كلمة قيادة الحزب الشيوعي السوري، ألقاها الرفيق فواز الدبس، عضو المكتب السياسي للحزب ، وهذا نصها:
تبكي الجياد إذا ترجل فارسٌ
ومن الصهيل توجُعٌ وعذابُ
أرأيت دمع الخيل؟! كم من عبرةٍ
في الروح لم تعلم بها الأهدابُ
الأخوات والأخوة،
الصديقات والأصدقاء،
الرفيقات والرفاق،
أيها الحضور الكريم:
أحييكم جميعاً باسم اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي السوري ومكتبها السياسي، في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الرفيق الأمين العام للحزب الدكتور عمار بكداش، هذه النخلة البكداشية الباسقة، هذا الفتى الدمشقي والثائر البلشفي الجميل، الذي خرج من أعماق شعبنا الأبي، ومن أسرة ثورية عريقة، وقد وهب روحه وحياته وفكره لشعبه، وللمبادئ التي آمن بها، مبادئ الماركسية اللينينية والأممية البروليتارية. وكيف لا؟ وقد تربّى أحسن تربية في كنف والديه خالد بكداش القائد التاريخي للشيوعيين السوريين ووصال فرحة بكداش، ورث منهما العطاء الذي لا ينضب فكراً وسياسة ونضالاً مبدئياً شجاعاً لا يعرف المساومة مع الانتهازيين والتحريفيين، عدواً لدوداً للصهيونية، باعتبارها نازية العصر.
كان سفير بلاده في لقاءات الأحزاب الشيوعية والعمالية من عشرات الدول في قارات العالم، لا يكل ولا يمل في الدفاع عن وطنه وشرح حجم الضغوطات الإمبريالية والرجعية الإقليمية والداخلية عليه، فقد تعلم من خالد بكداش “أن الوطن أولاً وفوق كل اعتبار”. كان موسوعياً في ثقافته، وقد درس التراث الماركسي اللينيني باهتمام بالغ، فقد تعلّمنا منه أن هذا التراث هو ملك الشيوعيين والبروليتاريا العالمية، بل ملك الإنسانية التقدمية، والذي يضم 55 مجلداً للينين و40 مجلداً لماركس وإنجلز. كان نظرياً فذاً في تحديد الحلقة الرئيسية في الصراع على هذا الكوكب، فيقول: “إن اشتداد الهجمة الإمبريالية يقتضي أكثر مما في أي وقت مضى زيادة لحمة قوى التحرر العالمي، فالرأسمالية قوة عالمية متضامنة، ومن أجل مقاومتها الناجحة ومن ثم هزيمتها والقضاء عليها، يجب السعي إلى أقوى مقاومة وتحالف بين الشغيلة في العالم”. وكانت نظرته طبقية في قراءة وتحليل أي ظاهرة، أي من خلال جوهرها الاقتصادي الاجتماعي والانتصار النهائي للاشتراكية في العالم.
وعن سلوك الرأسمالية يقول: “هناك سيطرة رأسمالية الدولة الاحتكارية، أي هناك تضافر عضوي بين مصالح الاحتكارات وجهاز الدولة، وبالتالي لا توجد فروقات أخلاقية بين الأوليغارشيات المالية، فلا يمكننا القول أنها عديمة الأخلاق في الولايات المتحدة الأمريكية بينما في فرنسا خلوقة، فأخلاقياتهم متطابقة بسبب وضعهم الاجتماعي، أي من أجل الحصول على الأرباح”. وكانت عبارته الشهيرة والتي يكررها باستمرار: “أنا متفائل تاريخياً”. فالمناضلة الألمانية روزا لوكسمبورغ كانت تقول: “الاشتراكية أو الهمجية”، وقد أضاف لها عمار بكداش بقوله: “الاشتراكية أو فناء البشرية” في ظل السلاح النووي. وكان سباقاً بشكل علمي ومنهجي في فضح السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي أنهكت الوطن والشعب ومهدت الطريق لاستيلاء القوى الظلامية على البلاد.
وله باع طويل في الحفاظ على نقاوة الحزب فكرياً وتنظيمياً وسياسياً في أحلك الظروف وأكثرها تعقيداً بعد المؤتمر التاسع للحزب.
