زيادة أسعار حوامل الطاقة.. زيادة في إفقار المواطن وزيادة في أرباح الشركات الاجنبية
علي العامودي
تستمر السلطة الظلامية الكومبرادورية في سياستها الاقتصادية التي تنهك الإنتاج الوطني وتزيد من إملاق الكادحين. حيث قامت مؤخرا برفع أسعار المحروقات في سوريا بنسبة تقارب 26% للبنزين و40% للمازوت ونحو 9% للغاز المنزلي والصناعي. ويتحمل عبء هذه الزيادة غالبية السوريين من الفقراء والكادحين الذين يعانون أصلاً من واقع معيشي مترد وتراجع مستمر في قدرتهم الشرائية. فالقرار يشكل صدمة تكلفة واسعة تنتقل من الطاقة إلى النقل والزراعة والصناعة والغذاء، وصولاً إلى المستهلك النهائي.
تبرر وزارة الطاقة القرار بارتفاع أسعار المشتقات النفطية عالمياً وتكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى العمرة الشاملة لمصفاة بانياس. إلا أن البيانات المنشورة لا تقدم معادلة التسعير كاملة. فلا تتوافر تفاصيل كافية حول سعر الاستيراد الفعلي عند وصول الشحنات، وتكاليف الشحن والتأمين والتخزين والنقل والتوزيع، وهوامش التسويق، وسعر الصرف المعتمد. وهذه بيانات ضرورية عند تحميل المستهلك زيادة تصل إلى 40% في مادة أساسية كالمازوت.
وبسعر صرف يبلغ اليوم 134 ليرة سورية جديدة للدولار، أصبح سعر ليتر المازوت البالغ 175 ليرة يعادل نحو 1.31 دولار، فيما يعادل بنزين 95 بسعر 195 ليرة نحو 1.46 دولار. وهكذا وصلت أسعار الوقود السورية إلى مستويات قريبة من عدد من دول الجوار، إن لم تتجاوزها، رغم الفارق الكبير في الأجور والقدرة الشرائية.
فالحد الأدنى للأجر السوري، البالغ 12,560 ليرة جديدة شهرياً، لا يشتري سوى 64 ليتراً من بنزين 95 أو 72 ليتراً من المازوت عند تخصيصه بالكامل للوقود. في المقابل، يشتري الحد الأدنى للأجر أكثر من 220 ليتراً تقريباً من بنزين 95 في الأردن، وأكثر من 220 ليتراً في لبنان، وتتجاوز الكمية 300 ليتر في تركيا وفق الأسعار والأجور المستخدمة في المقارنة. وهذه مقارنة عند الحد الأدنى للأجور، بينما تصبح فجوة القدرة الشرائية أكثر وضوحاً عند دراسة مستويات الدخل والأجور الفعلية.
وتتركز الصدمة الأكبر في المازوت، الذي يدخل في نقل الغذاء والمنتجات الزراعية وتشغيل الآليات والمولدات والعديد من الأنشطة الصناعية والتجارية. فإذا شكل الوقود، على سبيل المثال، 25% من تكلفة تشغيل شاحنة، فإن ارتفاع سعره 40% يرفع تكلفة التشغيل المباشرة بنحو 10%، قبل احتساب أي ارتفاعات أخرى. ومن هنا تبدأ جولة جديدة من تضخم التكاليف عبر النقل وأسواق الجملة والإنتاج وأسعار المستهلك.
وتتعرض الزراعة والصناعة السوريتان لضربة إضافية في قدرتهما التنافسية. فالمزارع يواجه ارتفاع تكاليف الري والحراثة والحصاد ونقل المحاصيل، فيما تتحمل المنشأة الصناعية ارتفاعاً مباشراً في الطاقة والغاز الصناعي والنقل، وارتفاعاً غير مباشر في أسعار المواد الأولية والتخزين والتوزيع.
وتأتي هذه الزيادات في وقت يواجه فيه المنتج السوري منافسة قوية من السلع المستوردة، وفي مقدمتها المنتجات التركية المنتشرة في السوق. رفع تكاليف الطاقة على المنتج المحلي من دون سياسة موازية لضبط شروط المنافسة وتحسين التمويل والبنية التحتية يوسع فجوة التكلفة مع المنتج المستورد. وقد يجد المنتج السوري نفسه أمام رفع أسعاره وخسارة جزء من السوق، أو امتصاص الزيادة على حساب هامش الربح والاستثمار واستمرارية نشاطه.
ويصبح إحلال المستورد مكان المنتج المحلي خطراً فعلياً في القطاعات القابلة للاستيراد. وعندها تمتد نتائج القرار إلى الإنتاج وفرص العمل والميزان التجاري والطلب على القطع الأجنبي. وكل تراجع في الإنتاج المحلي يعني مساحة إضافية للسلع المستوردة، وفي مقدمتها التركية، بما يجعل البورجوازية التركية ووكلائها (الكومبرادور) المستفيدين الأساسيين من سياسة ترفع تكاليف المنتج السوري وتضعف قدرته على منافستها داخل سوقه.
ويحذر باحثون اقتصاديون سوريون من ارتفاع أجور المواصلات بنسب قد تتراوح بين 20 و35%، وارتفاع الخبز الحر بنحو 15–25% خلال فترة قصيرة. ويأتي ذلك بعد زيادات متتالية في الأجور أوصلت الحد الأدنى إلى 12,560 ليرة، لتتعرض القوة الشرائية لهذه الزيادات لضغط جديد عبر النقل والغذاء والطاقة والخدمات.
وتصف وزارة الطاقة الزيادة بأنها «مؤقتة»، من دون نشر معادلة واضحة تحدد شروط ومقدار خفض الأسعار عند عودة مصفاة بانياس أو تراجع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن. كما أن رفع أسعار المحروقات لا يعالج الاختلالات الأخرى التي تحدث عنها وزير الطاقة نفسه، ومنها الهدر وضعف التحصيل والفاقد ومشكلات الشبكات.
قرار رفع حوامل الطاقة حمّل المستهلك السوري مباشرة عبء ارتفاع الأسعار العالمية، وزاد في الوقت نفسه تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي.
والنتيجة المتوقعة هي مزيد من الضغط على الأجور، وموجة جديدة من تضخم التكاليف، وتراجع إضافي في تنافسية المنتج السوري أمام المستورد، بما يمنح رأس المال والسلع الأجنبية، وفي مقدمتها التركية، مساحة أوسع داخل السوق السورية على حساب العامل والمزارع والصناعي السوري.
13 سبتمبر 2026



