتصادية بهذا الرتم أو ذاك؛ أو كما عبّر عن الأمر جون بيلامي فوستر “إنه الواقع المزدوج: ازدياد مؤقت في قوة الولايات المتحدة، على طول الخط، مع تراكم مؤشرات على انحدار طويل الأجل، مما يقود إلى أن تنادي النخبة الحاكمة، وبشكل عاجل، بـ “قرن أمريكي جديد”، ولأن تزيد واشنطن من قوتها العسكرية الهائلة كي تستعيد قوتها الاقتصادية والجيوسياسية”.
الحرب على إيران بين تأمين النفط واحتواء الصين:
يلعب حرمان الخصوم من الوصول إلى الموارد والأسواق والمركزات الاستراتيجية دوراً محورياً في حروب الإمبريالية اليوم، ويشكل جزءاً أساسياً من تكوين الاحتكارات. ولعل إيران هي أحد هذه المركزات الاستراتيجية، بسبب احتياطاتها النفطية الكبيرة (المركز الثاني في العالم، 206 مليار برميل)، ومن موقعها على الضفة الشرقية للخليج والساحل الجنوبي لبحر قزوين، العائمان بدورهما على احتياطات نفطية كبيرة. والحرب عليها هي، بالدرجة الأولى، جزء من استراتيجية احتواء الصين،الخصم و المنافس الاستراتيجي الرئيسي لـ الولايات المتحدة الأمريكية.
لا تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية نفط إيران لاستهلاكها الخاص واستهلاك احتكاراتها؛ فهي المنتج الأول للنفط عالمياً، بفضل ثورة النفط الصخري مطلع القرن الجاري. كما أن الانقلاب، أو عملية القرصنة في فنزويلا، جعلها تمنح شركات النفط والطاقة الأمريكية امتيازات الاستخراج والتصدير، مما يجعلها أقل بلدان العالم تأثراً بالحرب من حيث أمن الطاقة.
ومن مضيق هرمز، الذي أُغلق بسبب الحرب، يمر يوميًا حوالي 15–20 مليون برميل نفط، أو حوالي خمس إنتاج العالم. من هذه الكمية يذهب جزء بسيط فقط للولايات المتحدة، بينما يذهب حوالي 5 ملايين برميل، لصالح الصين، أي أقل بقليل من نصف استيرادها اليومي (أو وفق تقديرات أخرى، 40% من استيرادها اليومي للنفط و30% من احتياجاتها اليومية للغاز الطبيعي)، ومن هذه الـ 15–20 مليون برميل، تبلغ حصة إيران 1.3 مليون برميل يومياً، أي أن الحرب لا تستهدف الاستيلاء على النفط الإيراني بقدرما تستهدف حرمان الصين منه، والتحكم بإمدادات الطاقة نحوها، وحتى نحو المراكز الإمبريالية والرأسمالية الأخرى، أي الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا.
ولكن حتى هذا العامل لن يكون ذا تأثير حاسم حاليًا؛ فالصين حرصت على تنويع مصادرها النفطية، إضافةً إلى احتياطاتها الاستراتيجية التي تم تخزينها (حوالي 1.2 مليار برميل نفط)، لذا لا تبدو حاليًا في مأزق طاقي، في حال لم تستمر الحرب طويلًا. لكن ارتفاع سعر النفط ومشتقاته من شأنه أن يبطّئ النمو في الاقتصادات العالمية، ويُفاقم التضخم، حتى في الصين وأمريكا. طبعًا، جزء من الاقتصاد الأمريكي سيستفيد من هذه الحرب، فإلى جانب المجمع الصناعي-العسكري والذي ستصب كلفة الحرب المقدرة بـ 2.1 مليار دولار يوميًا في خزائنه، حققت شركات النفط الأمريكية مكاسب استثنائية تجاوزت 60 مليار دولار بسبب زيادة الأسعار في شهر آذار بنسبة 47%.
الشرق الأوسط الكبير الجديد:
لا يمكن إغفال دور الصهيونية، سواء كلوبي صهيوني يمثل مصالح رأس المال المالي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية أو كإسرائيل في إشعال إوار هذه الحرب، فإعادة تشكيل الشرق الأوسط، الذي أعلن عنه الإرهابي بنيامين نتنياهو خطوة إضافية في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد، الذي تحدث عنه سابقًا الإرهابي شمعون بيريز ثم كونداليزا رايس، وهو مشروع تكون إسرائيل فيه المركز الإمبريالي الجديد في المنطقة، مُسخَّرةً العمالة العربية والأموال الخليجية، وهذا ما يقتضي القضاء على جميع بؤر المقاومة في المنطقة، والدول المناهضة للمشروع الصهيوني، خاصة إذا توافرت على عناصر قوة مثل مشروع نووي سلمي، أو برنامج صاروخي، وصناعات دفاعية مستقلة عن النفوذ الإمبريالي الغربي.
ليس من الواضح بعد كيف تنتهي هذه الحرب؛ فالمفاوضات تُستأنف وتتوقف، لكن استمرارها سيُخلّف تبعات اقتصادية وخيمة على اقتصادات العالم (مع اختلاف درجات التأثر)، إذ سيعزز الاتجاه نحو الركود التضخمي. ولكن ما هو أكيد أنها لن تكون الأخيرة، في إطار احتدام التناقضات بين الإمبريالية؛ فبؤر التوتر والصراع في العالم منتشرة وتزداد، والمرعب أن التهديد باستخدام الأسلحة النووية من أجل حسم الحروب، والذي كان همساً، بدأ يُسمع صداه في أذن البشرية وبتواتر، سواء من روسيا ضد أوكرانيا، أو من الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران.
هذا الرعب المستمر لن ينتهي إلا بالقضاء على الرأسمالية وإقامة مجتمع اشتراكي لا حروب فيه. “الاشتراكية أو الفناء” عبارة قيلت كثيراً، لكن محتواها لا يزال راهناً، وتزداد واقعيته يوماً بعد يوم.



