أمن غذائي معدوم……… وفلاح محروم
مكتب نضال الشعب حلب
شهد موسم 2026 وفرة في الأمطار، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في إنتاجية القمح والحبوب، وجعل الفلاحين يترقبون موسم الحصاد بأملٍ لسداد ديونهم وتأمين مستوى معيشي لائق. لكن هذا الأمل سرعان ما تحول إلى خيبة أمل كبيرة، نتيجة سياسات حكومية أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت الكثير من الفلاحين، إلى التفكير بجدية في التخلي عن زراعة القمح مستقبلاً، مما يهدد الأمن الغذائي الوطني برمته.
الحكومة تبيع البذار وفق الأسعار العالمية الحرة، لكنها تشتري المحصول بسعر منخفض تحدده مسبقاً. هذا التناقض الهيكلي يضع المزارع في منافسة غير عادلة، حتى قبل احتساب تكاليف الوقود والكهرباء والأسمدة والعمالة، التي ارتفعت جميعها بفعل رفع الدعم وتدهور سعر الصرف .
بمعنى آخر، تقول السياسة الحالية للمزارع بصريح العبارة: “أنتج وفق أسعار السوق العالمية، لكن بع لنا بسعر محلي منخفض. وإذا خسرت، فتلك مشكلتك “.
هذه المقاربة تنقل عبء السياسات الاقتصادية الخاطئة بأكملها إلى كاهل الفلاح، الذي يجد نفسه مضطراً لتحمل كلفة الإنتاج المرتفعة، دون أن يكون له أي دور في تحديد سعر بيع محصوله، في تناقض صارخ مع أبسط مبادئ حتى اقتصاديات السو ق !!!
حقّق الموسم الحالي معادلة نادرة: أمطار جيدة، ونسبة تنفيذ مرتفعة، ومحصول وفير. ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة، بلغت المساحة المزروعة 1.2 مليون هكتار من أصل 1.4 مليون هكتار مخطط، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86 %، توزعت بين 505 آلاف هكتار “مروي” و 763 ألف هكتار “بعلي “.
ويتراوح الإنتاج المتوقع بين 2.3 و 2.5 مليون طن، تتصدره محافظة الحسكة وحدها بإنتاج يصل إلى 1.03 مليون طن، أي ما نسبته 40 % من إجمالي الإنتاج المتوقع. وهذا يعني أن الحسكة تتحمل العبء الأكبر في تأمين الأمن الغذائي السوري، لكن سياسة التسعير لم تعكس هذه الأهمية الاستراتيجية على الإطلاق . هذه الأرقام تعني أن سوريا قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل لأول مرة منذ سنوات، في ظل حاجة سنوية تقدر ب 2.55 مليون طن، إضافة إلى مخزون متراكم يقترب من مليون طن. فلا حاجة للاستيراد، ولا استنزاف للعملة الأجنبية، ولا ضغط إضافي على الخزينة. المزارع أدى دوره كاملاً، لكن النتيجة كانت خسارة مباشرة .
المفارقة المؤلمة أن نجاح المزارع في زيادة الإنتاج أدى إلى اتساع حجم خسارته؛ بسبب انخفاض السعر الرسمي. وكأن الحكومة الظلامية تعاقب الفلاحين بدلاً من مكافأتهم .
تستند الحكومة في تبريرها للسعر المحلي إلى أن القمح الروسي والأوكراني يتداول عالمياً بين 210 و 230 دولاراً للطن، وأن العقود الآجلة في شيكاغو تدور حول المستويات نفسها .
لكن هذه المقارنة تتجاهل عوامل أساسية:
1. القمح السوري من نوع القمح القاسي عالي البروتين، وهو منتج مرتفع القيمة، يُستخدم في صناعة المعكرونة والمخبوزات الفاخرة، ويستحق سعرًا أعلى بنسبة تتراوح بين 30 و40% من القمح اللين منخفض الجودة المنتشر في الأسواق العالمية.
2. المزارع الروسي أو الأوكراني يستفيد من مكننة ضخمة، ووقود مدعوم، وأسمدة منخفضة التكلفة، وتأمين حكومي ضد الكوارث والخسائر. أما المزارع السوري فيتحمل وحده تكاليف الكهرباء والديزل والأسمدة والنقل، من دون أي شبكة حماية حقيقية، في ظل انهيار قيمة العملة وارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج.
3. الحكومة تعتمد الأسعار العالمية عندما تبيع مستلزمات الإنتاج، لكنها تتخلى عنها عندما تشتري المحصول. وهذا يعني تحميل المزارع كامل كلفة السوق الحرة، مع منعه من الاستفادة من أسعارها عند البيع، في تناقض هيكلي يُصنَّف، بأقل تقدير، سياسةً غير عادلةً.
فرضت وزارة الاقتصاد نظام حجز أدوار مسبقة على منصة الكترونية، حيث حددت فترة الحجز بين 25 يونيو/حزيران و20 أغسطس/آب 2026، رغم أن موسم الحصاد الفعلي بدأ في 1 يونيو/حزيران وانتهى في 15 من الشهر نفسه. وهذا يعني:
– تكاليف تخزين إضافية: يضطر الفلاح إلى حصاد المحصول وتخزينه في أكياس، ثم تفريغها مجددًا في السيارات عند حلول دوره، مما يضيف حوالي 40 دولارًا للطن تكاليف إضافيةً يتحملها من جيبه وحده.
