العمل النقابي لوين رايح ؟؟!
غاندي شيخو
لم تكن محافظة الحسكة الأولى في مشهد التعيينات النقابية الذي يجتاح المشهد العمالي السوري. فما جرى في الحسكة مؤخراً، من حلّ للمكتب التنفيذي لاتحاد عمال المحافظة ومكاتب النقابات وتعيين آخرين مكانهم مباشرة، هو حلقة ضمن مسلسل طويل بدأ منذ استيلاء السلطة الظلامية، وشمل كافة المحافظات السورية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال، وامتد ليشمل باقي النقابات المهنية في مختلف القطاعات.
هذا الإجراء المنهجي، الذي يتجاوز أبسط حقوق العمال في اختيار ممثليهم، ويصادر أصوات آلاف المنتسبين بجرة قلم واحدة، لم يعد استثناءً أو حالة فردية، بل تحوّل إلى سياسة معممة تتكرر في كل محافظة تلو الأخرى. ففي الوقت الذي كانت الانتخابات النقابية تشوبها علامات استفهام كثيرة، ونظرنا إليها باعتبارها شكلاً ناقصاً من التمثيل، ها نحن اليوم نترحم على تلك الانتخابات بعد أن تم إلغاؤها تماماً واستبدالها بالتعيين المباشر.
إن هذا التحول الجذري في سياسة إدارة النقابات يطرح تساؤلات مصيرية: كيف يمكن لنقابات تُفرض قياداتها على العمال أن تدافع عن حقوقهم؟ ولماذا يتم تجاوز الديمقراطية النقابية في وقت تزداد فيه حاجة العمال إلى صوت قوي يدافع عن مطالبهم؟ والأهم: إلى أين يتجه العمل النقابي في سوريا بعد أن أصبحت قياداته تُختار في غرف مغلقة بعيداً عن صناديق الاقتراع؟
تُعتبر النقابات العمالية صوت العمال ودرعهم في مواجهة التعسف، وأداة للتفاوض الجماعي من أجل تحسين الأجور، وظروف العمل، والضمان الاجتماعي. ينص قانون التنظيم النقابي السوري رقم 84 لعام 1968 على مبادئ أساسية للعمل النقابي، أبرزها الانتخاب الديمقراطي السري والحر لعضوية اللجان والنقابات، واستقلالية النقابات عن السلطة التنفيذية، وشفافية العمليات الانتخابية.
وتلتزم سوريا، بموجب اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صدّقت عليها، بحرية تكوين النقابات واستقلاليتها. وقد شهدت الفترة الأخيرة، وفق تصريحات رسمية، حراكاً لإعادة بناء العمل النقابي على أسس مهنية جديدة، مع التركيز على قضايا الأجور والصحة وحقوق العمال، واستعادة الحضور العربي والدولي للاتحاد.
غير أن ما حدث في الحسكة وقبلها في باقي المحافظات يمثل نقلة نوعية إلى الوراء. فبدلاً من انتخابات تُعبّر عن إرادة العمال، جرى اعتماد التعيين المباشر، متجاوزاً بذلك المبادئ التي يقوم عليها العمل النقابي. إن هذه الممارسات تُشكّل خرقاً للقانون، وتُفقد النقابات استقلاليتها، وتُحولها إلى أداة بيد السلطة، مما يُضعف ثقة العمال بها ويُشل حركتها.
إن هذا الإجراء يُعيد إلى الأذهان ممارسات الماضي التي طالما انتُقدت. فالنقابات التي لا تنتخب من قبل العمال تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية، وتصبح غير قادرة على تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم بشكل حقيقي.
الدور الأساسي للنقابات هو الدفاع عن حقوق العمال والمطالبة بتحسين أوضاعهم، وقد شهدت البلاد مؤخراً أمثلة على هذا الدور الفاعل، مثل حل إضراب شركة “زنوبيا” عبر الحوار، والذي أسفر عن رفع الأجور وتحسينات في بيئة العمل. كما طالب المجلس العام للاتحاد برفع الأجور، وتثبيت العقود، وحماية العمال من الفصل التعسفي.
ولكن، كيف يمكن لنقابة تُفرض قياداتها على العمال أن تقوم بهذا الدور بفعالية؟ وكيف يمكن لها أن تطالب بحقوق العمال وهي تُمارس ضدهم أشد أشكال التهميش بإلغاء حقهم في الاختيار؟ إن إجهاض الديمقراطية النقابية في البلاد يُرسل رسالة خطيرة بأن مصالح العمال ليست الأولوية، وأن ترتيبات السلطة القائمة تعلو على المبادئ الحقوقية والقانونية.
إن التساؤل المشروع الذي يطرحه العمال اليوم: “لوين رايح العمل النقابي بالبلد؟” هو تساؤل يعكس حالة من الإحباط والقلق. فبعد سنوات من المعاناة، كان العمال يأملون في نقابات قوية ومستقلة تدافع عنهم، لا نقابات تُدار بالقرارات الإدارية.
إن حماية مستقبل العمل النقابي تتطلب العودة إلى جذوره الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تُعبّر عن إرادة العمال، واحترام استقلالية النقابات، وضمان أن تكون أداة للدفاع عن حقوق العمال وليس لإدارتها من فوق. فالعمال الذين يُسلب حقهم في اختيار ممثليهم هم عمال مقهورون، ونقاباتهم ستظل مجرد واجهة بلا مضمون. فهذه الإجراءات ازدرائية واحتقارية لهذه المؤسسة العريقة، وبذلك يُصار إلى الإطاحة بوحدة الحركة النقابية.
13 سبتمبر 2026



