لبنان لن يكون محمية أمريكية ولا مستوطنة إسرائيلية
هيئة تحرير نضال الشعب
وقع وفدا لبنان والعدو الإسرائيلي منذ بضعة أيام، اتفاق إطارٍ بعد مفاوضات مباشرة استمرت أياماً في واشنطن، قدّمت السلطة اللبنانية فيه تنازلات مجانية للعدو الصهيوني، حيث ذهبت السلطة اللبنانية للمفاوضات المباشرة خلافاً للدستور والقانون ودون أية ورقة قوة بسبب تخليها طوعاً عن قوة المقاومة والشعب، مدعيةً أنَّها تستطيع بدعم أمريكي ضرب المقاومة الوطنية والتفريط بالثوابت الوطنية للشعب اللبناني تحت يافطة فارغة من الحديث عن السيادة والاستقلال.
فالسيادة لا تُستجدى في أروقة وزارة الخارجية الأميركية، كيف يجرؤ البعض على التحدث عن “استعادة السيادة” في ظل هيمنة أميركية صهيونية مطلقة على طاولة التفاوض، وبوجود آلة القتل الجاثمة فوق أرض الجنوب اللبناني!
إن أي سيادة لا تبسطها قوة السلاح المقاوم وإرادة الشعب على كل شبر من حدود الوطن، هي سيادة منقوصة ومزيفة وفارغة المضمون.
إنّ التفاوض تحت النار، وفي ظل الضغط الديبلوماسي الكبير وبشروط الإملاء الأميركي، هو استسلام مقنّع مرفوض جملةً وتفصيلاً، فالإدارة الأمريكية لم تكن يوما داعماً للبنان، بل كانت على الدوام الراعي والداعم الأساسي للعدوانية والوحشية والغطرسة الاسرائيلية، وإن أي اتفاق يتم برعايتها يحمل بالضرورة سقفاً محدداً لا يتجاوز المصالح الإسرائيلية الصهيونية.
كيف يمكن الحديث عن سيادةٍ مكتملةٍ في ظلّ إعلانٍ إسرائيليٍّ صريح عن بقاء الاحتلال، وربط الانسحاب بشروطٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تمسّ جوهر التوازن الداخلي اللبناني!
الحقوق الوطنية لا تُسترد بالديبلوماسية الخاضعة، بل بقوة المقاومة، فالعدو الصهيوني لم يلتزم يومًا بأي اتفاق وتاريخه حافل بالغدر، وما لم يأخذه بالميدان والحرب يجب ألا يناله بالسياسة أو التفاوض.
في قراءة سريعة لاتفاق الإطار نجد أنه يتضمن العديد من النقاط الخطيرة التي تمس باستقلال لبنان وسيادته:
1. جاء هذا الاتفاق المذل في سياق استكمال الحرب الإمبريالية الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية على دول المنطقة وحركات التحرر الوطني فيها، هو استكمال للحرب العدوانية الأخيرة على الجمهورية الإيرانية ومحاولة كسر إرادة الشعب الإيراني الأصيل وصموده.
كما جاء أيضا في سياق المشروع الإمبريالي الأمريكي لحماية إسرائيل الصهيونية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحها في إطار الشرق الأوسط الكبير الجديد “مشروع صهيون الكبرى”.
2. أخطر ما في الاتفاق هو تبنيه للسردية الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية القائلة إن جذر وأساس حالة الحرب وعدم الاستقرار في منطقة شرق المتوسط ولبنان، هو المقاومة الوطنية اللبنانية ممثلة في ح ز ب ال له! محاولة ذر الرماد في العيون عن السبب الحقيقي لذلك المتمثل في المطامع والمشاريع الاستعمارية الامبريالية الصهيونية.
وأن كل أشكال المقاومة نشأت كرد فعل طبيعي لمواجهة هذه المطامع والمشاريع دفاعا عن الوجود وتحرير الأرض والإنسان، في ظل وجود سلطة فاقدة لاستقلالها وسيادتها لم تتحمل مسؤولياتها ولم تقم بواجباتها الوطنية.
نعم إن خطورة هذا الاتفاق أنه يهدف الى جعل لبنان خاضعاً بالكامل للمحور الامبريالي الأمريكي الإسرائيلي الصهيوني في مواجهة محور المقاومة الذي يتصدى لمشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد.
