الفلاح بين نار البيروقراطية ورماد المحاصيل
غاندي شيخو
في مشهد يتكرر معظم الموسم، يقف الفلاح السوري حائراً بين سماءٍ لا تمطر إلا غباراً، وأرضٍ تئن تحت وطأة البيروقراطية، وجيوبٍ تفرغها تكاليف الإنتاج من بذار و اسمدة و مازوت و حراثة و حصاد و غيرها و التي تقدر هذا العام بحوالي 500 دولار للهكتار الواحد . إنها معاناةٌ تتجدد مع كل حصاد، تحمل في طياتها مرارة السنين وتعب الأيام.
لم يعد الفلاح بحاجة إلى خبرةٍ في الزراعة بقدر حاجته إلى خبرةٍ في التعامل مع الدوائر الحكومية. فلكي يزرع أرضه، يحتاج إلى موافقاتٍ وتراخيص، وشهاداتٍ وأختام، وإلى جولاتٍ لا تنتهي بين مكاتبٍ تتباعد كأنها نجومٌ في فضاء بيروقراطي معتم . كل ذلك وسط إجراءاتٍ معقدةٍ تستهلك الوقت والجهد، وتصرف الفلاح عن جوهر عمله: زراعة الأرض وإطعام الناس.
في المقابل، حين يحين موسم الحصاد، يكتشف الفلاح أن ثمن القمح الذي تعب فيه شهوراً لا يغطي حتى أجور الحصاد والنقل. سعرٌ تحدده الجهات المعنية، لا يرقى إلى مستوى التضخم ولا يتماشى مع ارتفاع تكاليف الإنتاج. فالأسمدة ارتفعت، والمحروقات غلت، وأجور العمال و الحصادة تضاعفت، حيث حددت السلطة الحالية سعر الكيلو الواحد من القمح ب 5500 ليرة سورية .
وفي بلاءٍ إضافي، تلتهم النيران آلاف الدوانم في مواسم متتالية، في مشاهد تثير الريبة وتطرح علامات استفهام كبيرة حول طبيعة هذه الحرائق وتوقيتها. حرائق تلتهم أمل الفلاحين وتُحيل مواسمهم إلى رماد، في غيابٍ للحماية وتراخٍ في التحقيق، وكأن ثمّة من يراهن على تدمير القطاع الزراعي عمداً .
إن ما يعانيه الفلاح السوري اليوم ليس مجرد صعوباتٍ موسمية، بل هو أزمةٌ بنيوية تهدد الأمن الغذائي للبلاد وتُفقد المزارعين ثقتهم بمستقبل مهنتهم. وإن انخفاض سعر المحصول وتعقيد الإجراءات من قبل السلطة الحالية وحرائق الأرض تؤكد بان هذه السلطة تدفع الفلاح بكل الوسائل الى التخلي عن زراعته و ترك أرضه . و لكن رغم هذه الصعوبات المتصاعدة و الحرب و المعاناة يقف فلاحنا صامداً كصنوبرة ضاربة في جذور الأرض رغم أنف الرياح العاتية ، يغرس البذرة و هو يدرك أن تكلفة الدونم تفوق ثمنه بأضعاف ، لكنه لا يزرع حباً في التربة ، بل يزرع كرامة لأبنائه و يطعم سنابل القمح بدمع الكدح و عرق الجبين ليخرج من رحم المعاناة رغيفاً يسد رمق الجياع ، انه ذلك البطل الصامت الذي تخونه الأسعار لكنه لا يخون ترابه .
25 يونيو 2026



