حلب نحو كارثة بيئية وصحية متفاقمة

حلب نحو كارثة بيئية وصحية متفاقمة

مكتب نضال الشعب – حلب

تشهد مدينة حلب تدهوراً خطيراً في واقعها الخدمي والبيئي، حيث باتت أكوام القمامة تملأ معظم أحيائها، ولا سيما الأحياء الشرقية، بالتزامن مع انتشار القوارض والحشرات وتراكم أنقاض الأبنية المهدمة جراء سنوات الحرب والزلازل. ويشكل هذا الواقع المتردي تهديداً مباشراً لصحة السكان وسلامة البيئة، الأمر الذي دفع الأهالي إلى المطالبة بإيجاد حلول جذرية وسريعة لمعالجة الأزمة قبل تحولها إلى كارثة شاملة.

ومنذ سقوط الدولة السورية، أعلنت السلطة الظلامية الحاكمة عن السعي لخصخصة العديد من القطاعات الخدمية الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى الخدمات الأساسية، بما فيها الخدمات الصحية والبيئية وغيرها. وقد أدى هذا التوجه إلى تراجع دور المؤسسات العامة في تقديم الخدمات للمواطنين، في ظل غياب أي تحرك جدي من قبل مجلس مدينة حلب لمعالجة المشكلات المتفاقمة.

وتعود أسباب الأزمة البيئية الحالية إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها:

تراجع الدور الاجتماعي والخدمي للدولة نتيجة تبني سياسات اقتصادية وخدمية ليبرالية قلّصت الإنفاق على الخدمات العامة.

النقص الكبير في آليات جمع وترحيل النفايات، وخاصة سيارات الضغط والنقل.

تهالك الحاويات الموجودة وتضرر أعداد كبيرة منها، إضافة إلى عدم كفاية أعدادها مقارنة بحجم النفايات المتراكمة.

النقص الحاد في عدد عمال النظافة وعدم تعيين كوادر جديدة قادرة على تلبية احتياجات المدينة.

حجم الدمار الكبير في العديد من المناطق وما خلّفه من أنقاض ومكبات عشوائية للنفايات.

ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتضاعف المخاطر الصحية الناتجة عن تكدس القمامة في الشوارع والأحياء السكنية. فالنفايات المتراكمة تصبح بيئة مثالية لتكاثر الذباب والبعوض والحشرات الناقلة للأمراض، كما تؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة وتلوث الهواء. ويخشى السكان من تزايد حالات الإصابة بالأمراض الجلدية والأمراض المعدية، ومنها داء الليشمانيا المعروف محلياً باسم “حبة حلب”، والذي ينتقل عبر الحشرات في خالبيئات غير الصحية.

كما يلجأ بعض الأهالي إلى حرق النفايات للتخلص منها، وهو ما يفاقم المشكلة بدلاً من حلها، حيث يؤدي إلى انبعاث غازات سامة ومواد ملوثة تؤثر على الجهاز التنفسي وتزيد من معدلات الإصابة بالحساسية والأمراض الرئوية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

أما انتشار الجرذان والقوارض فقد أصبح من أخطر مظاهر التدهور البيئي في المدينة. فقد سجلت العديد من الأحياء ازدياداً ملحوظاً في أعداد الجرذان التي باتت تتجول بين المنازل والأسواق ومكبات النفايات. ولا يقتصر خطر هذه القوارض على إتلاف الممتلكات والمواد الغذائية، بل يمتد إلى نقل العديد من الأمراض الخطيرة التي تهدد صحة الإنسان.

فالجرذان تعدّ من أبرز حناقلات الأمراض المعدية، إذ يمكن أن تنقل أمراضاً خطيرة مثل الطاعون، وداء اللولبية النحيفة، والتيفوس، والتسممات الغذائية المختلفة من خلال تلوث الأغذية والمياه ببولها أو فضلاتها. كما أن وجودها بكثافة يشكل مؤشراً على تدهور الوضع الصحي والبيئي ويزيد من احتمالات تفشي الأوبئة، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة.

ويثير هذا الواقع المتفاقم مخاوف واسعة بين سكان حلب في ظل الغياب شبه الكامل للرقابة الصحية وبرامج مكافحة القوارض والحشرات، وعدم قيام الجهات المعنية بحملات دورية للتعقيم والمكافحة. ويخشى الأهالي من أن يؤدي استمرار هذا الإهمال إلى انتشار أمراض وبائية يصعب احتواؤها مستقبلاً، خصوصاً في الأحياء المكتظة بالسكان.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطة طوارئ شاملة تشمل زيادة عدد آليات جمع النفايات، وتأهيل الحاويات، وتعيين عمال جدد، وإطلاق حملات واسعة لإزالة الأنقاض ومكافحة القوارض والحشرات، إضافة إلى إعادة الاعتبار للدور الخدمي والاجتماعي للمؤسسات العامة بما يضمن توفير بيئة صحية وآمنة للمواطنين.

فاستمرار الوضع الحالي دون تدخل جاد وسريع ينذر بتحول حلب إلى بؤرة للتلوث والأمراض، ويهدد حياة مئات الآلاف من سكانها، ما يجعل من معالجة الملف البيئي والخدمي أولوية ملحة و في مقدمتها مكافحة القوارض بشكل لا يحتمل المزيد من التأجيل.

5 يونيو 2026

مزيد من المقالات