كلمة قيادة الحزب الشيوعي السوري في احتفال التأبين

كلمة قيادة الحزب الشيوعي السوري في احتفال التأبين الذي أقامته اللجنة المنطقية للحزب بالسويداء بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة الأمين العام للحزب الرفيق عمار بكداش

ألقاها عضو المكتب السياسي للحزب:

الرفيقات والرفاق ….. الحضور الكريم

أحييكم جميعاً باسم اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي السوري ومكتبها السياسي، في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الرفيق الأمين العام الدكتور عمار بكداش، والتي تتزامن مع الذكرى الأولى لمجازر الإبادة الجماعية في السويداء التي ارتكبتها السلطة الاستبدادية الظلامية.

نقف اليوم في رحاب بلدة الكفر وبين أهلها الأكارم، البلدة التي شهدت أولى معارك الثورة السورية الكبرى “معركة الكفر”، والتي عندما زار الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ساحتها في تموز 1940، متأملاً آثارها كتب يقول: لهذه الملحمة شأن كبير في تاريخ النهضة السورية.

أولاً: لأنها جعلت الثورة أمراً مبرماً.

ثانياً: لأنها دلت على أن الحق الصريح وإن نقصته العدة والعدد قادر على مقاومة القوى المتجبرة بجيوشها الجرارة.

ثالثاً: لأنها القت عبء القيادة العامة للثورة على عاتق الزعيم الذي انتصر فيها هذا الانتصار الباهر، مشيراً بذلك الى قائد الثورة السورية الكبرى المناضل سلطان الأطرش.

كل التقدير والإجلال لتضحيات الشهداء الذين رووا بدمائهم الطاهرة أرض بلدة الكفر بمواجهة قوى الاستعمار الفرنسي، دفاعاً عن سوريا ومن أجل سوريا حرة مستقلة ذات سيادة، سوريا “الدين لله والوطن للجميع”.

الحضور الكريم: وداع المناضلين ليس وداعاً للغياب، بل هو استمرار لمسيرتهم الممتدة في الذاكرة والوجدان.

إنها لحظات تختلط فيها الدموع بالأمل، لتوثيق سيرة من قبضوا على جمر المبادئ ونذروا حياتهم للوطن وللشعب.

رحل الدكتور عمار بكداش، لكن إرثه النضالي بقي خالداً في وجدان الشعب السوري والحركة الشيوعية والعمالية العالمية.

كان ابن المدرسة الماركسية – اللينينية الأصيلة، صوتًا حرًّا في زمن الصمت، ووجهًا نقيًّا من وجوه النضال العربي التقدمي.

يُحسَب للرفيق الراحل عمار بكداش أنه كان أول من قدم تحليلا عميقا وصائبا لطبيعة التغيير الذي جرى في سوريا بتاريخ 8 كانون أول 2024، حيث قال: ” لقد جرى استبدال سلطة مطلقة ذات توجه وطني برغم كل التشوهات، بسلطة مطلقة ذات طابع ظلامي لا وطني بالرغم من كل المحاولات لتجميلها “.

واصفاً نهج هذه السلطة: أنه القمع في الداخل المترافق مع المجازر والنهب والإفقار، أما فيما يخص الخارج فالخشوع أمام أمريكا وحكام الخليج، والخنوع للصهاينة والعمالة السافرة لتركيا والمستترة لبريطانيا “.

نعم لقد جاءت مجازر الساحل السوري ثم السويداء لتؤكد صوابية هذا التحليل المبكر.

فرغم قيام أقطاب هذه السلطة بارتداء البدلات الرسمية وربطات العنق! إلا أن كل هذا زال لدى أول منعطف وبانت التكشيرة المتوحشة.

إن ما تعرضت له السويداء هو جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، إنها حرب إبادة جماعية وعملية تطهير ممنهجة! راح ضحيتها الاف الشهداء ومئات الأسرى والمخطوفين، كما تم نهب وحرق 36 قرية وتهجير أكثر من 160 ألف مواطن.

حينها وبتاريخ 18 تموز 2025 أصدر حزبنا بياناً بعنوان “الخزي والعار لجرائم الظلاميين” أدان به هذه الجرائم وعَرّى أكاذيب إعلام السلطة، كاشفاً الطبيعة الاستبدادية الظلامية لها وانخراطها في المشاريع الاستعمارية الهادفة لتفتيت البلاد.

كما قام رفاقنا في منظمة الجزيرة للحزب الشيوعي السوري وبتاريخ 31 تموز 2025 بوقفة تضامنية مع أهالي السويداء أمام مكتب هيئة الأمم المتحدة بالقامشلي تم خلاله تسليم بيان تضامني مع السويداء باللغتين العربية والانجليزية.

المجد والخلود لتضحيات الشهداء الذين روت دماؤهم الزكية أرض جبلنا الأشم، وستبقى ملحمة البطولة والفداء التي سطروها رايات عز وفخار، لن نقبل التفريط بها ولا المساومة عليها.

الحضور الكريم: مثّل الرفيق عمار بكداش طوال عقود، رمزًا للثبات على المبادئ، والنزاهة في العمل، والتواضع في القيادة، وساهم في ترسيخ دور الحزب الشيوعي السوري كقوة وطنية تقدمية راسخة، تدافع عن الاستقلال والسيادة والكرامة والتقدم الاجتماعي.

كان يؤمن بأن الدفاع عن الوطن والدفاع عن لقمة الشعب لا ينفصلان، وأن النضال لأجل التحرر الوطني والنضال لأجل العدالة الاجتماعية هما معركة واحدة، وأن الجماهير الكادحة الواعية والمنظمة بقيادة الحزب الثوري هي القادرة على صناعة التاريخ.