3. الاتفاق لم ينص بصورة واضحة على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، واكتفى بالإشارة إلى إعادة الانتشار، وهي عبارة تفتح الباب أمام تفسيرات متعددة وتمنح إسرائيل هامشاً للمناورة ومواصلة احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية.
فهناك حديث عن “المناطق التجريبية” والانسحابات المجتزأة والمشروطة، وهو ما يمنح العدو الصهيوني صك براءة في احتلاله مناطق أخرى من الجنوب! ويكرس المسعى الإسرائيلي لإقامة ما يسمى “الحزام الأمني الجديد “، الذي أعلن رئيس وزراء العدو صراحةً تمسكه به وإصراره على البقاء فيه.
وهو ما أعلنه نتنياهو صراحةً من أنّه “لن نسمح بعودة السكان اللبنانيين لمنطقة الحزام الأمني الواقعة تحت سيطرتنا”، في إعادة إنتاج واضحة لمفهوم “الشريط الحدودي” بصيغةٍ جديدةٍ، تُبقي الاحتلال قائماً تحت مسمّياتٍ مختلفة، وتمنح إسرائيل حقّ التحكّم بالجغرافيا اللبنانية وبحركة سكانها.
4. إن ربط إعادة الانتشار والانسحاب بنزع سلاح المقاومة من كل لبنان طرحٌ خطير جداً يتجاوز كل الخطوط الحمراء، ويجعل لبنان ألعوبة بيد العدو الإسرائيلي.
فلا يحق لأحد أن يحرم اللبنانيين من حق الدفاع عن النفس والأرض ضد المحتل للأرض والقاتل للشعب اللبناني، وعلى العدو الصهيوني أن ينسحب لأنه معتدٍ ومحتل وأي تجاوز لهذا السقف مكافأة لإسرائيل بعد هزيمة مشروعها، وتفريط بسيادة لبنان.
5. إن اتفاق الإطار لا يحظى بإجماع وطني واسع، كما يتضمن بنوداً تثير انقسامات داخلية، وينقل الصراع من كونه مع العدو الصهيوني إلى صراع داخلي، بالتالي ينطوي على مخاطر جدية تهدد الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.
6. من أهداف الاتفاق قطع الطريق على مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية التي أصرّت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية على جعل مصلحة لبنان ووقف العدوان عليه والانسحاب الإسرائيلي منه بنداً أولاً في التنفيذ، وهذا واضح في تصريح نتنياهو: “ان اتفاق الإطار ضربةً قويةً لإيران التي حاولت فرض الانسحاب من جنوب لبنان علينا”.
7. بموجب هذا الاتفاق ستطلب حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليين ولا سيما العرب تحت قيادة الولايات المتحدة لتحقيقه! فهل هذا يعد مؤشراً لقبول السلطة اللبنانية الرسمية دخول قوات السلطة الاستبدادية الظلامية في سوريا الى لبنان للقيام بالمهمة الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية بنزع سلاح المقاومة الوطنية اللبنانية.
8. إن البند الذي ينص على “التوقف عن اتخاذ أية اجراءات عدائية أو مناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، يحرم لبنان من إحدى أهم أوراقه القانونية والدبلوماسية في ملاحقة إسرائيل على جرائمها، وينعكس أيضاً على حقه في المطالبة بالتعويض عن الخسائر البشرية والمادية التي تسبب بها العدوان الإسرائيلي.
9. الاتفاق يتحدث عن إنهاء حالة العداء مع العدو الصهيوني وإقامة السلام! وكأنه يمهد الطريق لانضمام لبنان لاحقا للاتفاقات الابراهيمية! وهذا خروج عن الاجماع والثوابت الوطنية اللبنانية وعن الدستور.
ان أي اتفاق لا ينطلق من هذه الثوابت ولا يضمن تحقيقها كاملةً يبقى اتفاقاً مرفوضاً ولا يحقق السيادة ولا الأمن ولا الاستقرار.
10. بالمحصلة الاتفاق لا يمثّل إرادة الشعب اللبناني ولا يحفظ تضحياته، بل هو محاولة مكشوفة لشرعنه نتائج العدوان وتوفير مخارج سياسية وأمنية للعدو الصهيوني المأزوم في الميدان، ما جعل بنيامين نتنياهو يصف توقيع اتفاق الإطار مع لبنان بـ “الإنجاز الكبير” لإسرائيل.
