احتجاج طلابي أم بداية صراع طبقي أوسع؟
قرآءة في انتفاضة الطلبة في فرنسا
من الصحافة الشيوعية
تعيش فرنسا أوسع انتفاضة طلابية منذ سنة 2005. وانطلقت الشرارة من ثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي أيضًا، حين أضرب الأساتذة على المناصب الشاغرة، فقرر التلاميذ إغلاق الأبواب، ثم انتشرت عبر «تيك توك» و«سناب شات» في الضواحي الشعبية لمنطقة باريس الكبرى دعوات للتظاهر والاحتجاج، لتعم البلاد. وفي 28 سبتمبر وقعت مظاهرات واسعة بلغت ذروتها في الأول من أكتوبر، حين تظاهرت 1027 ثانوية وأغلقت 222 منها بحسب أرقام وزارة الداخلية الفرنسية نفسها، وأضربت ثلاثون جامعة. وعوض الإنصات لمطالب المحتجين من أطفال وطلاب وعاملين في التعليم، جاء رد الدولة الفرنسية على شكل أعنف حملة اعتقالات في حق القاصرين يعرفها تاريخ الحركات الاجتماعية الفرنسية.
تصريف أزمة البرجوازية الفرنسية على حساب المدرسة العمومية: الأموال للشركات والهراوات للثانويات
تتمثل مطالب الحركة في مطالب مادية بسيطة: أستاذ في كل قسم، أقسام بأقل من 40 تلميذًا، قاعات درس لائقة، توقيت إنساني، وإلغاء نظام الانتقاء الجامعي، ووقف التقشف في الميزانية. وتأتي هذه المطالب لتعبر عن تفاقم وضعية اجتماعية واقتصادية للطبقات الشعبية في فرنسا بسبب الأزمة التي لم يتعاف منها النظام الرأسمالي العالمي منذ 2007، ونتيجة عقود من التدهور الذي شهدته المدرسة والخدمات العمومية بفعل التوجهات الليبرالية الجديدة للدولة. إذ تبين المعطيات أن 53% من المؤسسات ينقصها أستاذ واحد على الأقل، ونقص وتيرة التوظيف، إذ يظل أكثر من 446 منصبًا شاغرًا في مسابقة التعليم، ونقص التأطير التربوي (أكثر من 10% من ساعات الدرس في الثانوي لا تقدم أصلًا)، بالإضافة إلى الاكتظاظ داخل الأقسام الذي انتقل من 32 إلى 40 تلميذًا في بعض الأقسام، وغياب أبسط التجهيزات في قاعات الدرس. كل هذا في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على حذف المناصب وتجميد الأجور للسنة الرابعة في مشروع ميزانية 2027.
وتعكس هذه المعطيات واقع دولة مأزومة غارقة في ديونها تحاول تحميل أعباء أزمة النظام الرأسمالي للطبقات الشعبية وأبنائها. ويظهر الطابع الطبقي بوضوح في مشروع ميزانية 2027: خطة «تقويم» بنحو 54 مليار أورو تثقل كاهل العمال والمتقاعدين وتضرب الخدمات العمومية، بالإضافة إلى تجميد أجور الموظفين. وبالمقابل تقدم هدايا بالمليارات للشركات الكبرى على شكل تخفيضات ضريبية، وتقدم إعانات عمومية للشركات بقدر 211 مليار أورو، كما تشير التقارير إلى أن الدولة تتغاضى عن التهرب الضريبي الذي يقدر بنحو 80 مليارًا. للدولة مال للشركات، ولا مال للثانويات والجامعات.
أما منصة القبول الجامعي الانتقائية فهي في جوهرها آلة للانتقاء الطبقي وإعادة إنتاج علاقات السيطرة. إذ تعبر عن ذلك بشكل فاضح أرقام هذا الموسم الذي وجد فيه 126652 تلميذًا مترشحًا بلا أي عرض جامعي بعد حصولهم على شهادة البكالوريا، بارتفاع 64.5% في ثلاث سنوات. وتصف النقابات هذه المنصة وخوارزمياتها بحق بأنها «أداة انتقاء اجتماعي وعنصري»، لأنها تصفي أبناء الطبقة العاملة وشبيبة الأحياء الشعبية من أصول مهاجرة خارج التعليم العالي، وتكرس تحت قناع «الجدارة» التراتبات الطبقية والاستعمارية في فرنسا.