وبقي وفياً لهذه المبادئ حتى الرمق الأخير، ففي أحلك الظروف وأقساها أكد الرفيق عمار بكداش أن السلطة الاستبدادية الظلامية الحاكمة في دمشق لا تتسم بأي ملمح وطني، ولا توجد فيها أي ذرة من الوطنية، بل هي سلطة عميلة للإمبريالية وللأنظمة الإقليمية الرجعية، ومنبطحة أمام إسرائيل الصهيونية.

بالإضافة لذلك هي سلطة معادية بشكل شرس للشعب في جميع جوانب سياستها الداخلية.

وإن النهج الليبيرالي الاقتصادي الذي كان الحكم السابق يطبقه بشكل تدريجي متسارع، تسعى السلطة الحالية الى فرضه بالشكل الأكثر توحشًا وبطريقة الصدمة.

يتبدى هذا من خلال خصخصة معظم مؤسسات قطاع الدولة، والرفع الكبير لأسعار حوامل الطاقة والمواد المعيشية، وتسريح الجزء الأكبر من العاملين في الدولة تحت ذرائع مختلفة.

كما أن وضع القطاع الخاص الإنتاجي ليس بأفضل، إذ يجري إغراق السوق المحلية ببضائع دول الجوار وخاصة تركيا، والمنشآت التي صمدت طوال فترة الحرب، الآن بطريقها نحو الإفلاس!

أما الحديث عن جلب الاستثمارات الأجنبية! فأي مستثمر سيتجرأ على الاستثمار في بلد تعربد في ارجائه عصابات مسلحة لا قيد عليها ولا رباط!

يؤكد حزبنا الشيوعي السوري أن هذه العوامل مجتمعة ستؤدي عاجلاً وليس آجلاً إلى نتائج كارثية في وضع الإنتاج والحالة المعيشية المتدهورة أصلاً لغالبية الشعب.

ونتيجة لذلك يمكن ان تشهد البلاد هزات اجتماعية كبيرة، فسرعان ما سيتحول المزاج الشعبي تحت تأثير بؤس المعيشة، والبرادات الفارغة ستكون أكثر تأثيرا مما تبثه التلفزيونات من خطب مشبعة بدعوات غيبية لا تطعم جائعاً.

يؤكد حزبنا الشيوعي السوري أن لا مستقبل لسوريا ولا عدالة ولا استقرار إلا بزوال هذه السلطة الاستبدادية الظلامية، وكل حديث عن حلول وسط هو محاولة لإعادة إنتاج الخراب بثوب جديد، وأي كلام حول أن طريق الحل يكمن في الحوار مع هذه السلطة هو وَهمٌ ضار بالمصلحة الوطنية.

فسوريا تستحق دولة وطنية ديمقراطية لا مجرد إصلاح لسلطة ساقطة أخلاقياً ووطنياً.

الحضور الكريم: لقد عرف وطنُنا سابقًا أيّامًا مظلمةً كالتي يمرُّ بها حاليًّا، ولكنَّه اجتازَها بفضلِ نضالِ شعبِنا البطوليِّ في سبيلِ الحرِّيَّة.

واليوم تنتصب أمام الشعب السوري وقواه السياسية الحية مهمات جسام تتمثل في:

استعادة الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية الكاملة

النضال للحفاظ على وحدة التراب الوطني وتحرير كل ذرة من ترابه

بناء سوريا الوطنية الديمقراطية

وهذا ما يستدعي وحدة صف كل القوى الوطنية الخيرة في بلادنا من أجل مواجهة الاستبداد الظلامي وإسقاطه، ومن أجل السير بوطننا نحو أفق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وإننا على ثقة أن شعبنا العظيم سليل أبطال ميسلون وأبطال الثورة السورية الكبرى، صانعي مآثر الجلاء لقادر على أن يحقق ذلك مرة أخرى.

لا تحسب الأرض عن إنجابها عقرت من كل صخر سيأتي للفدا جبل

فالغصن ينبت غصناً حين نقطعه والليل ينجب صبحاً حين يكتمل

ستمطر الأرض يوما رغم شحتها ومن بطون المآسي يولد الأمل

اليوم نُعاهدُ الراحلَ الكبيرَ الرَّفيقَ عمّار بكداش، الأميَن العامَّ للجنةِ المركزيَّةِ لحزبِنا، أنَّ الشيوعيِّين السُّوريِّين سيبقَون أوفياءَ، ومهما كانت التَّضحيات، للنِّضالِ من أجلِ بناءِ مجتمعِ العدالةِ الاجتماعيَّة، مجتمعِ الاشتراكيَّة، وأن تبقى رايةُ الماركسيَّة–اللينينيَّة خفَّاقةً عاليًا في سماءِ سوريا.

لذِكرَاكَ الخلودُ، أبا خالد عمار بكداش

يَا رَاحِلاً وَالْعِزُّ فِي كَفَّيْهِ

مَا غَابَ نَهْجٌ أَنْتَ تَحْمِلُهُ

يَا شَاعِلَ الآمَالِ فِي وَطَنٍ

لَمْ تَنْحَنِ الْهَامَاتُ مِنْ تَعَبٍ

تَمْضِي وَخَلْفَكَ قَافِلَةٌ

عَهْدٌ عَلَى الأَحْرَارِ نَحْفَظُهُ

نِمْ يَا شَهِيدَ الدَّرْبِ فِي شَرَفٍ

فَجْرُ الْبِلاَدِ بِعَزْمِنَا آتٍ.

2 اغسطس 2025

مزيد من المقالات