النقابات والسلطة الظلامية

مراد الخوري

إن نضالات الحركة العمالية في سورية منذ نشأتها ارتبطت بشكل عضوي مع نضالات الحزب الشيوعي في سورية، فتم تشكيل أول نقابة بعد تأسيس الحزب الشيوعي، وهي نقابة عمال التريكو بدمشق، وصدر في نهاية عام 1925 جريدة “العمال” لسان حال الحزب الشيوعي، وقد نشر العدد الأول نداءً موجهاً إلى بروليتاريا سورية يدعوهم فيه إلى تكوين لجنة من أجل تأسيس نقابات عمالية على أساس الفروع.

واعتبارًا من أول أيار 1926 إلى أيلول 1926، لم تتوقف الإضرابات العمالية، والتي كانت تشتعل بين الحين والآخر.

وفي عام 1930، خرج الحزب الشيوعي علنًا إلى المسرح السياسي من أجل مجابهة شعارات وبرامج القوى الرجعية والإصلاحية للنقابات بشعارات الحزب. وفي عام 1930، أصدر الحزب كراسًا بعنوان “لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري؟ غايته وشيء من برنامجه” يحتوي على عناوين، منها مطالب الحزب لتحسين حياة العمال، ويدعو للعمل من أجل حكومة للعمال والفلاحين. وفي سنة 1930، ظهرت جريدة “الفجر الأحمر” التي كرست جهودها للكتابة عن الحركة العمالية.

ورغم ما فرضته سلطة الانتداب، استمرت الحركة العمالية وبدعم من الشيوعيين في النضال أكثر فأكثر. ففي عام 1932، انطلقت مظاهرة ضخمة قام بها عمال النسيج في مدينة حمص، هبَّ الحزب الشيوعي لتأييدها، وألَّف الشيوعيون في دمشق لجنة لدعم المضربين ماديًا ومعنويًا، وقادوا إضرابًا مشهورًا لعمال الطباعة.

وفي سنتي 1933-1934، حدث 45 إضرابًا اشترك فيها أكثر من 50 ألف شخص، منها 15 إضرابًا جرى إعدادها والقيام بها تحت قيادة الحزب الشيوعي.

وفي عام 1935، أصدر الرفيق خالد بكداش كراسًا بعنوان “في سبيل حكومة وطنية وفي سبيل تطوير البلاد زراعيًا وصناعيًا”، طالب فيه بسن قانون للعمل بإمكانه الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، وشدد الحزب نشاطه داخل صفوف الطبقة العاملة، وهيأ الجو لتوحيد سائر النقابات في مركز عمالي موحد. ونتيجة لهذا العمل، جرى اجتماع في مكتب اتحاد نقابات العمال بين 18 و22 آذار 1938، وفي هذا الاجتماع تم تكوين الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا برئاسة الشيوعي مصطفى العريس.

وفي سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، أخذت الحركة النقابية تصعد من نضالاتها من أجل تحقيق المزيد من المكاسب للطبقة العاملة. وقد وضع حزبنا بقيادة الرفيق خالد بكداش برنامجًا كاملاً لما تريده وتطالب به الطبقة العاملة وحركتها النقابية.

ووجه الحزب بقيادة القائد التاريخي لحزبنا النقابات للاعتصام والإضراب من أجل إصدار تشريعات تصون حقوق العمال وتسمح بتشكيل النقابات بكل حرية. وقد استجابت الحركة النقابية لتلك المطالب لتحقق أهدافها منها:

1. العمل لتنظيم جميع العمال في الحركة النقابية وجلبهم للنضال في سبيل حقوقهم وتلبية مطالبهم، ولكون العمل النقابي مدرسة للنضال الطبقي.

2. النضال لتحقيق وحدة العمال على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم تحت مظلة الدفاع عن حقوقهم المشتركة.

3. تنشيط جماهير العمال وحثهم على الانضمام إلى التنظيم النقابي وممارسة حقوقهم النقابية.

ولم ينسَ الحزب للحظة واحدة المهمة الرئيسية لنضال الشيوعيين، وهي إدخال الوعي الطبقي الاشتراكي في صفوف الطبقة العاملة.

