حول الأجور وتراجع قيمتها: سياسة ممنهجة كارثية الآثار
متابعة شادي حمدان
تزداد يوماً بعد يوم حدة عجز غالبية المواطنين، وخاصة العاملين بأجر، عن متابعة تأمين تكاليف الحد الأدنى لمتطلبات المعيشة التي تتدهور سريعاً جراء السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجاري تنفيذها، والتي جوهرها الاحتكار واقتصاد العنف المسلح والتحكم بآليات عمل الاقتصاد الوطني، لصالح تكوين ثروات خاصة كبرى للمتحكمين بالسلطة ومقدرات البلاد، ولتوزيع وإعادة توزيع الدخل الوطني حسب مصالحهم، بهدف تكريس سلطتهم واستمرارها. وهذا ما يعبر عنه الغموض الكبير للإيرادات وآلية إنفاقها، والمشاريع والعقارات، وغيرها وغيرها.
ورغم زيادة الأجور بنسب مختلفة خلال أوقات سابقة، إلا أنها في المضمون عكست تراجع القيمة الشرائية لها بفعل التضخم وارتفاع أسعار غالبية المواد والسلع والخدمات. وبالتالي، فإن الزيادة الورقية عنت تراجعاً في الواقع.
واليوم، الحد الأدنى للأجور 89 دولاراً لا غير، وتتراوح الأجور بحدود 100 دولار (أي 1.5 مليون ليرة سورية/شهر، أو 50 ألف ليرة/يوم). بالنسبة لأسرة مكونة من 4 أشخاص، نصيب الفرد اليومي 12,500 ليرة لا غير، وهذا لا يثمن ولا يغني من جوع. وربطة الخبز 4,000 ليرة، وأضف ثمن الخضار والمواد الأساسية.
غالبية أبناء الشعب السوري اليوم في حالة إملاق شديد. وإذا كانت المعايير الدولية تحدد 2 دولار يومياً للفرد كحد الفقر، فإن ذلك يعني 8 دولارات للأسرة، أي 112,000 ليرة/يوم، و3,360,000 ليرة/شهر. وأتحدث هنا عن دخل الفرد المعتبر وفق المعايير الدولية فقيراً، بل فقراً مدقعاً. أما حد الكفاية فهو عملياً يتجاوز 3 أضعاف هذا الحد.
وبالتالي، وخلف زيادة الأجور، تم عملياً سرقة لقمة غالبية السكان من خلال التضخم والاحتكار ورفع الأسعار والتلاعب بأسعار الصرف.
أضف إلى ذلك فقد تعددت أساليب وآليات سداد الأجور الشهرية ومتمماتها (إن صُرِفت)، وكذا القرارات الناظمة (إن صح تسميتها) كذلك. وأحدثت خللاً كبيراً في منظومة الأجور، انعكس بشكل حاد على الحياة المعيشية للعاملين بأجر، وأوجدت وعززت تمييزاً ولا مساواة من حيث الأجور بين العاملين بأجر، إضافة إلى سلالم متعددة للأجور دون ناظم أو محددات ومعايير، وبعضها ترك تقديره (لصاحب الأمر في هذه الجهة أو تلك، وبمقدار ما هو مرسوم لها من أدوار). وبالمختصر، فإنه اليوم لا توجد سياسة أجرية واحدة، ولا نواظم لها، وتجد في الجهة نفسها رواتب تختلف عن بعضها عشرة أضعاف لنفس العمل. وهذا التمييز واللا مساواة الأجرية لنفس العمل وفي جهتين عامتين مقصود، وليس عبثاً.
وإذا كان قانون العاملين الأساسي والجداول الملحقة به والمراسيم المعدلة لسقوفها هو الحكم والمحدد لأجور كل من فئات العاملين الخاضعين لأحكامه، فإنه، ورغم الأضرار التي لحقت بالعاملين خلال تطبيقه، إلا أنه وضع محددات قياس واحدة. واليوم، ما زال هذا القانون وجدواله ساريةً ونافذةً، إلا أنه يطبَّق كيفياً، وكما يقال: “على ناس وناس”. وتُوضع أو تُصرف أجور لشرائح من الوافدين الجدد إلى الوظيفة العامة تعادل أضعاف ما يُصرف للقائمين على رأس عملهم منذ سنوات طويلة.
وبالتالي، فإن المساواة بالأجور لنفس الشريحة، ولنفس العمل، ونفس الدرجة المهنية أو العلمية، ونفس الوظيفة، مع التمييز حسب الخبرة والموقع في التعويضات والحوافز، بات أمراً ملحاً. وكما أن التعيين يجب أن يتم وفق المعايير التي حددها القانون، لا خلاف عليها كما يجري حالياً. فالتعيين حسب القرب والأنصار، ودون التقيد بالأحكام الناظمة، والانطلاق من مبدأ (تعبئة وإملاء) جهاز الدولة (من جماعتنا) لإحكام السيطرة على مفاصل العمل العام، ليس فقط ضاراً، بل يؤدي إلى آثار جمة، أقلها تكريس فشل جهاز الدولة، وهو قد يكون المطلوب مع تحويل البلاد إلى “غسالة” لأموال الفساد والمنهوبة وسوداء المصدر، لصالح جهات إقليمية ودولية تدريجياً، لقاء عمولة: بعضها نقدي، وبعضها حماية خارجية لسلطة الأمر الواقع. وفي هذا السياق، فإن تعديل القانون الأساسي للعاملين يهدف إلى جملة من الأهداف، أبرزها (المرونة) وإلغاء مؤسسة التثبيت الوظيفي.
واليوم، فإن السياسات الأجرية يجب أن يُعاد النظر بها من خلال ربط الأجور بالأسعار، وربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لتكاليف المعيشة ونسب الإعالة. خاصةً وأن ارتفاع الأسعار والركود التضخمي المتزايد الوتيرة قد أدى إلى تدهور كبير في قدرة العاملين على تلبية متطلبات الحد الأدنى لتكاليف المعيشة. كما أن زيادات الأجور التي نُفِّذت تآكلت مع التضخم من جهة، ولم تصل بالأجور إلى قيمتها التي كانت عليها منذ عشر سنوات، على سبيل المثال. وبالتالي، فإن زيادات الأجور التي حصلت كانت محاولةً لترقيع الفوارق الضخمة مع الأسعار، دون أن تزيد الأجور بشكل حقيقي، ولا أن تقلص الفوارق عملياً. لقد زادت كمية الأوراق النقدية وتراجعت قوتها الشرائية.
إن أهم المهام اليوم تكمن في العمل من أجل زيادة الأجور من مصادر حقيقية، وربطها بأسعار سلة السلع والخدمات الأساسية، ووضع حد للفساد وتكوين الثروات الخاصة على حساب الوطن والأملاك العامة والقطاعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة, والتي هي بعيدة تماماً عن تلبية مصالح الكادحين بأجور عادلة ومكان عمل كريم، والحفاظ على مكتسباتهم، وإعادة جميع المفصولين بقرارات جاهزة ذات طابع انتقامي إلى عملهم.