كل هذا في الوقت الذي سطّر فيه أبطال المقاومة ومازالوا يسطّرون أروع ملاحم البطولة والفداء، ويدفع الشعب اللبناني ضريبة الدم والتهجير والتدمير صونًا لكرامة الأرض وسيادتها.
ان حركة التحرر الوطني العربية واجهت عبر تاريخها الطويل العديد من المشاريع الاستعمارية وما انبثق عنها من اتفاقات الذل والتفريط بالحقوق الوطنية.
في لبنان تحديدا حدث هذا عندما انحازت السلطة اللبنانية الرسمية في خمسينات القرن الماضي لحلف بغداد ومشروع أيزنهاور واستدعت التدخل الأمريكي، وتكرر الأمر نفسه مع انطلاقة شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وأيضا عام 1983 عندما وقعت اتفاق 17أيار الخياني، وفي كل مرة كانت تدفع باتجاه حرب أهلية يدفع ثمنها الباهظ الشعب اللبناني.
لقد فشلت جميع هذه الرهانات في السابق، سقط اتفاق 17 أيار بعد أقل من سنة على إقراره وإبرامه وانهارت السلطة التي وافقت عليه، كما انسحبت القوات الأطلسية التي حضرت إلى الشواطئ اللبنانية من أجل ترسيخ الاحتلال وتكريس نتائجه السياسية.
وانسحب العدو الإسرائيلي من معظم المناطق التي احتلها إلى “شريط حدودي” في دويلة فبركها المحتل عبر عدد من العملاء، وأخيرا توّج كلّ ذلك بالتحريرُ شبه الشامل عام 2000.
ان المقاومة العسكرية والسياسية ضمن تحالف واسع هي مَن كان وراء إنجاز التحرير آنذاك في معظم مراحله.
وبالتالي استحضار تلك التجربة اليوم أمر بديهي، بل هو أمر مصيري لاسيما في ظل تعاظم حجم الاستهداف الراهن في لبنان والمنطقة (إقامة «إسرائيل الكبرى» في كنف هيمنة أميركية شاملة على الشرق الأوسط)، وضراوة ووحشية الأساليب: بدعم أميركي، وبتواطؤ رجعي عربي.
اليوم على القوى الوطنية اللبنانية الحية وكافة أبناء الشعب اللبناني الوقوف صفًا واحدًا في وجه هذا المسار الخياني، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة، والمطالبة بالانسحاب الصهيوني الكامل وغير المشروط من كل شبر من التراب الوطني من دون قيد أو شرط، أو ترتيبات أمنية مذلة على حساب دماء الشهداء.
على جميع اللبنانيين التحلي بأعلى درجات الوعي والوحدة الوطنية وعدم الانجرار إلى ما يريده العدو من مشاريع لضرب الوحدة الوطنية ودفع اللبنانيين الى الاقتتال، فوحدة اللبنانيين تبقى السدّ المنيع في وجه أي مخاطر تهدد الوطن.
لبنان وشعبه وإنجازات المقاومة الوطنية ووجودها قيد الاستهداف، وهذا ما يستدعي قيام أوسع وأعرض جبهة للدفاع ومواجهة هذا الاستهداف، وهي جبهة تصبح أعظم بمقدار ما تستمرّ المقاومة وتحقق إنجازات في الميدان، وتحفِّز على الصعيد العربي والإقليمي، نضالات تحررية ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة “الشرق الأوسط الكبير” مشروع صهيون الكبرى.
الخزي والعار لأنظمة الخيانة والتفريط بالحقوق الوطنية، وكل الإدانة لاستعدادها لدعم ولعب أكثر الأدوار الوظيفية قذارة في خدمة الامبريالية والصهيونية، بما فيها استعدادها لتمويل قوات دولية أو عربية بالمال والسلاح لنزع سلاح المقاومة.
كل التحية والإكبار للمقاومة الوطنية اللبنانية ولأهلنا في الجنوب اللبناني في قتالهم وتصديهم للعدوان الإسرائيلي.
المجد لنضال الشعوب ضد الامبريالية والصهيونية.
29 يونيو 2026



