من أزمة الخبز إلى أزمة الوقود …

من أزمة الخبز إلى أزمة الوقود …

غاندي شيخو

ليس ما نعيشه في مدن الجزيرة السورية اليوم مجرد أزمة عابرة أو نقص طارئ في السلع، بل هو مظهر من مظاهر أزمة بنيوية عميقة تعكس تناقضات النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته. حين تتوقف الأفران عن العمل بحجة “عدم توفر العملة الجديدة”، وحين تستغل سيارات الأجرة حاجة المواطن بحجة “شح المحروقات”، فإننا أمام مشهد يكشف عن تحول الدولة من مؤسسة راعية للمصلحة العامة إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة وإدارة الفقر.

إن ما نشهده اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة لسياسات متعمدة من السلطة القائمة استهدفت تفكيك البنى الاقتصادية التي كانت تشكل العمود الفقري للدولة السورية. لقد كانت المنطقة الشرقية، وخاصة الجزيرة، تشكل قلب الاقتصاد السوري النابض، فهي سلة غذاء سوريا ومنبع نفطها وغازها. وكان وجود القطاع العام، رغم عيوبه وتشوهاته، يضمن تدفق الخبز والمحروقات والكهرباء إلى كل بيت سوري بسعر مدعوم.

أما اليوم، فمشهد السكة الحديدية الممتدة من القامشلي إلى دمشق وقد تحولت إلى “سرير ترابي”، وصوامع الحبوب المهملة والمهدَّمة التي كانت تخزن منتجات خمسة مواسم، إنما يعكس سياسة متعمدة لتدمير قدرات الدولة الإنتاجية وإحلال اقتصاد السوق الفوضوي محلها. إن استبدال القمح الوطني المخزون بقمح مستورد تنقله “ناقلات الشحن الخاصة”، واستبدال خطوط السكك الحديدية بشركات نقل خاصة، ليس مجرد تغيير تقني، بل هو تحول طبقي يعيد توزيع الثروة لمصلحة طبقة تجارية جديدة.

من منظور طبقي، نرى في أزمتي الخبز والمحروقات تجسيداً لتناقض بين المصالح الطبقية. ففي الوقت الذي يعلن فيه المسؤولون عجزهم عن تأمين العملة الجديدة لشراء القمح أو توفير المحروقات، نجد أن ثروات المنطقة من نفط وغاز وقمح إما مسروقة من قبل قوى الاحتلال وإما مستغلة من قبل شبكات الفساد التي تغذت على الحرب. إن الاحتلال الأمريكي والتركي لموارد سوريا الأساسية، واستيلاءهما على النفط والغاز والقمح والقطن، يشكلان نهباً منظماً للثروة الوطنية.

لكن الأكثر خطورة هو تحول الأزمة إلى سلعة يتاجر بها الجميع. فعندما يتحدث المسؤولون عن “إدارة الأزمة” بدلاً من حلها، فإنهم يعيدون إنتاجها بشكل أكثر قابلية للاستمرار. فالمواطن الذي يقف في طوابير الخبز الطويلة، ويدفع أجوراً باهظة لسيارات الأجرة التي تستغل حاجته، لا يواجه مجرد نقص في السلع، بل يواجه منظومة كاملة تجعل من معاناته مصدر ربح للبعض.

إن الاحتجاجات اليومية والاعتصامات التي نشهدها هي تعبير عن وعي طبقي آخذ في التبلور. فعندما يخرج الناس إلى الشوارع مطالبين بالخبز وبخفض أسعار المحروقات والكهرباء والماء، فإنهم لا يطالبون فقط بتحسين أوضاعهم المعيشية، بل يعبرون عن رفضهم لنظام اقتصادي كامل يحوّل حاجياتهم الأساسية إلى سلاح ضدهم. ويجب أن يتطور النضال من مطالب إصلاحية إلى مطالب ثورية تطالب بإسقاط النظام برمته.

إن تحويل الأزمة إلى جزء من الوعي اليومي، حيث يصبح “تدبير الحال” هو القاعدة، هو أخطر ما في الأمر. حين يعتاد الإنسان على العيش في الحد الأدنى، وحين يصبح انتظار الخبز لساعات وساعات أمراً عادياً، وحين تصبح أجرة سيارة الأجرة رقماً خيالياً، فإن الأزمة لم تعد مجرد واقع خارجي، بل أصبحت جزءاً من السلوك اليومي. وهنا تبلغ إعادة إنتاج الأزمة ذروتها حين يحمل الناس الأزمة في وعيهم وسلوكهم اليومي.

إن أزمة الخبز والمحروقات في الجزيرة السورية ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مؤشر على أزمة نظام اقتصادي بأكمله. فطالما بقيت وسائل الإنتاج (الأرض، النفط، الغاز، القمح) خاضعة للنهب والاحتكار، وطالما ظلت الدولة عاجزة عن تأمين حاجيات الناس الأساسية، فإن الأزمة ستستمر وتتفاقم. الحل ليس في بيانات أو احتجاجات يومية رغم أهميتها، بل في النضال لتغيير موازين القوى الطبقي، وفي استعادة الثروة الوطنية لصالح الشعب.

فقط من خلال وعي طبقي ينمو ويتطور عبر الاحتجاجات والصراعات، يمكن للجماهير أن تنتزع حقها في العيش الكريم، وأن تبني نظاماً اقتصادياً يضع احتياجات الناس فوق أرباح التجار ومصالح المحتلين. أزمة اليوم هي فرصة لإعادة بناء الوعي، ولتجاوز منطق “إدارة الأزمة” نحو منطق تغيير النظام الاستبدادي الظلامي اللاوطني.

4 سبتمبر 2026

مزيد من المقالات