عندما تُنهب ثروات الوطن… والعامل يأكل البطاطا

عندما تُنهب ثروات الوطن… والعامل يأكل البطاطا

راسم علي

في المناطق الشمالية الشرقية السورية، حيث تمتد حقول النفط في رميلان والجزيرة، يقف العامل السوري تحت شمس حارقة، و برد قارس بعد اثنتي عشرة ساعة و أكثر من العمل المتواصل في المحطات الإنتاجية والحفارات و تمديد الخطوط. لا يجد في نهاية يومه سوى حبة بطاطا وثمرة بندورة، وعلبة مرتديلا أو سردين من أسوء الأنواع. هذا هو “الغداء” و “العشاء” الذي يليق بمن يُخرجون ثروات الوطن من باطن الأرض.

في المقابل، تدخل شركة HKN الأمريكية إلى رميلان بسيارات فخمة، يحمل ممثلوها حقائب مليئة بالمصطلحات الإنكليزية، ويوقّعون عقوداً تمنحهم نسبة كبيرة من الإنتاج. لكنهم لا يفقهون شيئاً في عمليات الحفر والاستخراج. العمل كله على أكتاف الكوادر الوطنية، من مهندسين وفنيين وعمال، و هم في متاهة من القلق والضياع، ينتجون الثروة ويُحرمون منها، ويرون نتاج عملهم يُنهب أمام أعينهم.

السؤال المشروع: لماذا تُمنح شركة أجنبية نسبة كبيرة من إنتاج وطني، بينما العامل السوري — صاحب الخبرة واليد العاملة — يُترك بلا حماية اجتماعية، ولا غذاء كريم، ولا مسكن لائق و لا خدمات.

هذا ليس مجرد ظلم فردي، بل خلل في بنية القرار الاقتصادي. حين تُدار الثروات بعقود غامضة وولاءات شخصية بدلاً من الكفاءة والعدالة، فإن الخسارة لا تقع على العامل وحده، بل على الوطن بأكمله.

المشهد في رميلان يختصر المأساة كاملة: على جانب، ممثلو شركة HKN يُعامَلون بأفضل معاملة ممكنة. مساكن مكيّفة ومجهزة، وطعام متنوع وكريم، وخدمات راقية، وسيارات فخمة تنقلهم، وكل وسائل الراحة مؤمّنة لهم. وعلى الجانب الآخر، العامل السوري — صاحب الخبرة واليد التي تُخرج النفط — يعيش في مساكن عمالية متواضعة، ويأكل بطاطا وبندورة وعلبة سردين، بعد اثنتي عشرة ساعة من العمل الشاق.

الفارق ليس في الجهد المبذول، بل في من يحمل الجنسية الأجنبية ومن يحمل الجنسية السورية. من يعمل فعلاً يُحرم، ومن يحمل المصطلحات الإنكليزية يُكرَم. هذا ليس عدلاً، بل استهانة بكرامة الإنسان السوري على أرضه.

اننا نطالب باستثمار النفط وطنياً و إن أقل ما يُطلب هو الشفافية الكاملة في العقود الموقّعة مع الشركات الأجنبية، فالناس لها الحق في أن تعرف كيف تُباع ثرواتها ولمن، وعلى أي أساس تُمنح هذه النسب الكبيرة لشركة لا تقدم سوى الأسماء الجوفاء والمصطلحات الإنكليزية. كما يجب أن تُصان كرامة العامل السوري الذي يُخرج النفط من باطن الأرض، فلا يعقل أن يُنتج ملايين البراميل ثم يُقدَّم له طعام لا يليق بعامل يعمل في مجال النفط، بينما يُقدَّم لممثلي الشركة أفخر الأطباق وأرقى الخدمات.

والمساواة في المعاملة ليست ترفاً، بل حق أساسي، فلا يجوز أن يُعامَل ممثلو HKN معاملة الملوك بينما يُعامَل العامل السوري معاملة الخدم، فالطعام والمسكن والخدمات يجب أن تكون كريمة للجميع، وأولاهم بذلك من يبذلون العرق والجهد الحقيقي.

وفيما يخص المساكن العمالية، فإنها مخصصة حصراً للعاملين في الدولة القائمين على رأس عملهم، وليست مكافأة دائمة لمن انتهت خدمته أو التحق بشركة خاصة. لذا يجب إخراج كل من بلغ السن القانوني للتقاعد، وكل من وقّع عقداً مع شركة HKN، و كل من ليس عاملا في مجال النفط، من هذه المساكن فوراً، لأن بقاءهم فيها يحرم العمال الفعليين من حقهم، ويشوّه طبيعة هذه المؤسسة الخدمية.

أما الأولوية في قيادة الحقول والاستفادة منها، فيجب أن تكون للكوادر الوطنية التي تعرف الحقول وتعمل فيها، لا لمن يأتي بسيارة فخمة ومصطلحات إنكليزية فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع.

لا تقتصر مأساة ثروات النفط على العمال وحدهم. فأهالي القرى والبلدات المحيطة بحقول النفط في رميلان والجزيرة يعيشون يومياً مع روائح خانقة تنبعث من الآبار ومخلفات الإنتاج. غازات محترقة تُطلق في الهواء، ومياه ملوثة تُصب في الأرض، ونفايات نفطية تُترك في العراء. والنتيجة؟ أمراض تنفسية وجلدية وسرطانية تفتك بالنساء والأطفال والشيوخ، الذين لم يستفيدوا من برميل نفط واحد، لكنهم يدفعون الثمن بصحتهم وأرواحهم.

هذه ليست “أضرار جانبية”، بل جريمة بيئية وصحية ترتكب بحق التجمعات السكانية المجاورة لآبار النفط، غير مبالين بالأمراض و الأوبئة الناتجة عنها، بينما تُحصّل الشركات أرباحها وتغادر.

إن ثروات سوريا ليست ملكاً لشركة هنا أو هناك، ولا لمسؤول هنا أو هناك. إنها ملك لكل سوري، وأولهم من يخرجها من الأرض بعرق جبينه، و من يسكن بجوارها ويستنشق سمومها. وحين يُحرم العامل من لقمة خبزه الكريم، وحين يمرض الطفل لأن نفط وطنه يُستخرج على بعد أمتار من غرفته، فإن الوطن كله يدفع الثمن.

فلنرفع الصوت عالياً: عمال النفط ليسوا عبيداً، وأهالي المنطقة ليسوا ضحايا يُضحّى بهم، وثرواتنا ليست غنيمة تُنهب من قبل الشركات الأمريكية.

4 اوكتوبر 2026

مزيد من المقالات