الاحتجاجات الشعبية في سورية … ليست فقط أزمة محروقات
غاندي شيخو
لقد قالها الأمين العام لحزبنا الشيوعي السوري الراحل الدكتور عمار بكداش: ” يمكن أن تشهد البلاد هزات اجتماعية كبيرة، فسرعان ما سيتحول و يتبدل المزاج الشعبي تحت تأثير بؤس المعيشة، فالبرادات الفارغة ستكون أكثر تأثيراً مما تبثه التلفزيونات من خطب مشبعة بدعوات غيبية لا تطعم جائعاً و لا تؤدي أبدا الى تحسن الواقع المعيشي للجماهير الشعبية “.
على الطرق السريعة في حلب، أوقف المحتجون بالحجارة صهاريج نقل النفط، وفي إدلب، سكب شاب البنزين على جسده محاولاً إحراق نفسه احتجاجاً على انهيار سبل العيش. هذه ليست مشاهد حرب عائدة، بل هي الصورة الحقيقية لموجة احتجاجات تجتاح أكثر من عشر محافظات سورية، بعد الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات.
إذا كانت التنازلات الوطنية والسياسية تقدم كطبق بارد على أنها انتصارات، فإن ارتفاع كلفة المعيشة قد وصل مباشرة إلى مطابخ الأسر السورية العادية، وأشعل الشوارع…
عندما أعلنت السلطة ارتفاع سعر المازوت بنسبة 40%، والبنزين بأكثر من ربع قيمته، لم يعد الثقل الملقى على كاهل المواطن قادرة أن تخفف منه الخطب الرنانة عن الاستثمارات القادمة ووعود “إعادة الإعمار”، بل أرخى بثقله في فاتورة أسطوانة غاز، ولتر مازوت، أي في فاتورة البقاء اليومي بأبسط صوره.
الشرارة المباشرة لهذه الاحتجاجات واضحة ومحددة. فقد أعلنت وزارة الطاقة السورية عن هذه الزيادة، إذ ارتفع سعر المازوت من 125 ليرة سورية للتر إلى 175 ليرة، بنسبة 40 بالمئة ؛ والبنزين أوكتان 95 من 152 ليرة إلى 195 ليرة، بنسبة تقارب 28%؛ وحتى أسطوانة الغاز المنزلي، أبسط احتياجات الأسرة، لم تنجُ من الارتفاع، إذ زاد سعرها نحو 9%.
وتبرر السلطة القائمة ذلك بأنها “إجراءات مؤقتة”، عازيةً إياها إلى تقلبات سوق الطاقة العالمية واعتماد سوريا الكبير على الاستيراد. ويقول مسؤولو وزارة الطاقة إن السبب هو حصار مضيق هرمز والحرب الروسية الاوكرانية وتوتر سلاسل التوريد العالمية، وإن قدرات التكرير المحلية محدودة، فمصفاة بانياس تخضع لعملية صيانة شاملة تستغرق ثلاثة أشهر ما دفع الحكومة إلى الموازنة بين الكلفة وسعر البيع. متناسين هنا وعن قصد أن سوريا بلد منتج للنفط ولايمكن محاسبة الشعب على أن كل الاحتياجات يتم حسابها بأسعار البورصات العالمية.
لكن بكل الأحوال هذا الخطاب التقني لم ينجح في تهدئة الغضب في الشوارع.
مفتاح فهم هذه الاحتجاجات يكمن في رؤية الحقيقة الإنسانية الكامنة خلف الأرقام.
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما كانت هذه النسبة نحو الثلث فقط قبل اندلاع الأحداث عام 2011. وفي ظل ركود الدخل شبه التام، فإن أي ارتفاع في أسعار المواد الأساسية يعني ضغطاً كارثياً.
يقول سائق تاكسي أن الركاب بدأوا يشتكون من ارتفاع الأجرة، وما لا يستطيع شرحه لهم هو أن تكلفة الوقود تلتهم دخله الضئيل أصلاً. وأضاف: “غداً سترتفع أسعار الخضار، وكل شيء سيرتفع. لا نجد حلاً. هل نسرق؟ نحن لا نستطيع فعل ذلك.”
يكشف هذا الكلام حقيقة تحجبها البيانات الاقتصادية المجردة: في السياق السوري الراهن، سعر المحروقات ليس مجرد سعر محروقات. إنه خط الأساس لكلفة النقل، وضريبة خفية على أسعار الغذاء، والرجاء الوحيد للتدفئة في الشتاء. وعندما يرتفع سعر المازوت، ترتفع كلفة نقل الطحين إلى المخابز، وتتعطل مولدات المستشفيات، وتتوقف المضخات عن رفع الماء إلى الطوابق العليا، سلسلة الحياة الهشة بأكملها معلقة بالحبل ذاته الذي يتقطع الآن.
في مواجهة ضغط البقاء، تصبح فعالية السرديات الغيبية والخطابات التلفزيونية محدودة للغاية. فعندما تكون ثلاجة البيت فارغة، تبدو كل “الخطابات السامية” باهتة بلا معنى.
في موقع الاحتجاج بحلب، قال أحد المتظاهرين، “المعابر تدرّ ملايين الدولارات يومياً، نحن لا نريد دوّاراً ولا مركز تسوق، نريد فقط أن نعيش.” هذه العبارة صادمة في صراحتها. إنها تعبر عن منطق بسيط لا يقبل الجدال: المعيار النهائي لشرعية السلطة لا يكمن في بلاغة الخطاب، بل في قدرة المائدة العادية على الصمود.
تكمن قوة “سياسة الثلاجة” في أنها غير قابلة للتفاوض. قد تستطيع أن تغلف التنازلات في حدود الجغرافيا السياسية بادعاءات الانتصارات في الاجتماعات الدولية، وأن تناقش بنود الدستور. لكن حين تكتشف الأم أنها لا تستطيع شراء الغاز لطهي طبق عدس لأطفالها، تفقد كل المناقشات معناها. إنها تنزل إلى الشارع، لا لأن أحداً حرّضها، بل لأن الدافع البيولوجي للبقاء هو ما يحركها.
وصفت وسائل إعلام دولية هذه الاحتجاجات بأنها “الأوسع منذ سقوط النظام السابق”. فمن ريف حلب وإدلب شمالاً، إلى دير الزور والحسكة شرقاً، وصولاً إلى السويداء جنوباً، غطت التظاهرات جميع الأقاليم الجغرافية السورية الرئيسية تقريباً.
17 سبتمبر 2026