الدولة الطبقية في فرنسا تكشف عن وجهها: جهاز القمع في خدمة رأس المال
طالب مجموعة أطفال بتوفير أساتذة لتدريسهم، فردت الدولة بالرصاص المطاطي وقاذفات القنابل والاعتقال الجماعي. إذ اعتقل أكثر من 5000 تلميذ في خمسة أيام، ووضع نحو 2000 في الحجز، 90% منهم قاصرون. كما أصيب العديد من الأطفال بإصابات بليغة: إيدن، 14 سنة، هشم فكه برمية قاذفة من مسافة متر؛ وفقد مايل، 16 سنة، عينه؛ كما عنفت تلميذة في الرابعة عشرة من عمرها بشكل وحشي؛ وفي لنس بترت يد تلميذ في الخامسة عشرة من عمره بانفجار قنبلة. وقد وصف عالم الاجتماع سيباستيان روشي هذا القمع الهمجي بأنه «طريقة للتخويف من أجل الردع»، وإنه لم يسجل في بلد آخر في أوروبا أن أطلق الرصاص المطاطي على التلاميذ. وتأتي هذه الأحداث في سياق دولي وإقليمي يتميز بنزوع الإمبريالية العالمي نحو الإبادة والحروب، في ضرب للقوانين والتشريعات الدولية التي وضعتها بنفسها، كما تتميز بانفضاح نفاق وازدواجية الديمقراطية الغربية، ومن ضمنها فرنسا التي صارت تجنح أكثر لمغازلة الفاشية وتبرير الإبادة والحروب.
ورغم أن التقارير الرسمية ووسائل التواصل الكبرى تصور هذا القمع كـ«تجاوزات فردية للأجهزة الأمنية»، إلا أن خريطة التدخلات القمعية وطبيعتها تحمل طابعًا عنصريًا وطبيقيًا في جوهرها. فحين يتعلق الأمر باحتجاجات اجتماعية واقتصادية شعبية، يصدر الأمر بضرب الحريات الأساسية واستهداف المحتجين في ساعات، وبشطط ممنهج في استعمال القوة، بينما لا تتحرك أجهزة الدولة المسؤولة عن توفير العدد الكافي من الأساتذة، أو قاعات الدرس، وغيرها من المصالح التي يفترض أن تلبي حاجيات التلاميذ والطلاب.
بل على العكس من ذلك، تتحرك ترسانة قمعية أخرى تهدف لقمع القانوني وتشريع تجريم الاحتجاج، مثل دورية وزارة العدل الفرنسية التي طالبت بـ«التعامل بأقصى الحزم» مع احتجاجات التلاميذ، وحملت الآباء المسؤولية المدنية، بالإضافة إلى تقديم قانون «المخرب يؤدي» الذي يضرب الحق في التجمع السلمي ويحمل كل من وجد في تجمع مسؤولية مدنية جماعية تصل إلى 10 آلاف أورو دون إثبات مشاركته الشخصية. وتعمل الأجهزة الطبقية الأخرى على تحميل الآباء الكلفة المالية لقمع الاحتجاجات، تصل حد استيفاء الغرامات من التعويضات الاجتماعية. إنها الدولة البرجوازية تشرع لحماية مصالح الشركات الكبرى وتجرم حق الاحتجاج وتحرك كل أجهزتها في سبيل ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، تعكس خريطة القمع بعدًا عنصريًا بنيويًا في الدولة الفرنسية: استهدفت معظم حملات القمع البوليسي الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية من أصول مهاجرة، حتى إن المذكرة الاستخباراتية التي بنت عليها الحكومة روايتها لم تغط سوى إقليم «93» الذي تعيش فيه نسبة كبيرة من الكادحين المهاجرين. وتبين التقارير الحقوقية وحتى خريطة التدخلات البوليسية أن الشريحة الأكثر عرضة للتدخلات القمعية هي الأحياء الشعبية في الضواحي ذات الكثافة السكانية من الأصل المهاجر، وهي الفئة الأكثر عرضة لعنف الدولة وأول من يتلقاه. وقد وثقت منظمة العفو الدولية هذا النمط من العنف الطبقي بوصفه «مؤشرًا من مؤشرات الانزلاق السلطوي».
جوهر المسألة: تناقض مادي وطبقي
وهنا يظهر جوهر المسألة من منظور ماركسي-لينيني: إن التناقض الذي تكشفه الحركة هو في أساسه مادي وطبقي، حتى وإن لم يحمل كل طالب في الشارع وعيًا طبقيًا. فالمسألة لا تتعلق فقط بمدرس غائب أو صف مكتظ، بل بالسؤال عمن يحدد أولويات الإنفاق العام وكيف توزع موارد المجتمع، وأي طبقات اجتماعية تتحمل بصورة أكبر نتائج تراجع الخدمات العامة.
وفي المقابل، بدأت محاولات نقل النقاش من هذه الأرضية الاجتماعية إلى الهجرة والدين والهوية. ووصل هذا التأطير إلى الإدارة الأميركية نفسها؛ إذ ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يحدث بما وصفه بـ«الهجرة الجماعية الخارجة عن السيطرة»، وقال إن الاحتجاجات «ليست عن المدارس»، رابطًا إياها بالإسلام.
لكن الوقائع التي فجرت الحركة تقول شيئًا آخر: ملايين الساعات الدراسية الضائعة، مدرسون غير معوضين، نقص في الموظفين والخدمات، ومشكلات يومية داخل المدارس.
