من الاندماج إلى التجويع …

من الاندماج إلى التجويع …

راسم علي

في مشهد سياسي وإداري يموج بالتغييرات، شهدت الجزيرة السورية ما يُسمى بـ”الاندماج” بين المؤسسات المدنية والعسكرية، لكن النتائج على الأرض كانت مخيبة للآمال. فبدلاً من تحسين الخدمات ، تضخمت المناصب وتشعبت البيروقراطية، بينما تراجعت جودة الحياة بشكل غير مسبوق. حيث تعصف بالمحافظات الشرقية أزمات متراكمة: نقص الخبز ، شح المحروقات ، تأخر مستحقات الفلاحين، انقطاع الكهرباء والمياه، ارتفاع أجور المواصلات، تأخر رواتب المتقاعدين لشهور ، وغياب أي أفق قريب للحلول.

كما تعاني منطقة الجزيرة من حالة فوضى إدارية متعمدة، حيث تكثر المكاتب والمرجعيات الإدارية، لكن الخدمات الأساسية تنهار. ففي قطاع الخبز، تتراوح حصة الفرد بين رغيف ونصف إلى رغيفين يومياً، مع انقطاعات متكررة بسبب نقص الطحين او البيع بالعملة الجديدة حصراً غير المتوفرة أصلاً أو انقطاع التيار الكهربائي عن المخابز. أما المحروقات، فهي سلعة نادرة تُباع في السوق السوداء بأسعار خيالية، ما أدى إلى شلل في حركة النقل وارتفاع تكاليف التنقل أربعة أضعاف مقارنة بالعام الماضي.

أما الفلاحون، وهم عماد الاقتصاد المحلي، فيعانون من تأخر صرف مستحقاتهم لموسم القمح، مع أن المنطقة تنتج أكثر من حاجتها، لكن الفساد في عقود الشراء وتلاعب السماسرة يحول دون وصول الأموال إلى مستحقيها. وفي ملف الكهرباء والماء، انقطاع التيار يصل إلى 18 ساعة يومياً، بينما تعتمد أغلب المناطق على الآبار التي تحتاج إلى وقود لتشغيلها، مما يفاقم أزمة الشرب والري معاً.

ما يثير قلق المواطنين أن كثيراً من هذه الأزمات تبدو مقصودة، أو على الأقل أنها تُستخدم كورقة ضغط على السكان. فالتأخير المتعمد في صرف رواتب العاملين و صرف المئات من الخدمة، واحتكار توزيع المحروقات لجهات نافذة، وعدم إصلاح شبكات الكهرباء، كلها ممارسات توحي بأن هناك من يريد إبقاء المنطقة في حالة وهن دائم.

هذه السياسات تذكرنا بتجارب سابقة في مناطق أخرى، حيث يُستخدم الجوع والضغوط المعيشية وشح الخدمات كسلاح لدفع السكان إلى الهجرة أو الخضوع. وقد بدأت آثارها تظهر في ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية والخارجية، خاصة بين الشباب والأطباء والمهندسين و غيرهم، مما يفقد المنطقة كوادرها الحيوية.

وهذا الغضب الشعبي، يتم التعبير عنه بوقفات احتجاجية وتجمعات شعبية متنوعة، ورغم عدم ضخامة هذه الاحتجاجات الشعبية، إلا أنها تعبر عن حالة تذمر ورفض شعبية لهذه السياسات مرشح للتوسع. وقفات احتجاجية أمام مخابز ، و اعتصامات أمام مراكز البريد و مقر التأمينات الاجتماعية أو عرقلة طرق بسيطة بسبب انقطاع الماء، أو بيانات احتجاجية. لكن هذه الأشكال المتنوعة من الاحتجاجات، وكماهو متوقع، لا تلقى أي تجاوب من قبل هذه السلطة المتغرطسة.

إن النضال من أجل تحقيق المهام الوطنية الكبرى في ظل هذه الظروف يقتضي إيجاد تحالف مع جميع الوطنيين الشرفاء في بلادنا، من أجل إسقاط السلطة الظلامية وقيام سلطة وطنية ديمقراطية.

إن مهام النضال في المجال الاقتصادي ودفاعاً عن لقمة الشعب، كما نراها نحن الشيوعيين، والتي خطها الأمين العام الراحل الرفيق الدكتور عمار بكداش، هي كالتالي:

1. نرى في هذا المجال أن المهمة الأساسية تكمن في النضال ضد التوجه الليبرالي الاقتصادي المتوحش الذي تريده السلطة القائمة، والذي يناسب تماماً طبيعتها.

2. الدفاع عن الإنتاج الوطني والعمل على إحيائه، والمطالبة بوضع سياسة حمائية له تصونه من المنافسة الأجنبية التي ستؤدي إلى خرابه النهائي.

3. ويأتي كأولوية في سياق ذلك الدفاع عن القطاع العام (قطاع الدولة)، وهو الأداة الأساسية في ظروف بلادنا التي يجب الاعتماد عليها في تحقيق الإعمار والنهوض بالاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى كونه مجالاً مهماً لإيجاد فرص العمل .

4. منع تغلغل رأس المال الأجنبي في المفاصل الأساسية لاقتصادنا؛ فهذا التغلغل سيجعل بلدنا سوقاً ملحقة بمصالح أجنبية، وعاملاً مضعضعاً للسيادة الوطنية.

5. إعطاء الأولوية لرأس المال المنتج بكافة أشكاله، وضرب مواقع البرجوازية الطفيلية، ولا سيما رأس حربتها “الكومبرادور” أي مُمَرِّي مصالح رأس المال الأجنبي، وإحياء وتطوير القطاع الصناعي الوطني.

6. العمل من أجل استعادة الأمن الزراعي والأمن الغذائي، وهذا يتطلب دعماً مؤثراً لمستلزمات الإنتاج في هذا القطاع الحيوي.

7. الحفاظ على شبكة المصارف الحكومية بصفتها عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.

8. استثمار الثروات الباطنية (وهي غنية جداً) وطنياً، وهذا سيحقق مورداً أساسياً لإنهاض الاقتصاد الوطني.

9. حماية القطاع الحرفي العريق بتقاليده الإنتاجية في بلادنا.

8 سبتمبر 2026

مزيد من المقالات