ربطة العنق لا تسترُ عورة الاستبداد الظلامي
“هيئة تحرير نضال الشعب”
——————————————-
بعد المجازر المريعة التي ارتكبتها السلطة الظلامية الاستبدادية وقطعان من الهمج تابعة لها والتي راح ضحيتها المئات (بل ربما آلاف) من المواطنين العزل في الساحل السوري والتي رافقتها عمليات النهب وإحراق البيوت والممتلكات وانتهاكات أخرى، سارع الظلاميون القابضون على السلطة في دمشق إلى اتخاذ عدة إجراءات، آملين أنها ستكون ستاراً على جرائمهم وستساعدهم على تجاوز الوضع الحرج الذي وقعوا فيه نتيجة الاستنكار العالمي لأفعالهم الاجرامية، فقد اسودت صورتهم أكثرمما هي سوداء لدى أوساط واسعة من الرأي العام في دول العالم التي استنكرت بصوت عالٍ جرائم الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها السلطة الظلامية في سوريا، وهذا على الرغم من المحاولات الفاشلة التي قامت بها ابواق الأنظمة الرجعية في المنطقة من أجل تلميع صورة هذه السلطة الظلامية، و بشتى السبل.
نعم، لقد بيّنت الأشهر القليلة الماضية التي مرت على استلام الظلاميين السلطة في الجزء الأكبر من البلاد، بأنهم لا يهتمون كثيراً برأي الناس في الداخل، إذ يتعاملون معه بالحديد و النار الممزوجين بسيل من النفاق الغيبي. إذ لم يتحمل هؤلاء حتى وقفة احتجاجية في ساحة المرجة بدمشق، والتي كان الجزء الكبيرمن المشاركين فيها من النساء، ففرقوها بإطلاق النار في الهواء، مبينين استعدادهم لعدم الاكتفاء بذلك.
و لكن يختلف الوضع عندما يتعلّق الأمر بالخارج، فنظراً لهشاشة وضعها الداخلي، تأمل السلطة الظلامية كسب شرعيتها من خلال الاعتراف الدولي ومن أجل ذلك قام أقطاب هذه السلطة الهمجية بارتداء البدلات الرسمية وربطات العنق، بل حتى قام بعضهم بتخفيف كثافة لحيته. فبالنسبة لهم كل التضحيات تهون في سبيل إرضاء الغرب الاستعماري. ومن الواضح أن هذا التغييرالمقتصر على الشكل فقط دون المساس بالمضمون الهمجي، أتى بتوجيه من أسيادهم في تركيا، الذين اعتادوا على تقديم الخطاب الرجعي الظلامي مغلفاً بالزي الأوروبي الحضاري، أي التستر على الهمجية بالبدلة وربطة العنق. كما أن الرعاة القطريين للحكم الظلامي قاموا بتمويل نشاطه الخارجي، حتى أنهم لم يترددوا في تقديم تعويض مالي مليوني لمجرم الحرب البريطاني توني بلير، لكي يتنازل ويقوم بحوار مع وزير خارجية هذا الحكم الظلامي في دافوس.
لكن كل هذه المكياجات “الحضارية” زالت لدى أول منعطف، وبانت التكشيرة المتوحشة للنظام من خلال مجازر الساحل. لذلك سارعت السلطة الظلامية الاستبدادية إلى وضع طلاءٍ جديدٍ، أملاً بأن يجمل ذلك وجهها القبيح. ففي العاشر من آذار الجاري تم التوقيع – من قبل رأس السلطة القائمة مؤقتاً في دمشق والزعيم الفعلي للقوى المسيطرة في شمال شرق البلاد – على وثيقة جرى تسميتها بالاتفاق، ولكنها ببنودها الثمانية أقرب إلى إعلان للنوايا منها إلى اتفاق منجز. وتلت التوقيع على هذه الورقة حملات التطبيل والتزمير لها، محاولةً إظهار كونها من أهم الخطوات باتجاه لحمة الأراضي السورية ومن أجل تثبيت حقوق المواطنين كافة.
في الشكل تم التوقيع على هذه الورقة من قبل هذين الشخصين المذكورين آنفاً، ولكن في المضمون فإن ما تم فعلاً هو عبارة عن توافق بين أسياد هذين الشخصين، وبشكل أوضح هناك تراجع ما للأتراك أمام مطالب الأميركيين نتج عن مجمل تطورات الأحداث في المرحلة الراهنة. فالإخونجي أردوغان سلوكه أشبه ما يكون بسلوك الضبع الذي يغدربكل من تسمح له الظروف بذلك، ولكنه يبدو مطيعاً هازّاً ذيله أمام ملك الأدغال الإمبريالية.
لم تدم فرحة جمهور”قسد” و “مسد” طويلاً، إذ جاءهم “الإعلان الدستوري” يوم ١٣ آذار دلواً من الماء البارد ليطفئ فرحتهم، فتحولت حفلات الابتهاج لدى هؤلاء إلى مظاهر الاستنكار، وهو أمر طبيعي إذا نظرنا إلى التركيبة الاجتماعية لهذه القوى (أي قسد و مسد)، هذا بغض النظرعن ولاءاتها الحاليّة المريبة، إذا لم نقل المعيبة.
