قانون الإصلاح الزراعي السوري رقم 161: الأرض لمن يعمل بها

قانون الإصلاح الزراعي السوري رقم 161: الأرض لمن يعمل بها

غاندي شيخو

عانى الفلاح السوري منذ العهد العثماني من سيطرة الإقطاع والآغوات على الأرض، حيث كانت الملكيات الكبيرة تحتكر أخصب الأراضي بينما يُترك الفلاح معدماً يعمل كشريك أو مستأجر بشروط إذلالية. و في عهد الانتداب الفرنسي (1920-1946)، استمر هذا النظام بل تعزز عبر تحالفات الاستعمار مع كبار الملاكين الذين استخدموا الجيش والدرك لقمع الفلاحين وطردهم من أراضيهم. تشير الوثائق إلى أن حملات عسكرية كانت تُشن على القرى لإرهاب الفلاحين وإجبارهم على الخضوع لنهب الإقطاعيين .

في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين، تصاعدت نضالات الفلاحين بقيادة الحزب الشيوعي السوري. عُقد مؤتمر الفلاحين الأول في الجزيرة في أيار 1952 بمبادرة من الحزب الشيوعي السوري، داعياً إلى توزيع أراضي الإقطاعيين والدولة على الفلاحين وإلغاء السخرة . كما صدرت صحيفة “الأرض للفلاح” في جبال الساحل بإشراف منظمات الحزب الشيوعي السوري. وامتدت المعارك الفلاحية إلى كرسان وبسنادا في اللاذقية، وصدد والمشرفة في حمص، وعين عيسى في الرقة، وكري بري و علي فرو في الجزيرة و قدم الحزب الشيوعي السوري في هذه المعارك شهداء نذكر منهم عمر هيواني و أوسي رخييص و عبدالمجيد كامر و غيرهم . قدم الرفيق الخالد خالد بكداش اقتراحاً عام 1955 أسفر عن قانون يمنع طرد الفلاح من الأرض عام 1957 .

صدر قانون تنظيم العلاقات الزراعية رقم 134 في 4 أيلول 1958، أي قبل ثلاثة أسابيع من صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 في 27 أيلول 1958. شكل القانونان معاً حزمة تشريعية متكاملة: بينما عمل قانون 161 على إعادة توزيع ملكية الأرض، عمل قانون 134 على تنظيم العلاقة بين المالك والفلاح.

جوهر قانون 4 أيلول 1958 أنه جعل من المستحيل طرد المزارعين المستأجرين من الأراضي التي يعملون فيها . لأول مرة، أصبحت عقود المزارعة مكتوبة وتُجدد تلقائياً حتى في حال بيع الأرض . كما رفع حصة الفلاح من المحصول بشكل ملحوظ: 25% من القطن المروي، 33% من الخضر المروية، 40% من الخضر البعلية . في محافظة الرقة، ارتفعت حصة الفلاح من 20-30% إلى نحو 43% .

كان أثر قانون 4 أيلول عملياً بالغ الأهمية: فقد بقي الفلاحون على الأرض لعقود رغم بقاء الملكية الرسمية لبعض الملاكين، مما اضطر كثيرين إلى بيع أراضيهم للفلاحين لاحقاً.

صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 في 27 أيلول 1958 خلال فترة الوحدة مع مصر. حدد سقف الملكية بـ 80 هكتاراً من الأراضي المروية والمشجّرة، و300 هكتار من الأراضي البعلية . المساحات الزائدة تُستولى عليها مقابل تعويض يُدفع على 40 عاماً، وتوزع على الفلاحين بحد أقصى 8 هكتارات مروية أو 30 هكتاراً بعلياً .

