ملاحظات أولية حول الحرب الإمبريالية الصهيونية على إيران
د. فداء الريان
أولا: في أسباب الحرب
أخطأ بعض المحللين السياسيين عندما وصفوا هذه الحرب العدوانية بأنها فقط حرب إسرائيلية صافية! بل هي حرب نتنياهو تحديداً! وأن لا ناقة ولا جمل للولايات المتحدة الأمريكية بها! وأن كل ما حصل ناجم عن توريط نتنياهو لترامب فيها!
لكن في الحقيقة أن هذه الحرب العدوانية هي حرب الامبريالية الامريكية بقدر ماهي حرب إسرائيل الصهيونية، وتأتي كدليل آخر على التلاحم العضوي بين الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية والتي هي حركة عنصرية فاشية ناجمة عن اندماج رأس المال المالي اليهودي بالرأسمال المالي العالمي.
نعم قد يكون ترامب مختلاً ومتهوراً لكنه ليس حالة شاذة، بل اختلاله وتهوره هذا هو عرض للإمبريالية الأمريكية التي تمر بأزمة عميقة.
لقد كان حزبنا الشيوعي السوري واضحاً في بيانه الذي أصدره منذ اليوم الأول للحرب بتاريخ 28 شباط 2026، في قوله إن الذرائع التي تسوقها واشنطن وتل ابيب لتبرير عدوانها، كالتهديد النووي الإيراني أو زعزعة أمن المنطقة، ما هي إلا أكاذيب مكشوفة تهدف الى تضليل الرأي العام العالمي، وأن الأسباب الحقيقية لهذه الحرب العدوانية تكمن في:
1\ الصراع بين الإمبريالية الأمريكية ومنافسيها الاقتصاديين خاصة الصين، حيث إيران تمثل الحلقة المركزية من إمدادات الطاقة لها، فنصف حاجة الصين تقريبا من النفط والغاز هي من إيران ودول الخليج، وبالتالي وضع اليد عليها يحرم الصين منها، كما أن ارتفاع أسعارها عالميا بسبب الحرب يضعف من القدرة التنافسية للبضائع الصينية.
2\ السيطرة على ثروات المنطقة لاسيما في ظل تفاقم الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي، فإيران تمتلك ثالث احتياطي للنفط في العالم بعد فنزويلا والسعودية، وثاني احتياطي للغاز بعد روسيا.
3\ العمل على استكمال مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد “صهيون الكبرى” وخلق مركز إمبريالي رابع في المنطقة بقيادة إسرائيل الصهيونية.
4\ العدوانية الإمبريالية الصهيونية اتجاه قوى حركة التحرر الوطني الساعية لفك التبعية عن المراكز الإمبريالية .
5\ صرف الأنظار عن الازمات الداخلية في الولايات المتحدة الناجمة عن الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي.
ثانياً: اعتقدوا أنها حرب خاطفة بقطع الرأس
لكن الوقائع أثبتت غير ذلك، فإيران بقيت صامدة رغم 24 ألف غارة جوية ورغم اغتيال قادتها وتدمير العديد من القدرات العسكرية والصناعية، إضافة لتدمير ما يزيد عن 110 آلاف منزل و925 مدرسة و30 جامعة و132 موقع أثري، ما خلف أكثر من 2100 شهيد غالبيتهم من المدنيين و3 ملايين نازح.
إيران صمدت بل فاجأت وأوجعت أعدائها بقدراتها العسكرية المتطورة التي أدت لخروج 13 قاعدة أمريكية عن الخدمة وتدمير العديد من منظومات الرادار بقيمة 3 مليار دولار، بل وأسقطت العديد من الطائرات بين مقاتلة ومروحية ومسيرة، كما استهدفت المواقع العسكرية الإسرائيلية ومنشآت النفط والغاز والصناعة في إسرائيل ودول الخليج، ولا معلومات مفصلة عن الخسائر بسبب التعتيم الكامل!