ومن منظور طبقي، فإن تحويل النقاش من هذه الظروف إلى أصل المحتج ودينه يؤدي إلى تمييع التناقض الاجتماعي وتقسيم الفئات الشعبية أفقيًا بين فرنسي ومهاجر، ومسلم وغير مسلم. فابن العامل الفرنسي وابن العامل المهاجر قد يجلسان في الصف المكتظ نفسه، وينتظران المدرس الغائب نفسه.
لكن وجود تناقض طبقي لا يجعل الحركة ثورية بصورة تلقائية. فلا توجد حتى الآن قوة ثورية موحدة تقود الاحتجاجات على المستوى الوطني وتربط المطالب الطلابية بالصراع الاجتماعي الأوسع، رغم حضور النقابات والتنظيمات الطلابية وبعض القوى اليسارية والثورية.
وهنا تحضر تجربة السترات الصفراء عام 2018، التي استطاعت التعبير عن سخط اجتماعي واسع وهز الشارع الفرنسي، لكنها بقيت مشتتة سياسيًا وتنظيميًا ومن دون قيادة طبقية موحدة قادرة على تحويل السخط إلى مشروع سياسي متماسك.
بدأت الحركة على شكل احتجاج عفوي مستقل ثم اتخذت زخمًا شعبيًا بفعل انخراط النقابات. فقد ولدت الاحتجاجات التلاميذية الأولى خارج الأحزاب والنقابات، في ثانوية واحدة، وانتشرت تحركاتها عبر مقاطع «تيك توك» — أشهرها حوار قناة «بوسكا-بي» مع ثمانية تلاميذ من كريتاي الذي شوهد 1.5 مليون مرة. وقد تحولت هذه الحركة العفوية إلى تعبئة واسعة وزخم جماهيري كبير بفضل استعمال وسائل التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك» و«سناب شات»، التي أججت انخراط النقابات التلاميذية والطلابية، ثم دعوة الاتحاد الديمقراطي للعمل للاحتجاج الوطني التي شكلت نقطة تكثيف وتوحيد وتجذير لهذه النضالات المجزأة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاحتجاجات العفوية غير قادرة على نقل مستوى المطالب والضغط إلى مرحلة تهدد أركان الدولة وتعطل مصالح رأس المال دون وجود تنظيم قادر على المبادرة بخطوات تمكن من تجميع أكبر سند شعبي لهذه المطالب وتلف عليها أكبر قدر من القوى الشعبية. وتجدر الإشارة بهذا الخصوص لتجربة السترات الصفراء الرائدة على مستوى التعبئة العمالية والاحتجاجات المتواصلة والصمود في وجه القمع الأهوج الذي لاقته هذه الحركة، حيث فقد حوالي 20 مشاركًا فيها عيونهم بسبب قصفهم المتعمد والمجاني من طرف الشرطة. وتعتبر تجربة السترات الصفراء مهمة اليوم لفهم التحديات التي تواجه الحراك التلاميذي الطلابي الشعبي. فالاتحاد النقابي للتلاميذ ائتلاف من ثماني نقابات صغيرة، والاتحاد الطلابي يمتلك خبرة سياسية أكبر، لكنه لا يتجاوز عمره السنتين وبلا تجذر جماهيري.
وفي هذا السياق تأتي دعوة الاتحاد الديمقراطي للعمل لخوض يوم وطني احتجاجي كمبادرة مهمة لتركيز الاحتجاجات وتجميع كافة القوى الشعبية في مبادرة نضالية واحدة أعطت زخمًا شعبيًا كبيرًا للاحتجاجات التلاميذية والطلابية. كذلك في غياب تنظيم سياسي مبادر، تظل الحركة العفوية للجماهير، متروكة لذاتها، في حدود نضالات مجزأة ووعي مطلبي-نقابي يمكن الالتفاف عليه بالمناورات والتنازلات البسيطة، التي يمكن بسهولة التراجع عنها، والقمع الهمجي. وهنا تأتي الحاجة لتنظيم سياسي يعمم النضالات ويوحد المطالب والمبادرات ويمنحها أفقًا سياسيًا.
والسؤال، هل سيجري احتواء الحركة أو تفتيتها وتمييع مضمونها الطبقي داخل صراعات الهجرة والدين والهوية؟ أم ستلتقي حركة الطلاب بصورة أعمق مع العمال والمدرسين والنقابات، وتظهر قوة ثورية حقيقية قادرة على تحويل السخط العفوي إلى صراع طبقي واعٍ ومنظم؟
الجواب لم يُكتب بعد، وتطورات الشارع الفرنسي هي التي ستحدد الاتجاه. وتبقى المهمة التاريخية هي تحويل الانتفاضة العفوية إلى صراع طبقي واع ومنظم، يصهر الشبيبة والعمال تحت قيادة ثورية وفي افق ثوري حقيقي.
9 اكتوبر 2026



