لا للسياسات الاقتصادية الليبرالية المتوحشة
غاندي شيخو
يعيش المواطن السوري اليوم في مفارقة صارخة: بين تصريحات المسؤولين التي تبشّر بتحسين المعيشة، وواقع مرير تتوالى فيه الأزمات وتتضاعف المعاناة. فبينما يتحدث الوزراء عن “فرصة تاريخية لاختراع سوريا جديدة” وعن زيادة الرواتب بنسب مئوية خيالية، يغرق السوريون في مستنقع غلاء متوحش، وقدرة شرائية متآكلة، ومستقبل مجهول. وهذه المفارقة ليست عارضة، بل هي نتاج حتمي لسياسات اقتصادية ليبرالية متوحشة، تضع أرباح رأس المال فوق حياة الإنسان، وتُخضع مصير الملايين لمنطق السوق الأعمى.
لم تتوقف التصريحات الرسمية عن التغني بـتحسين مستوى معيشة المواطن .
لكن هذه التصريحات تصطدم بحقيقة قاسية: زيادة الرواتب، حتى عندما تحققت، جاءت متأخرة وغير كافية و متفاوتة. فرواتب الموظفين التي كانت تتراوح بين 20 و30 دولارًا، ارتفعت إلى 90-100 دولار، في وقت هناك ارتفاع جنوني للإجارات و الأسعار .
الحقيقة التي يتجاهلها المسؤولون هي أن الاقتصاد السوري يعاني من انهيار عميق ليست فقط بسبب الحرب بل نتيجة السياسات المتبعة من قبل السلطة الحالية من خلال تبني سياسة ( السوق الحر ) و فتح الأسواق السورية أمام استيراد السلع الأجنبية و خاصة التركية دون حماية للإنتاج الوطني و رفع أسعار الطاقة و حواملها الذي انعكس بشكل كارثي على الإنتاج الوطني و قيمة الليرة السورية و بالتالي على معيشة أبناء الشعب السوري ، فقد فقد الاقتصاد خلال سنوات الحرب أكثر من ثلثي مقدراته، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار دولار قبل 2010 إلى أقل من 6 مليارات دولار. وتتجاوز البطالة 60% من القوى العاملة.
في هذا السياق، لا يمكن لأي زيادة في الرواتب، مهما كانت نسبتها، أن تعيد التوازن. فالأزمة ليست أزمة رواتب فقط بل أزمة نموذج اقتصادي بكامله .
يشكل ارتفاع أسعار الطاقة المحرك الأساسي لموجة الغلاء التي تجتاح سوريا. ففي مايو 2026 ، رفعت وزارة الطاقة السورية أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 30%، ثم جاءت زيادة أخرى في 13 سبتمبر 2026 لتضاعف الأعباء على المواطنين، حيث قفز سعر لتر بنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة سورية، وسعر لتر بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية، وسعر لتر المازوت إلى 175 ليرة سورية، وأسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة سورية. بالعملة الجديدة .
للمقارنة، كانت أسعار الديزل 125 ليرة سورية في أوائل سبتمبر، مما يعني أن هذه الزيادة ارتفعت بنحو 40%.
هذه الزيادات في أسعار الطاقة لها تأثير مضاعف: فهي ترفع تكاليف النقل، وتزيد أسعار المواد الغذائية، وترفع تكاليف الإنتاج في كل القطاعات. وقد أدى رفع تعرفة النقل بنسبة تصل إلى 100% عقب ارتفاع المحروقات إلى شكاوى واسعة، حيث باتت تكاليف التنقل اليومية تصل إلى 200 ألف ليرة للبعض.
وراء هذه الكارثة الإنسانية هي سياسات اقتصادية تبنتها الدولة السورية منذ عقود، وتصاعدت حدتها منذ استيلاء القوى الظلامية على السلطة في دمشق .
حيث تعمل لخصخصة 107 شركات صناعية مملوكة للدولة، وسط مخاوف من أن تؤدي الخصخصة الكاملة إلى زيادة التفاوت الطبقي وتركيز الثروات بيد فئة قليلة .
تمثل السياسات النيوليبرالية في سوريا مرحلة متقدمة من تراكم رأس المال على حساب الطبقات الشعبية. فالخصخصة ليست مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل هي عملية نقل ملكية وسائل الإنتاج من الملكية الاجتماعية (الدولة) إلى الملكية الخاصة، مما يعمق التقسيم الطبقي ويوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
إن “اقتصاد السوق الحر” الذي تتبناه الحكومة ليس سوى واجهة لعملية تركز رأس المال في أيدي قلة من المستثمرين ورجال الأعمال، على أنقاض القطاع العام الذي كان يوفر فرص عمل لملايين السوريين. فتراجع دور الدولة في توفير الرعاية الاجتماعية، وإلغاء الدعم، وتحرير الأسواق، كلها أدوات تخدم مصالح رأس المال على حساب الجماهير الكادحة.
النتيجة الحتمية لهذه السياسات هي ما نراه اليوم: تآكل الأجور الحقيقية، وارتفاع متواصل في الأسعار، وتدهور مستمر في مستوى المعيشة. فزيادة الرواتب بنسبة 200% تبدو سخيفة أمام تضخم يقترب من نسب خيالية، وأسعار طاقة تقفز بنسبة 30% في دفعة واحدة. ففي ظل الرأسمالية، أي زيادة في الأجور سرعان ما تلتهمها زيادة في الأسعار، لأن منطق النظام يقوم على تعظيم الربح، وليس على تلبية احتياجات الإنسان.
في مواجهة هذا الواقع المرير، تقع على عاتق القوى الوطنية السورية مسؤوليات جسام:
أولاً: النضال من أجل تحسين الواقع المعيشي للجماهير الشعبية الكادحة ، وكشف الطابع الطبقي للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها السلطة و التي تخدم مصالح رأس المال على حساب الجماهير.
ثانيًا: النضال ضد التوجه الليبرالي الاقتصادي المتوحش الذي تريده السلطة القائمة و الذي يناسب طبيعتها، والدعوة بديلاً عنه إلى نموذج تنموي وطني يقوم على حماية القطاع العام، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية، وضمان توفير السلع والخدمات الأساسية بأسعار معقولة.
ثالثًا: النضال من أجل رواتب حقيقية ترتبط بمستوى التضخم، وليس بزيادات شكلية تلتهمها موجة الغلاء التالية، والمطالبة بتوفير شبكة أمان اجتماعي تحمي الفقراء والطبقات الكادحة من تقلبات السوق.
رابعاً : العمل على نشر الوعي الطبقي بين الجماهير، وتوضيح أن الأزمة ليست أزمة عابرة أو ناتجة عن سوء إدارة فقط، بل هي أزمة نظام اقتصادي قائم على الاستغلال، ولا يمكن حلها إلا بتغيير جذري في بنية الاقتصاد وسياساته .
والحل الناجع لتحقيق هذه المهام يقتضي ايجاد تحالف لجميع القوى الوطنية السورية و ما أكثرهم من أجل إسقاط السلطة الظلامية العميلة و قيام سلطة وطنية ديمقراطية .
22 سبتمبر 2026



