الهجرة إلى إسبانيا… عندما تكشف الرأسمالية وجهها الحقيقي
لوسيانا عبد النور
“عندما يعبر خمسون ألف إنسان الحدود في يوم واحد، فالمشكلة ليست في البشر الذين هاجروا، بل في النظام الذي دفعهم إلى الهجرة.”
شهدت مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الماضية واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية في تاريخها، بعدما تمكن ما يقارب 49 ألف مهاجر، فيما تشير تقديرات محلية إلى أن العدد اقترب من 60 ألف شخص، معظمهم من المغاربة، من عبور الحدود خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة. لم يكن هذا المشهد مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل زلزالاً سياسياً هزّ إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وكشف مرة أخرى حجم التناقضات التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي.
إن من يحاول تفسير ما جرى بأنه مجرد اندفاع لشباب يبحث عن فرصة عمل أو حياة أفضل، يتجاهل الأسباب الحقيقية التي أوصلت الأمور إلى هذا الحد. فالهجرة ليست سوى نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية كرست التبعية والتخلف، وحولت بلدان الجنوب إلى خزانات للفقر والبطالة، بينما تتركز الثروة في المراكز الرأسمالية الكبرى.
لقد لعب النظام الملكي المغربي دوراً أساسياً في تكريس هذا الواقع من خلال السياسات الاقتصادية التي ربطت اقتصاد البلاد بالمؤسسات المالية الدولية وبالشركات الاحتكارية العالمية، وفتحت الأسواق أمام الرساميل الأجنبية على حساب الصناعة الوطنية والزراعة والإنتاج المحلي. وبذلك تحوّل المغرب إلى اقتصاد تابع، يعتمد على الاستثمارات الخارجية وتحويلات المهاجرين أكثر من اعتماده على تنمية إنتاجية مستقلة، وكانت النتيجة اتساع رقعة البطالة والفقر، حتى أصبحت الهجرة بالنسبة إلى آلاف الشباب الطريق الوحيد للهروب من واقع فقدوا فيه الأمل بالمستقبل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل التوقيت السياسي الذي جاءت فيه هذه الأزمة. فقد اندلعت بعد الموقف الإسباني الأخير الرافض للمشاركة في العدوان على إيران. ونرى أن ما جرى لم يكن مجرد أزمة هجرة عفوية، بل جزءاً من أدوات الضغط التي تستخدمها الإمبريالية الأمريكية لإخضاع حلفائها عندما يخرجون عن الخط المرسوم لهم. فواشنطن، التي اعتادت التصرف بعقلية “الكاوبوي” في إدارة العلاقات الدولية، لا تتسامح مع أي هامش من الاستقلال السياسي، حتى من أقرب حلفائها. وعندما تعجز عن فرض إرادتها بالضغوط السياسية والدبلوماسية، تلجأ إلى وسائل أخرى، اقتصادية أو أمنية أو جيوسياسية، لإيصال رسالة مفادها أن ثمن الخروج عن الإرادة الأمريكية سيكون باهظاً.
وكما هو الحال دائماً، كان المستفيد الأكبر هو رأس المال الاحتكاري العالمي، بينما كان الضحية الأولى آلاف الفقراء الذين زُجّ بهم في مواجهة البحر والأسلاك الشائكة. فالرأسمالية هي التي تنتج الفقر، وهي التي تدفع البشر إلى الهجرة، ثم تعود لتعاملهم بوصفهم تهديداً أمنياً عندما يصلون إلى أبوابها.
وقد كشفت ردود الفعل الأوروبية الوجه الحقيقي للرأسمالية بشكل فاضح. فما إن شعرت الحكومات الأوروبية بأن مصالحها أصبحت مهددة، حتى سقطت كل شعاراتها حول حقوق الإنسان وحرية التنقل. فإيطاليا أعلنت اليوم الجمعة أنها قررت تعليق العمل بترتيبات شنغن الخاصة بحرية التنقل مع إسبانيا لمدة شهر، رداً على التدفق الكبير للمهاجرين إلى جيب سبتة.
لم تعد حرية التنقل حقاً مقدساً، بل ورقة يمكن تعليقها بمرسوم أمني. ولم تكتفِ روما بذلك، بل دخلت في تنسيق أمني مباشر مع فرنسا لمراقبة الحدود، في استمرار لسياسة تنتهجها باريس منذ عام 2015 بفرض تمديد الرقابة على الحدود الداخلية ضمن منطقة شنغن كل ستة أشهر، لا سيما بين إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.
هكذا تتحول منطقة شنغن، التي قُدمت كأعظم إنجاز للوحدة الأوروبية، إلى أول ضحية. الحدود التي أُلغيت أمام البضائع والبنوك والشركات الاحتكارية، يُعاد بناؤها فوراً كثكنات عسكرية في وجه الإنسان. وسقطت الشعارات التي طالما تغنت بها أوروبا لتوضع بين قوسين، بل بين مئة قوس، عندما تعارضت مع مصالح رأس المال.
إن الدولة البرجوازية لا تؤمن بحقوق الإنسان إلا بقدر ما تخدم مصالحها. أما عندما تتعارض هذه الحقوق مع مصالح الاحتكارات، فإنها تُعلَّق فوراً، ويصبح الإنسان رقماً يمكن التضحية به حفاظاً على استقرار النظام الرأسمالي.
إن ما شهدته سبتة ليس أزمة حدود، بل أزمة نظام عالمي قائم على الاحتكار والاستغلال والتبعية. وما دامت الشعوب تُحرم من حقها في التنمية المستقلة والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، فإن موجات الهجرة ستستمر، وستبقى حدود أوروبا شاهدة على التناقضات العميقة للرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية.
1 اغسطس 2026