– ازدحام مراكز الاستلام: لا تتسع مراكز الحبوب لأكثر من 5-6 سيارات يوميًا، بينما كان في السابق يتم تفريغ أكثر من 30 سيارة يوميًا، مما يطيل انتظار الأدوار لأكثر من شهر، في تراجع واضح للكفاءة التشغيلية.
والنتيجة الطبيعية لهذه البيروقراطية هي ازدهار دور التجار والسماسرة، الذين يستغلون حاجة الفلاح إلى تسويق محصوله، فيشترونه بأسعار لا تتجاوز 250 دولارًا للطن، محققين أرباحًا طائلةً على حساب الفلاح والمواطن على حد سواء، في مشهد يعيد إنتاج فساد منظم تحت غطاء إجراءات إدارية.
فقدان الثقة بالمؤسسات الحكومية، نتيجة الإجراءات المتعاقبة التي تثقل كاهل الفلاح دون أي مبرر اقتصادي أو وطني، هو النتيجة الطبيعية؛ حيث يشير الواقع إلى تفاقم معاناة الفلاحين نتيجة الإجراءات الحكومية المتبعة.
إذ تم اعتماد نظام «شام كاش» للتحويلات المصرفية، والكثير من الفلاحين ليسوا على دراية بالخدمات المصرفية الإلكترونية، إضافةً إلى ضعف شبكات الهاتف الخليوي في مناطق واسعة، مثل الجزيرة، مما يحول دون وصول رسائل التأكيد النصية للحجز، في تجاهل تام للواقع التقني على الأرض.
ورافق ذلك غياب التواصل الفعال مع الفلاحين حول كيفية استخدام المنصة، مما زاد من شعورهم بالتهميش والإقصاء، وحوَّل أداةً كانت مفترضةً لتسهيل الإجراءات إلى عقبة إضافية.
الحسكة ليست مجرد محافظة زراعية، بل تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، إذ تنتج نحو 40% من إجمالي المحصول المتوقع. لكن مزارعي الحسكة يواجهون تكاليف مضاعفة بسبب أزمة المياه، واعتمادهم الكبير على الآبار والديزل. والخسارة هنا ليست نظرية، بل ملموسة ومباشرة، وتتجسد في أرقام الخسارة التي يعيشها الفلاح يوميًا.
والأمر نفسه ينطبق على حماة والرقة ودير الزور، حيث تمثل الزراعة المصدر الرئيس للدخل. والسياسة الحالية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذه المناطق.
تمتلك سوريا بنيةً تخزينيةً واسعةً تشمل 37 صومعة، و98 صويمعة، و14 مستودعًا، و27 مركز عراء، إضافةً إلى منشآت استراتيجية في الحسكة وتل حميس وقلعة المضيق، بطاقة تخزينية كبيرة تسمح باستيعاب الإنتاج الوفير. لكن هذه البنية التحتية، التي كان يمكن أن تكون ركيزةً للاكتفاء الذاتي، تتحول إلى شاهد على الهدر والإهمال، حين يضطر الفلاحون إلى ترك حقولهم أو بيع محصولهم للسماسرة بأسعار بخسة، بينما تبقى الصوامع شبه خاوية.
إن عزوف الفلاحين عن زراعة القمح في الموسم القادم، كما يخطط له الكثير منهم حاليًا، يمثل تهديدًا وجوديًا للأمن الغذائي السوري. فتراجع الإنتاج المحلي يفتح الباب على مصراعيه لتجار الاستيراد وتجار الأزمات، الذين سيسيطرون على السوق ويحددون الأسعار وفق مصالحهم الخاصة، مما سينعكس سلبًا على المواطن واستقراره المعيشي، ويعيد البلاد إلى دائرة التبعية الغذائية التي كلفتها ثمنًا باهظًا في سنوات الحرب.
إن السياسة السعرية الحالية تعكس غياب رؤية طويلة الأمد. الفلاح ليس عامل إنتاج رخيصًا يمكن استنزافه، بل هو ضمانة السيادة الغذائية الوطنية، وحماية الفلاح ودعمه ليستا مجرد منة أو إحسان، بل استثمار في مستقبل البلاد وأمنها القومي، واستمرار هذه السياسات يعني القضاء على القطاع الزراعي الحيوي، ودفع البلاد نحو مزيد من التبعية الغذائية، وتكريس هجرة الفلاحين من أراضيهم. ولتجنب ذلك، يجب:
– مراجعة تسعيرة القمح بما يتناسب مع كلفة الإنتاج الفعلية وسعر الصرف، وبما يعكس جودة المنتج السوري العالية، وبما يضمن عدالة المعاملة للمزارع.
– إعادة هيكلة نظام الاستلام لتقليل الفاقد والتكاليف على الفلاح، وضمان سرعة التسويق، وتفعيل الطاقة الاستيعابية للصوامع عبر إعادة تأهيلها بالسرعة القصوى.
– تبسيط الإجراءات الإلكترونية، وتوفير الدعم التقني للفلاحين في المناطق النائية، مع إيجاد بدائل لمناطق ضعف الشبكة.
– محاربة ظاهرة السماسرة عبر شراء كامل المحصول من الفلاح لصالح الدولة.
– تقديم دعم حقيقي لمستلزمات الإنتاج الزراعية.
الأمن الغذائي ليس مجرد شعار، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ودعم الفلاح هو الضمانة الحقيقية لتحقيقه. وإلا فإننا سنكون أمام مشهد مأساوي: صوامع فارغة، وحقول مهجورة، وأسواق تحتكرها عصابات الفساد، وشعب يدفع الثمن غالياً.
4 يوليو 2026