كما فشلت جميع المحاولات لزعزعة استقرار إيران عبر محاولة الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية الاستثمار في المعارضة الإيرانية ممثلة برضا بهلوي الذي كان يبارك العدوان ويشجع عليه بينما تنهمر القنابل فوق رؤوس الجماهير الإيرانية.
إن الصمود الإيراني جعل ترامب ومساعديه يشيرون إلى بهلوي بلقب الأمير الخاسر، وذلك بعد أن أكدت المخابرات المركزية الأمريكية أنه لا يحظى بأي دعم جدي داخل إيران.
كما أنه وبعد العروض التي قدمها الأمريكيون والإسرائيليون لرعاية انتفاضات الأقليات الإثنية في إيران، رأينا على العكس من ذلك رفض كردي شعبي عام للانفصال، ومسيرات في المناطق الأذرية تؤكد أنهم جزء لا يتجزأ من إيران، كما مسيرات مشابهة في الأهواز حيث هتفت الحشود: الموت لبهلوي.
يضاف لما سبق فشل محاولات الإمبريالية الأمريكية واسرائيل في توريط دول الجوار كأذربيجان وتركيا في الحرب، وكذلك فشل التهديد باحتلال “جزيرة خارك” وبالغزو البري حيث تلقى ترامب تحذيرات من البنتاغون حول خطورته وكلفه العالية.
ثالثاً: دخول المقاومة الوطنية اللبنانية الحرب، وما شكله من مفاجأة عسكرية وتكنولوجية
تبين أن المقاومة عام 2026 ليست المقاومة عام 2024، وذلك بعدما أعادت تنظيم نفسها وبناء قدراتها العسكرية، بعد الضربات الموجعة التي تلقتها باستشهاد أمينها العام السيد حسن نصر الله ومعظم قيادات الصف الأول، وهي اليوم تبدي مقاومة باسلة في أرض الميدان، ومحرقة دبابات الميركافا شاهد على ذلك، ففي مارس 2026 تم تدمير ما لا يقل عن 12 دبابة “ميركافا” و3 جرافات عسكرية من نوع D9 في سلسلة كمائن مركزة في مناطق مختلفة.
كما أتقنت المقاومة استخدامها للتكنولوجيا العسكرية المتطورة مثل المسيرات بالألياف البصرية، وهي طائرات بدون طيار هجومية (FPV) ترتبط بمحطة التحكم عبر كابل ألياف ضوئية رفيع جداً، وتعد سلاحاً فتاكاً دقيقاً لاختراق أنظمة الدفاع الجوي المعتمدة على التشويش الالكتروني وبمدى يصل إلى 30 كم.
بنتيجة هذا الصمود نجد أن العدو الصهيوني نفسه اعترف بعدم القدرة على نزع سلاح المقاومة، ما جعله يستعين بالنظام الرسمي اللبناني لهذا الغرض! عبر المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بينهما! حيث يضع الإسرائيلي على الطاولة مطالبه بنزع السلاح وبالتطبيع وإقامة منطقة عازلة خالية من السكان في الجنوب اللبناني دون أي تعهد بالانسحاب!
رابعاً: الدور الوظيفي لنظام سلطة الاستبداد الظلامي العميل الحاكم في دمشق
حيث كانت الأجواء والأراضي السورية مفتوحة للعربدة الإسرائيلية، ومثالها الإنزال الإسرائيلي قرب سرغايا بغية التسلل للأراضي اللبنانية والذي أفشلته المقاومة الوطنية اللبنانية بالتصدي له.
كما قامت هذه السلطة بالحشد العسكري الكثيف على الحدود السورية اللبنانية والتلويح بالدخول الى الأراضي اللبنانية، ووضع المقاومة الوطنية اللبنانية بين فكي كماشة، إسرائيل من الجنوب وسلطة الاستبداد من الشمال! لكن التحذيرات التي وصلتها من إيران بأن أي تحرك عسكري نحو الأراضي اللبنانية سيعد بمثابة إعلان حرب على كل محور المقاومة، جعلتها تحجم عن ذلك مؤقتا.