وقد أوصى الرفيق خالد بكداش بأنه ينبغي ألا يكون أي وهم لدى العمال بأنه من الممكن الوصول إلى الاشتراكية عبر النضال النقابي، بل هو أحد ميادين النضال من أجل مصالح العمال الاقتصادية.

لقد وضع الرفيق خالد بكداش توجيهات ومهمات الشيوعيين الأساسية في الحركة النقابية من أجل تعزيز عوامل الصمود في كافة المجالات. أبرز هذه المهام:

1. الدفاع عن الإنتاج الوطني.

2. ضرب مواقع البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية التي تنهب الدولة والشعب معًا.

3. توسيع الحريات الديمقراطية للجماهير الشعبية وقواها الوطنية والتقدمية.

4. الحفاظ على دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي.

5. إعادة النظر بقوانين الاستثمار وتعديلاته، ومنع تغلغل الرأسمال الأجنبي في الاقتصاد الوطني.

6. ربط الأجور بالأسعار وزيادة الأجور، وتمويل الزيادات من مصادر حقيقية.

7. حماية عمال القطاع الخاص وحقهم في الأجور المناسبة وشروط عمل مناسبة، وعدم تشغيل الأحداث والنساء في الأشغال الشاقة.

8. شمول كافة العاملين بالرعاية الصحية وتوفير الاعتمادات اللازمة للطبابة المجانية.

9. تسوية أوضاع العمال المؤقتين والوكلاء وتثبيتهم.

مع العلم أن قيادة الاتحاد العام لنقابات العمال، بحكم علاقاتها مع مختلف أجهزة الدولة وحزب البعث العربي الاشتراكي، كانت تقوم داخليًا بتنفيذ السياسيات الرسمية في أوساط الطبقة العاملة، وهذا أدى إلى عزوف العمال عن المشاركة في العمل النقابي بسبب تقلص دوره الطبقي في الدفاع عن العمال، وإبعاد العمال المؤهلين نقابيًا لصالح الفئة الانتهازية من العمال.

إن التوسع الذي حصل في صفوف الطبقة العاملة السورية كان بالأساس من المنشأ الريفي، مما ترك أثره على الوعي السياسي والطبقي لجماهير الطبقة العاملة.

وعرَّف الرفيق الخالد خالد بكداش النقابة بأنها مدرسة العمال ومنظمة تضامنهم، تجمعهم على معتقداتهم وميولهم السياسية، وتناضل في سبيل مصالحهم الاقتصادية. وقال أيضًا: إن كل نقابة لكي تعيش وتنمو، فلابد من توفر شرطين أساسيين لها:

1. النضال في سبيل حقوق العمال ومطالبهم أولاً.

2. تأمين الديمقراطية في قلب النقابة ثانياً.

وفي سورية، بعد سقوطها بيد قوى ظلامية لا وطنية كما شخصها حزبنا، تم الاستيلاء على النقابات، وجرت عدة محاولات لحل النقابات. ولكن نتيجة الضغط الدولي من الاتحاد العالمي لنقابات العمال، جرى ترويض النقابات لصالح السلطة الظلامية، وتبني سياساتها تجاه العمال ومطالبهم وحقوقهم. ويتم العمل على تشويه التاريخ النضالي للاتحاد العام لنقابات العمال ومواقفه الوطنية.

يُجرى العمل على تحويل النقابات إلى جمعيات تعتمد نهج التعاون على البر والتقوى.

يتبنى الاتحاد العام لنقابات العمال السياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للسلطة الظلامية. ومن تلك السياسات:

1. فصل مئات الآلاف من العمال لأسباب طائفية وعرقية، وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

2. الاستيلاء على الاتحاد العام للنقابات بدون وجه حق، فالذين يقودون الاتحاد حاليًا ليسوا من الطبقة العاملة، بل هم فصائل استولت على التنظيم النقابي على مبدأ الغنيمة.

ينبغي على العمال والقوى الوطنية صون وحماية التنظيم النقابي، لما له من أهمية قصوى في الدفاع عن حقوقهم. إن الإرث النضالي للنقابات يجعلها مؤهلة لهذه المهمة.

لكي تبقى النقابات مدرسة العمال ومنظمة تضامنهم في الدفاع عن القطاع العام، الذي يسعون بكل ما أوتوا من قوة للقضاء عليه وخصخصته لصالح القوى المحتلة لوطننا سوريا.

25 مايو 2026

مزيد من المقالات