بحلول عام 1969، بلغت المساحات المستولى عليها 1,513,564 هكتاراً، واستفاد منها 52,504 أسرة فلاحية، بينما بلغ عدد المشمولين بالإصلاح 4,612 مالكاً . المادة 20 من القانون نصت على أن الأرض “تُسلَّم لمن آلت إليه من المنتفعين خالية من الديون ومن حقوق المستأجرين وتُسجل باسم صاحبها دون رسوم أو ضرائب. طالب ممثلو الملاكين في المناقشات البرلمانية بأن توزع الأراضي على الفلاحين مجاناً مع تحميل الدولة دفع قيمتها للملاكين. كان هذا المطلب مناورة سياسية: فبدلاً من أن يدفع الفلاح ثمن الأرض التي يستولي عليها، يُطالب الملاك بأن تدفع لهم الدولة التعويض كاملاً، مما يعني عملياً تعطيل الإصلاح الزراعي بتحميل الخزينة أعباءً هائلة، وإبقاء الفلاح مديناً للدولة بدل المالك. كما سعى هؤلاء الممثلون إلى زيادة المساحات المسموح بامتلاكها وإعادة الأراضي غير المستولى عليها دون شواغل .

بعد صدور المرسوم التشريعي رقم 88 في 23 حزيران 1963 الذي خفّض سقف الملكية إلى 15-55 هكتاراً في الأراضي المروية، أشاد الحزب الشيوعي السوري بهذه التعديلات التي “زعزعت أسس الملكية الإقطاعية ووجهت إليها ضربة قوية” . لكن الحزب اعتبر في الوقت نفسه أن هذه التعديلات غير كافية، وأن “الإصلاح الزراعي لن يؤدي إلى حل القضية الزراعية حلاً جذرياً”، لأن نحو 9,000 إقطاعي ما زالوا يحتفظون بالنصف الأخصب من الأراضي البعلية وثلث الأراضي المروية، بينما يبقى 300 ألف عائلة فلاحية محرومة أو شبه محرومة من الأرض .

لا يكفي الدفاع عن نتائج قانون 161 بالشعارات. المطلوب هو تصعيد الصراع الطبقي في الريف، والتمسك بمبدأ “الأرض لمن يعمل بها” الذي رفعه الفلاحون في نضالاتهم منذ الخمسينيات . هذا يعني:

أولاً: رفض كل محاولات “المصالحات” مع بقايا الإقطاع التي تهدف إلى إعادة الأراضي إلى “أصحابها الأصليين” تحت ذرائع قانونية أو دينية. هذه المحاولات تخدم مصالح طبقة الملاكين، لا الفلاحين.

ثانياً: الدفاع عن قانون 4 أيلول 1958 (رقم 134) الذي يمنع طرد الفلاحين، ومقاومة أي تعديل يستهدف المكتسبات التاريخية للفلاحين، كما حدث في قانون 56 لعام 2004 الذي منح المالك حق استرداد الأرض بعد ثلاث سنوات.

ثالثاً: تأكيد أن قانون 161 كان مجرد خطوة أولى، وأن العدو الحقيقي هو العلاقات الإقطاعية التي لم تُصفَّ بالكامل. و ان السلطة الظلامية القائمة تحمل معها رواسب بقايا الاقطاع. جاء في برنامج الحزب الشيوعي السوري للمؤتمر الثالث عام 1969 المطالبة بـمصادرة أراضي الإقطاعيين دون تعويض وتوزيعها مجاناً على الفلاحين الفقراء .

رابعاً: فضح توظيف الوتر القومي لضرب مصالح الفلاحين، الأرض ليست ملكاً لقومية أو عائلة، بل لمن يعمل بها.

قانون 161 لعام 1958 ليس مجرد نص قانوني، بل ذاكرة نضالية وحق تاريخي انتزعه الفلاحون بدمائهم. الدفاع عنه يستلزم تصعيد الصراع الطبقي ضد بقايا الإقطاع وضد كل من يحاول العبث بمصير ملايين الفلاحين تحت شعارات دينية أو قومية. الأرض لمن يعمل بها. هذا هو الشعار الذي يجب أن يبقى مرفوعاً.

7 اوكتوبر 2026

مزيد من المقالات