الجولان السوري المحتل ينتفض بمواجهة الأطماع الصهيونية
د. فداء الريان
يواصل أبناء الجولان السوري المحتلّ تمسّكهم بموقفهم الرافض للاحتلال ومشاريعه رغم التغييرات الكبيرة منذ سقوط النظام السابق، والتي تمكّنت خلالها إسرائيل من بسط نفوذها على مناطق جديدة في سوريا، حيث باتت تنتشر في حوالي 13 نقطة عسكرية بمحاذاة خط وقف إطلاق النار السابق من جبل الشيخ وصولا لحوض اليرموك، ساعية لفرض سيطرة كاملة على ما تسميه المنطقة العازلة، الممتدة بعمق يتراوح بين 3 و10 كيلومترات على طول 80 كيلومتر وتشمل أكثر من 30 قرية في ريف دمشق الجنوبي والقنيطرة ودرعا.
وفي الوقت الذي تتم فيه كل هذه العربدة الإسرائيلية تحت بصر وسمع سلطة الاستبداد الظلامي العميل الحاكمة في دمشق، نجد أن أبناء الجولان السوري المحتل ينتفضون بشجاعة في مواجهة المشاريع الصهيونية الاستيطانية، حيث تحرّك أهالي قرى الجولان المحتل ضدّ مشروع التوربينات الهوائية الذي تدفع به حكومة الاحتلال، وقاموا بإحراق عددا من الآليات، كما أجبروا شركة “إنرجيكس” الإسرائيلية والقوات المرافقة لها على الانسحاب من المنطقة.
وتخللت هذه الاشتباكات حملة اعتقالات طالت عدداً من المشاركين في التظاهرات.
على الرغم من أن موقف أهالي الجولان السوري المحتل من المشروع يرتبط بحياتهم وسبل معيشتهم المباشرة، لكن في الوقت ذاته يمكن النظر إليه من زاوية أوسع، باعتباره امتداداً لرفضهم التاريخي الرضوخ لخطط الاحتلال، بما فيها محاولته ترسيخ سيطرته على الأراضي المحتلة بذرائع مختلفة، من بينها إقامة مشاريع الطاقة المتجدّدة.
ان شركة “انرجكس” المشرفة على المشروع هي شركة يُشار إلى ارتباطها بعلاقات سياسية واقتصادية مع وزير المالية الإسرائيلي “سموتريتش”، كما يحتل فيها مسؤولون سياسيون إسرائيليون مناصب رفيعة!
والمشروع يتضمن انشاء 21 توربين هوائي على مساحة 6000 دنم من الأراضي الزراعية لإنتاج 104 ميغاوات سنويا! وجدير بالذكر أن كهرباء بحجم 104 ميغاواط (التي ستولّد من المشروع سنويًا)، تعتبر حجمًا ضئيلًا وغير مجدٍ (أقل من 0.1% من استخدام الكهرباء المنزلية في إسرائيل)، الأمر الذي يطرح علامات استفهام تتعلق بالعلاقة الحقيقية لهذا المشروع مع طموحات دولة إسرائيل حول إعادة تنظيم الهيمنة على الأراضي في هضبة الجولان وإخضاع سكانها الأصليين.
وما يؤكد ذلك أيضا أن العقود المعروضة على الفلاحين تتضمن قيامهم بتسجيل أراضيهم لدى دولة إسرائيل ومنح الشركة “حقوق التعدين والاستغلال الكاملة للأراضي المستأجرة”، والتعهد بالسماح للشركة بنقل الحقوق والالتزامات العقدية المتعلقة بالأرض إلى أي شركة أخرى أو شخص آخر، بما يشمل ضمنيًا وبدون الإشارة إلى ذلك دولة إسرائيل!
كما ان الشركة ذاتها لا تخفي الطموحات الحقيقية لهذا المشروع حيث جاء في أحد بياناتها ردا على موجة الاحتجاجات ضدها التالي: ” لسوء الحظ ثمة اعتبارات أجنبية وإيديولوجيات معارضة لهذا المشروع، وهذه أعمال عنف تسعى لمنعنا من إقامة مشروع قومي على ما يراه المعارضون أراضي سورية محتلة”!
إن التطورات الأخيرة والمواجهات بين أبناء الجولان السوري وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، أعادت الى الأذهان المواجهات التي شهدها الجولان المحتلّ خلال الأعوام الماضية، ولا سيما في عامَي 2020 و2023، ومن بين أبرزها “يوم الغضب” الذي سجّل مواجهات مع قوات الاحتلال وإضراباً عاماً انتهى باعتقال عدد من المواطنين السوريين، قبل أن تضطرّ سلطات العدو إلى تأجيل استكمال المشروع تحت ضغط الرفض الشعبي المستمرّ له.
وما كان لافتاً للنظر لكنه في ذات الوقت غير مستغرب! هو أنه ورغم كل هذا الموقف البطولي لأهلنا في الجولان السوري المحتل، ورغم تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة، العام الماضي من المضيّ في تنفيذه وتأكيده أنه “يشكّل خطراً صحياً وبيئياً كبيراً، وقد يؤدّي إلى تهجير قسري للسكان نتيجة تضرّر الزراعة وارتفاع معدّلات التلوّث والضجيج”، لم يَصدر عن السلطة الاستبدادية الظلامية في دمشق أيّ موقف رسمي حياله، بل إن بعض التسريبات تربط هذا الصمت بالوساطة التي يقودها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “توماس برّاك”، بين دمشق وتل أبيب لتوقيع اتفاقية أمنية تتضمّن إقامة مشاريع اقتصادية في المنطقة العازلة والأراضي المحتلة، تشمل أيضا مشاريع أخرى سياحية مثل التلفريك ومنتجعات التزلج على الجليد، كما أشارت التسريبات إلى أن بعض رجال الأعمال المرتبطين بالمشروع كانوا ضمن وفود اقتصادية أميركية زارت دمشق وناقشت الملف مع الحكومة السورية الجديدة التي أبدت موافقة مبدئية على المشروع.
يوماً بعد يوم يتأكد ما قاله الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري الرفيق عمار بكداش: “من الواضح أنه لا توجد أية نية لدى السلطة الجديدة بالتصدي للمشاريع الاستعمارية، فقد جرى استبدال سلطة مطلقة ذات توجه وطني برغم كل التشوهات، بسلطة مطلقة ذات طابع ظلامي لا وطني برغم كل المحاولات التجميلية”.
كل الإكبار والتقدير لأهلنا في الجولان السوري المحتل، حملة الإرث الوطني ليوسف العظمة ولقائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش ولغيرهم الكثير من رجالات الاستقلال.
كل الإكبار والتقدير لمن هم النبض الحقيقي والضمير الصادق لهضبة الجولان السوري المحتل.
16 مايو 2026