ومن الواضح أن ما يسمى بـ”الإعلان الدستوري”، والذي وقعه مباشرةً رأس السلطة الظلامية، هو عبارة عن خطوة أخرى تهدف إلى استدامة الحكم الإستبدادي، وبشكل سافر تماماً.
لن ندخل بشكل موسع في تفاصيل هذه الوثيقة، والتي يزعم أنه جرى إعدادها من قبل لجنة تولّد رؤية وجوه أعضائها على الشاشات انطباعاً بأن معرفتهم بالمفاهيم الدستورية لا يضاهيها إلا إلمامهم بالأدب النيبالي. فحتى من ناحية الشكل هناك هفوات لا يسمح لنفسه أي حقوقي محترم أن يقع فيها؛ فقد ورد على لسان الشخص الذي قدم “الإعلان الدستوري” أن تسمية البلاد حسب دستور عام ١٩٥٠ كانت “الجمهورية العربية السورية” و هذا ما ينافي الوقائع التاريخية إذ كان اسمها آنذاك وحسب ذلك الدستور “الجمهورية السورية”( وهنا لا نناقش نحن التسمية بالذات، بل نبين الواقع التاريخي). كما ورد في مقدمة “الإعلان الدستوري” حرفياً ما يلي: “إعلان انتصار الثورة الصادر بتاريخ ٢٥ كانون الأول ٢٠٢٥”، بينما نعيش حالياً في آذار ٢٠٢٥، فهل لدى أعضاء اللجنة قوة استقراء المستقبل ؟ إذا كان الأمر كذلك فيستحقون كل التقديرعلى مواهبهم الفذة ، لكن الأمر أبسط من ذلك بكثير، إذ هو دليل على الإهمال واللامبالاة من أجل تمرير الأهم.
كما جاء في ما يسمى بـ “الإعلان الدستوري” حرفياً: ” يكون العلم السوري على الشكل التالي: يمتد العلم السوري على الشكل التالي مستطيل طوله يساوي ثلثي عرضه” !؟ فعلاً تستحق اللجنة جائزة نوبل في الرياضيات على اكتشافها هذا في الهندسة اللاإقليدية. وربما من أجل تسويغ هذه النصوص ستأتي فتاوى بأن العرض أكبر من الطول وبتغيير التقويم وبتعديل وقائع التاريخ السوري. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وبقراءة هذه النصوص الفاقعة يتكون انطباع بأنّ التعمق في الأمور الفقهية يؤدي إلى الجهل في العلوم تطبيقية كانت أو انسانية، ولولا ذلك لما أصبح هؤلاء ظلاميين.
أما البنود الأخرى فكلها تأتي في سياق تثبيت الحكم الاستبدادي. حتى محاولة الالتفاف في تشكيل الهيئة التشريعية بدى مبتذلاً؛ فثلث مجلس الشعب يعينه رأس السلطة بشكل مباشر، و المتبقي سيعينه هو أيضاً بشكل غير مباشر من خلال تعيينه لهيئات فرعية ناخبة، إنها مهزلة بكامل معنى الكلمة.
أما النص الأكثر خطورة الوارد في ما يسمى بـ “الإعلان الدستوري” فجاء في المادة ٥٢ التي تنص حرفياً: “تحدد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ نفاذ هذا الإعلان الدستوري و تنتهي بعد إقرار دستور دائم للبلاد وتنظيم انتخابات وفقاً له”.
إن ما جاء في هذه المادة يدل بوضوح على أن هناك توجه من قبل القوى الظلامية إلى تمديد حكمها الإستبدادي لأطول مدة. و حسب هذا التوجه سيعيش الشعب فترة طويلة من الظلم والانحدار في جميع المجالات تحت حكم الهمج، مع قمعٍ لكل صوت يحتج على ذلك. فليس من الصدف أنه لم ترد كلمة الديموقراطية في ما يسمى بـ “الإعلان الدستوري”، كما في كل الوثائق الصادرة عن السلطة الاستبدادية الحالية؛ فبنظر هؤلاء الظلاميين الديموقراطية عبارة عن كفر.
إن مجريات الأحداث الأخيرة تدل على صحة ما طرحه ويطرحه حزبنا الشيوعي السوري منذ استيلاء القوى الظلامية الإرهابية على السلطة، بضرورة وحدة صف كل القوى الوطنية الخيرة في بلادنا من أجل مواجهة الاستبداد الظلامي وإسقاطه، ومن أجل السير بوطننا نحو أفق الحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية.
لا هوادة في مواجهة الاستعمار وحكم عملاء الاستعمار! فبدون ذلك لا يمكن تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية الكاملة واستعادة وحدة التراب الوطني.
نضال الشيوعيين السوريين مستمر ودائم من أجل مصالح جماهير الشعب الوطنية والسياسية و الاجتماعية.
نعم، هذه هي سياستنا: النضال الثابت من أجل وطن حر وشعب سعيد!
هيئة تحرير نضال الشعب
١٧ آذار ٢٠٢٥