هذا ما سيطرح مستقبلا أسئلة كثيرة حول قدرة هذه السلطة على القيام بالدور الوظيفي الذي جاء بها الأمريكي لأجله!
خامسا: في بعض نتائج الحرب
1\ إيران صامدة رغم انها تواجه دولتين نوويتين إحداهما دولة عظمى، والمتابع لمسار التفاوض حالياً يدرك موقع القوة الذي يعمل منه المفاوض الإيراني، حيث انهارت الجولة الأولى من المفاوضات بعد 20 ساعة من المحادثات المتواصلة، إذ لا توجد أرضية مشتركة بين الوثيقة الإيرانية بنقاطها ال 15 وتلك التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
2\ قدمت إيران نموذجاً مبهراً للصمود الوطني، أعاد لحركة التحرر الوطني العالمية الروح بعد الضربة الموجعة التي تلقتها في فنزويلا حيث وبساعات تم اعتقال رئيس الجمهورية وزوجته وتنصيب حكومة تابعة!
أهمية هذا النموذج للصمود الوطني أنه يمكن أن يكون معدياً للعديد من دول العالم التي تتعرض للابتزاز والبلطجة الإمبريالية الصهيونية.
3\ كشف وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” أن الحرب على إيران كلفت الولايات المتحدة نحو 26 مليار دولار حتى الآن.
كما انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي من 4,4% الى 0,5% وهو أقل بكثير من النمو المتوقع مبدئيا بنسبة 2,8%، كما أصبحت ولأول مرة احتياطات الذهب أكثر من احتياطات الدولار بسبب هذه الحرب.
وهكذا وجدنا ان أمريكا تنفجر بيوم غضب عارم ضد ترامب وسياسته الفاشية وتنديداً بالحرب، بتظاهرات ضمت أكثر من 7 ملايين شخص في أكثر من ولاية.
كما بدأت القاعدة الانتخابية لترامب والتي تدعى MAGA اختصارا لجملة Make America Great Again، أي لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى! بدأت هذه القاعدة بالتفكك والانفضاض عن ترامب، ما جعل شعبيته تنحدر الى 37% وهذا أمر غير مسبوق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية.
4\ أما إسرائيلياً فها هو زعيم المعارضة “يائير لابيد” يصرّح: “بأن تاريخ إسرائيل لم يشهد كارثة كهذه قط، حيث لم تكن إسرائيل حتى حاضرة عند اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمننا القومي”.
لا تتوفر ارقام دقيقة لحجم الخسائر الإسرائيلية لكنها تقدر تقريبا ب 21 مليار دولار، كما أدت الحرب الى تهاوي فكرة الوطن الآمن وبدء هروب رأس المال، حيث ارتفعت نسبة تحويل الأموال الى الخارج 50%، وارتفعت الودائع الإسرائيلية في المصارف الخارجية بمقدار 7,7 مليار دولار لتصل الى اجمالي 18 مليار دولار، أما القطاع الخاص فسجلت أصوله في الخارج زيادة كبيرة بلغت 20,5 مليار دولار، ما يعكس المال الجبان الذي يبحث عن ملاذات آمنة مثل سنغافورة ونيويورك.
طبعاً هذا بالإضافة لهروب الخبرات العلمية بعشرات الآلاف لاسيما في مجالات التكنولوجيا العالية الدقة.
5\ إن ضرب القواعد العسكرية الأمريكية والبنى التحتية في دول الخليج طرح سؤالاً حول جدوى الحماية الأمريكية، فمن خلال الضربات على جميع حلفاء الولايات المتحدة في وقت واحد يقول الإيرانيون: انظروا الولايات المتحدة لا تستطيع حمايتكم.
كما عمقت هذه الحرب التناقضات البينية بين دول الخليج، والتي كان آخر مظاهرها انسحاب الإمارات المتحدة من منظمة أوبك وأوبك بلس.