لقد كان الرفيق الراحل عمار بكداش مدافعاً صلباً تحت قبة البرلمان عن هموم الوطن والشعب، يحاور ويناقش الميزانيات الحكومية الخاطئة وغير الملبية لأهداف الإنتاج الوطني وللوضع المعيشي للجماهير ومستلزمات الصمود الوطني، تلك الميزانيات الكارثية التي أدت إلى تدهور قيمة العملة الوطنية تباعاً لصالح شريحة الكومبرادور اللا وطني. وكان المعارض الوحيد ومن يمثلهم ولمرات كثيرة للقوانين والمشاريع المعادية لمصالح الشعب والوطن بشكل واضح وصريح، كمشاريع الخصخصة والاستثمارات الأجنبية لا سيما للمفاصل الحساسة في اقتصادنا الوطني، وارتفاع أسعار حوامل الطاقة وخاصة مادة المازوت وغيرها وغيرها. وقد قال في إحدى جلسات البرلمان ومن باب التهكم: “برأيي يجب أن نرشح بعض وزاراتنا إلى نيل جائزة نوبل في الاقتصاد والرياضيات لأن ما تدعيه يخالف كل منطق!!” إن جملة عوامل تراكمية كثيرة بكل تعقيداتها وتشابكاتها ومرور أحداث وأحداث، فإذا بعز الشرق ودرته دمشق الفيحاء، وفي غفوة من التاريخ أسدل خلالها جفنيه لترتاح قليلاً، دخلت الظلماء، وغربان سوداء من الشمال في طعنة غدر مهد لها أخونجي ماسوني أنه أردوغان التركي.
إن قطعان الهمج الظلاميين استباحوا كل شيء في بلادنا الجميلة، فحولوها إلى القتل والنهب والسلب والتجويع والخيانة السافرة، تدعمهم كل قوى الإمبريالية العالمية والرجعية العربية والداخلية السوداء، وإسرائيل الصهيونية الطامعة في مشروع صهيون الكبرى.
وخلال تقييمه للنظام السابق كان يقول: “منذ عام 2005 كانت السلطة أشبه بشخص ينشر بعناد الغصن الذي يجلس عليه، والفاسد من الصعب أن يكون مقاتلاً وطنياً جيداً. كما أن سياسة اختيار الكادرات الفاشلة أدت إلى تبوء أشخاص عديمي الكفاءة ومنهم كثيرون من عديمي الروح الوطنية. فالسلطة السابقة لم تُنحر بل انتحرت”. لكن هذه السلطة بغض النظر عن كل العوامل السلبية، كانت تقوم بدور وطني، إذ كانت سوريا تشكل العقبة الأساسية في وجه مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد، وكان هذا العامل الأساسي لتحالفنا معها. لقد جرى استبدال سلطة مطلقة ذات توجه وطني بالرغم من كل التوجهات السلبية الضارة، بسلطة مطلقة ذات طابع ظلامي لا وطني، بالرغم من كل محاولات التجميل، ومن الواضح أن مفهوم الوطنية يقع خارج قاموس إيديولوجية الظلاميين، وتحمل معها بقايا رواسب الإقطاعية.
إن وعود السلطة الحالية برفع المستوى المعيشي هي وعودٌ خلبية لا تستند إلى زيادة الإنتاج وأي مصدر رئيسي لرفع مستوى المعيشة، بينما تدفق الأموال التركية والقطرية فذلك عبارة عن سراب، فدولة الانتداب التركي المأزومة اقتصادياً تبحث لبرجوازيتها عن مصادر لنهب سوريا، وتدخل في تنافس مع باقي القوى الاستعمارية حول ذلك.
إن جملة العوامل عاجلاً وليس آجلاً ستؤدي إلى نتائج كارثية في وضع الإنتاج والحالة المعيشية لغالبية الشعب، ونتيجة لذلك يمكن أن تشهد البلاد هزات اجتماعية كبيرة، فسرعان ما يتحول المزاج الشعبي تحت تأثير بؤس المعيشة، فالبرادات الفارغة أكثر تأثيراً مما تبثه التلفزيونات من خطب مشبعة بدعوات غيبية لا تطعم جائعاً. وهذا ما يحصل حالياً من إرهاصات الإضرابات والاعتصامات في أغلب المدن السورية ومنها مدينة القامشلي وباقي مدن المحافظة، والتي ستزداد بالوعي والحاجة التراكمية.
إن رحيل الرفيق عمار بكداش يعتبر خسارة ليس للحزب الشيوعي السوري وللجماهير الشعبية والقوى الوطنية فحسب، بل للحركة الشيوعية العالمية، وهذا يتجلى في عشرات برقيات التعزية التي وردت إلينا ونشرتها صفحة نضال الشعب، ومنها دون الحصر:
· الجبهة الشيوعية في إيطاليا: “لقد فقدنا مناضلاً صلباً من أجل قضية الاشتراكية والشيوعية، ورجلاً كان واسع الثقافة وعميق الإنسانية”.
