الجزيرة السورية: بين وعد الثروات وواقع المعاناة

الجزيرة السورية: بين وعد الثروات وواقع المعاناة

غاندي شيخو

على ضفاف دجلة و الفرات ، حيث تلتقي الخصوبة بالثروة ، تعيش الجزيرة السورية تناقضاً صارخاً بين إمكاناتها الهائلة وواقع معيشي يزداد قسوة يوماً بعد يوم. فهي المنطقة التي كانت ولا تزال سلة غذاء سوريا، وفي باطنها كنوز نفطية تغني دولة بأكملها، لكن أبناءها يعيشون على وقع انقطاعات متتالية للكهرباء، وشح في المحروقات، وأزمة خبز متفاقمة، ومياه باتت سلعة نادرة .

لا يخلو مشهد يومي في مدن الجزيرة من طوابير ممتدة أمام محطات الوقود، وأخرى لا تقل طولاً أمام الأفران، بينما أصوات مولدات الكهرباء تملأ الشوارع لتكون البديل الوحيد عن خدمة كانت أساسية. لكن هذه المولدات تحولت إلى مصدر رزق لأصحابها الذين يتحكمون بأسعار التيار الكهربائي كما يشاؤون، في غياب أي رقابة أو تسعيرة عادلة، مستغلين حاجة الناس الملحة للضوء والطاقة .

وجاء قرار تحديد مهلة لتبديل العملة القديمة ليزيد الطين بلة، إذ تحول الأمر إلى أزمة إضافية في محافظة تعاني أصلاً من شح السيولة النقدية. فبين ليلة وضحاها، وجد المواطنون أنفسهم أمام عملة لا تتوفر في المصارف، وتاجر لا يقبل إلا الجديد منها، وسوق موازٍ يتحكم به السماسرة، فيما تبقى الرواتب والأجور معلقة بين قديم لم يعد مقبولاً وجديد غير متوفر .

ما نشهده اليوم في الجزيرة السورية ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو نتاج سياسات ليبرالية متعمدة من قبل السلطة الظلامية ، تهدف إلى تفريغ القطاع العام من محتواه، وبيع ممتلكات الدولة لجهات خاصة تحت غطاء “التطوير” و”تحسين الخدمات”. فعندما تُباع معامل المياه، وتُخصخص المخابز و قطاع النفط و الصحة و غيرها ، وتُترك محطات التوليد لأصحاب المولدات، فإن النتيجة حتمية: تحول الخدمات الأساسية إلى قطاعات احتكارية تهدف الى تحقيق الربح على حساب حقوق و مصالح الشعب .

القطاع العام الذي كان يمثل شبكة أمان للمواطن السوري، والذي كان يضمن وصول الخبز والكهرباء والماء بأسعار مدعومة، أصبح اليوم مجرد أطلال تُباع بالمزاد العلني، أو تُترك لتتآكل بفعل الإهمال الممنهج، لإفساح المجال أمام المستثمرين الخواص للسيطرة على مفاصل الحياة اليومية .

في ظل هذا الواقع، يعيش أبناء الجزيرة السورية على وقع الاستغلال المزدوج: من جهة، سياسات السلطة الظلامية ، ومن جهة أخرى، جشع التجار وأصحاب المولدات الذين يستغلون الحاجة الماسة لتحقيق أرباح خيالية.

وتبقى الأسئلة المعلقة: متى تنتهي هذه المعاناة؟ وهل سيعود دور الدولة في تأمين الخدمات الأساسية، أم أننا مقبلون على مزيد من الخصخصة التي تضع المواطن تحت رحمة السوق وتجار الاحتكار؟

إن محافظة الجزيرة، بثرواتها النفطية والزراعية، تستحق أكثر من هذا الواقع المرير. فالمواطن في الجزيرة السورية ، يدفع ثمن سياسات لا تراعي مصلحته، في وقت تنهب فيه ثروات منطقته من قبل الشركات الأجنبية و آخرها التعاقد مع الشركة الأمريكية HkN بحجة تطوير قطاع النفط ويُترك هو يعاني انقطاع الكهرباء والماء والخبز، بينما يزداد تجار الأزمات غنى على حساب جوع الناس وظلامهم.

إن عودة الاعتبار للقطاع العام، وضبط الأسواق، وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين، ليست رفاهية، بل حق أساسي وواجب لا يمكن التنازل عنه. وإلا، فستبقى الجزيرة السورية نموذجاً للمعاناة التي تنتج عندما تتحول الدولة من حامية للمواطن إلى تاجر في حاجاته الأساسية.

12 اغسطس 2026

مزيد من المقالات