وهكذا تتحدد أكثر وأكثر ملامح تكتلين إقليميين تحت المظلة الأمريكية، الأول بقيادة إسرائيل ويضم دولة الامارات العربية المتحدة مع الهند وأثيوبيا، بينما الثاني بقيادة تركيا ويضم السعودية وباكستان ومصر والصومال.
6\ أظهر إغلاق إيران لمضيق هرمز أهمية السلاح الاقتصادي في مواجهة الإمبريالية الأمريكية وحلفائها، حيث يشكل هذا المضيق عصب التجارة العالمية وخطوط نقل الطاقة، وإغلاقه أدى لارتفاع أسعار حوامل الطاقة وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم الركودي، ما جعل الإدارة الأمريكية وترامب تحديداً يخرج عن طوره ويحاصر الحصار بحصار! فزاد الطين بلة على الاقتصاد العالمي!
7\ أظهرت الحرب وعمقت التناقضات بين الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، حيث تمرّ العلاقات عبر الأطلسي بمرحلة من الاهتزاز، بعدما ترددت الدول الأوروبية في المشاركة المباشرة في العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وبعد إغلاق مضيق هرمز الذي فرض واقعاً اقتصادياً وسياسياً جديداً.
وتفجّرت هذه التناقضات علناً عندما ألقى المستشار الألماني “ميرتس” باللوم على السياسات الأميركية في تفاقم الأزمات الاقتصادية في ألمانيا، قائلاً إن الولايات المتحدة تعرضت لـ “إهانة” من قِبل النظام الإيراني، وتفتقر إلى استراتيجية لإنهاء الحرب، متهما إياها بالتسبّب في أضرار اقتصادية كبيرة على مستوى العالم، نظراً إلى الارتفاع المتزايد في أسعار الطاقة.
وقبلها كان تهديد ترامب بالانسحاب من حلف الناتو قد أطلق قلقاً وجودياً في العواصم الأوروبية، ودفَع حكوماتها إلى دراسة سيناريوات للدفاع الجماعي عن القارة، من دون انتظار مظلّة الحماية الأميركية التي استمرّت فاعلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
كما كانت تقارير صحافية قد أشارت إلى أن الولايات المتحدة في صدد اتخاذ إجراءات ضدّ دول الناتو الذين رفضوا دعم قرار ترامب الدخول في الحرب مع إيران، والخيارات تشمل تعليق عضوية إسبانيا في التحالف، وإعادة النظر في تأييد سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند الأرجنتينية.
8\ قد يدفع الفشل الأمريكي في إيران الإدارة الأمريكية للبحث عن مغامرة خارجية أخرى في مسرح يعتقدون أن النصر يمكن أن يكون فيه سهلا، لصرف الأنظار عن الهزيمة وإعادة الهيبة للإمبريالية الأمريكية.
قد يكون هذا المسرح كوبا أو كولومبيا أو غيرهما.
9\ روسيا والصين ليستا بعيدتان عن الحرب، وان كانا خلف الستار!
وهما يدركان الحقيقة التي عبر عنها ثعلب الامبريالية الأمريكية “هنري كيسنجر” عندما قال أوائل عام 2012 تعليقاً على ما يجري في سوريا: “من لم يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع فهو أصم، لم يبق سوى خطوة واحدة وهي ضرب إيران، وهذه ستكون المسمار الأخير في نعش كل من روسيا والصين، بعدها إن سارت الأمور كما هو مرسوم لها فسيصبح أكثر من نصف الشرق الأوسط تحت السيطرة الإسرائيلية”.
ختاماً وكما أكد الرفيق لينين: “الحروب الحديثة ليست ظواهر عرضية، بل هي نتيجة حتمية لتطور الرأسمالية، مضيفا: أن القضاء على الحروب لا يمكن ان يتحقق عبر الدعوات الأخلاقية للسلام، بل عبر القضاء على النظام الاقتصادي الذي يولدها، وأن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال انتصار الثورة الاشتراكية”.