· الحزب الشيوعي البرازيلي: “كان قائداً شيوعياً بارزاً في العالم العربي وماركسياً لينينياً، ثابت الموقف وأممياً مبدئياً، كرس حياته بأكملها لقضية الاشتراكية”.
· الحزب الشيوعي الأردني: “لقد تجلت السمات الكفاحية لهذا القائد الشيوعي البارز بأنصع ما يمكن في الموقف الجريء الذي اتخذه الحزب الشيوعي السوري تحت قيادة أمينه العام الراحل عمار بكداش، من انتقال السلطة في سوريا إلى جماعات الإرهاب والتكفير، وفي الحرص على عدم المساومة معها والانضواء تحت جناحها”.
· حزب العمال الشيوعي الروسي: “لقد تعرضت الحركة الشيوعية العالمية لخسارة كبيرة، ففي 12 يوليو وعن عمر يناهز 70 عاماً توفي فجأة عمار بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري”.
· الحزب الشيوعي الفلسطيني: “لقد رحل الرفيق عمار بكداش أبو خالد بعد مسيرة نضالية مشهودة، كرس حياته فيها للدفاع عن حقوق شعبه والشعوب المضطهدة، والنضال من أجل التحرر والانعتاق من تبعية المعسكرات الإمبريالية الصهيونية والردة الرجعية”.
إننا في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الرفيق الأمين العام عمار بكداش نؤكد على ما كان يؤمن به باستمرار، بأن احتدام التناقضات ما بين الإمبريالية سيُزيد رقعة الحروب على مستوى العالم، فهناك 60 بؤرة صراع منها الحرب الأوكرانية والعدوان الأمريكي على فنزويلا وتهديد كوبا وحصارها والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإيرانية ولبنان والاعتداءات الإسرائيلية الهمجية على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
إننا نوجه التحية لهذه الشعوب المقاومة.
أما داخلياً، فإن السلطة الظلامية اللاوطنية بتبنيها لسياسات الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص التوظيف، ستحد من قدرة الاقتصاد على التوسع، ويترافق ذلك بتخليها عن برامج الرعاية، والتوقف عن تحفيز القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة). وتشير الإحصائيات العالمية إلى أن 90% من سكان سوريا هم تحت خط الفقر و69% بحاجة لمساعدة إنسانية، إضافة إلى زيادة عمليات النهب المنظم للقطاعين العام والخاص، والحديث عن خصخصة قطاع الصحة والتعليم، والمطالبة بالتراجع عن قانون الإصلاح الزراعي التقدمي. وحول موقف هذه السلطة من العدو الإسرائيلي قال الرفيق الراحل: “إن رضوخ السلطة الظلامية في سوريا لإسرائيل يعني، إلى جانب التنازل النهائي عن جبل الشيخ وعن كامل الجولان وإقامة منطقة نفوذ إسرائيلي في باقي الجنوب السوري، بل أيضاً تقسيم سوريا بأي شكل كان، وهذا يكفي للتأكيد على أن السلطة الظلامية الاستبدادية لا تتسم بأي ملمح وطني”.
وأضاف بأن الطريق القويم في الحالة التي يعيشها وطننا يكمن في النضال من أجل حرية الوطن واستعادة السيادة الوطنية الكاملة المستقلة عن مصالح المستعمرين وعملائهم، والنضال من أجل وحدة التراب الوطني.
إننا وفي هذه المناسبة نؤكد على ما جاء في بيان حزبنا الشيوعي السوري بتاريخ 30/1/2025 رداً على قرار الحل الجائر: بأننا نحن الشيوعيين السوريين لا نهاب القمع والملاحقات وتاريخنا شاهد على ذلك، والشعب السوري يعرفنا بثباتنا على المبدأ في خدمة الشعب. وإننا اليوم نعاهد الراحل الكبير الرفيق عمار بكداش الأمين العام للحزب بأن الشيوعيين السوريين ومنظماتهم الجماهيرية في كل مدينة وقرية من المالكية إلى درعا سيبقون أوفياء، ومهما كانت التضحيات، للنضال من أجل بناء مجتمع العدالة الاجتماعية، مجتمع الاشتراكية، وأن راية الماركسية اللينينية لن تنكس في سماء سوريا.
المجد والخلود لذكراك… الرفيق عمار بكداش وداعاً، حزبك باقٍ.
13 يوليو 2025



