في المسألة الصحية تعددت الأسباب والأسماء … والموت واحد!
د. فداء الريان
اعتذر مسبقا من الشاعر ابن نباتة السعدي الذي قال: من لم يمت بالسيف مات بغيره … تعددت الأسباب والموت واحد.
ففي أيامنا هذه صار من الأصح القول: من لم يمت بسيف الاستبداد الظلامي التكفيري، مات بالليبرالية الاقتصادية المتوحشة! تعددت الأسباب والأسماء والموت واحد!
ففي مقابلة مع شبكة CNNالاقتصادية، أوضح مدير هيئة الاستثمار في سلطة الاستبداد الظلامي التكفيري بدمشق، أن الدولة تمتلك 71 مستشفى حكومياً، مشيراً إلى أن التوجه اليوم يقوم على إعطاء هذه المستشفيات للقطاع الخاص لإدارتها والاستفادة من عوائدها بالشراكة مع الدولة.
لكن هيئة الاستثمار في سورية عادت ونفت فورا وجود نية لخصخصة القطاع الصحي، مؤكدة أن ما يجري هو في سياق بحث نماذج للإدارة الحديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، مشددة على أن الهدف من هذه النماذج يتمثل في تحسين آليات العمل والخدمات ورفع كفاءتها.
هكذا نجد أن هذه السلطة اليوم وكما كانت على الدوام تلجأ للبهلوانيات الكلامية والتلاعب بالمفاهيم والى الكذب والخداع لتبرير وتمرير مشاريعها المعادية لمصالح عموم الشعب السوري.
فنفيها هذا هو نفي بموضع التأكيد، وهو تبرير بمنطق من يفسر الماء بعد الجهد بالماء!
نحن نعلم أن التشاركية هي شكل من أشكال الخصخصة، حيث تستخدم الشراكة بين القطاعين العام والخاص كغطاء لخصخصة مقنعة، فيتم نقل إدارة أو تشغيل المرافق العامة للقطاع الخاص تحت مسميات التطوير والحداثة ورفع الكفاء، وهذا النهج يؤدي غالباً إلى زيادة الأسعار وارتفاع معدلات البطالة وفقدان الدور الاجتماعي للدولة، محولاً الأصول العامة للدولة إلى فرص ربحية حصرية للقطاع الخاص.
إنها الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، حيث من أبرز ملامح التشاركية كغطاء للخصخصة:
1\ نقل الإدارة والتشغيل: تفريغ المؤسسات العامة من محتواها عبر إسناد الصيانة، الإدارة، والتسويق لشركات خاصة، مما يجعل القطاع العام عاجزاً وتابعاً.
2\ تغليب الربح على الخدمة: تسعى الشركات الخاصة إلى تحقيق أقصى ربح، مما يتعارض مع أهداف الخدمة العامة والعدالة فيها.
3\ غياب الرقابة الفعالة: غالباً ما تكون العقود مبهمة وتفتقر لآليات رقابة حكومية صارمة، مما يسمح للقطاع الخاص بالهيمنة.
4\ عقود طويلة الأمد: إبرام عقود استثمار طويلة الأجل تشبه في نتيجتها البيع النهائي لأصول الدولة.
لقد صدر قانون التشاركية في سوريا، المعروف باسم القانون رقم 5 عام 2016، وحينها وقف حزبنا الشيوعي السوري ضد هذا القانون، حيث جاء في البلاغ الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي السوري بتاريخ 31\7\2021 ما يلي: “نحن نحذر من المشاريع التي تم اعدادها لتحويل منشآت القطاع العام الى شركات مساهمة عمومية وشركات مشتركة، فهذه خطوة خطيرة باتجاه الخصخصة الشاملة للقطاع العام الإنتاجي والمصرفي والخدمي … “.
كما نبه الحزب إلى إنه مهما كانت أشكال هذه التشاركية فمضمونها واحد وهو الحصول على الربح الطفيلي الأكبر على حساب الإنتاج الوطني ومعيشة الشعب.
اليوم المتابع الموضوعي لما يجري في سوريا، يرى أنه إذا كانت السلطة السابقة في مراحل حكمها الأخيرة تعبر عن مصالح البرجوازية الكبيرة الجديدة ذات الطابع الكومبرادوري، فالسلطة القائمة حاليا تحمل معها رواسب بقايا الإقطاع وتطلعات البرجوازية الكومبرادورية أيضا من خلال ارتباطها بتركيا وقطر ومغازلتها للولايات المتحدة الأمريكية وللسعودية وباقي دول الخليج.
ومن الواضح أن النهج الليبرالي الاقتصادي الذي كان الحكم السابق يطبقه بشكل تدريجي لكن متسارع، تريد السلطة الحالية فرضه بشكل الصدمة.
فلطالما روج جهابذة الليبرالية الاقتصادية في سوريا لمقولة أن الخصخصة ستجعل الرعاية الصحّية أكثر كفاءة ومتاحة للجميع! فهذا الافتراض الذي تروج له بشكل كبير مؤسسات مثل البنك الدولي، يتماشى أيضاً مع مصالح الرأسمال المحلي والأجنبي التي يرى في قطاع الصحة فرصة استثمارية مربحة باعتباره قطاعاً يتمتع بمناعة نسبية ضد التقلبات الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة.
لكن الماء يكذب الغطاس! فالأبحاث والحقائق أثبتت عكس هذا الافتراض حيث تبين أن الخصخصة غالباً ما تؤدي إلى تقليص أعداد الكوادر الطبية، وتراجع جودة الرعاية الصحية وارتفاع معدلات الوفيات، وزيادة الفجوات في العدالة الصحية حتى في البلدان مرتفعة الدخل كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا! فما بالك بدولة كسوريا!
هذا ما خلصت اليه دراسة نشرت في مجلة “لانسيت” للصحة العامة، بعد أن طرحت السؤال التالي: هل يصلح منطق اقتصاد السوق للمجال الصحي؟ وكانت الإجابة لا.
في بريطانيا مثلا تبين أنه كل 1% زيادة في الإنفاق على الخصخصة، أدى إلى ارتفاع بنسبة 0.38% في معدلات الوفيات القابلة للعلاج، علاوة على ذلك كان إسناد خدمات التنظيف في المستشفيات الى القطاع الخاص سبباً في زيادة العدوى بالمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للمعالجات التقليدية، وهي عدوى خطيرة يصعب علاجها وقد تكون قاتلة، ويعود ذلك الى تراجع معايير النظافة نتيجة تدابير خفض التكاليف.
في الولايات المتحدة، حيث يعد النظام الصحي أحد أكثر الأنظمة خصخصةً في العالم، كشفت دراسة نشرت في BMJ عام 2023 أن المستشفيات المدارة من قبل الشركات الخاصة شهدت ارتفاعاً في معدلات الوفيات بين المرضى بنسبة 25% وعزت الدراسة ذلك إلى إجراءات تقشّفية صارمة، مثل تقليل أعداد الطاقم الطبّي وتقليص مدة إقامة المرضى في المستشفى.
في ألمانيا، التي تعتمد على نظام رعاية صحية مختلط يجمع بين التأمين العام والمشاركة القوية للقطاع الخاص، أدت خصخصة المستشفيات إلى نتائج لا تختلف عن مثيلاتها في بريطانيا والولايات المتحدة.
تؤكد هذه الأمثلة من دول مختلفة أن الخصخصة ليست بالضرورة طريقاً لتحسين الرعاية الصحية، بل قد تكون مصدراً لتفاقم الأزمات الصحية وتقويض جودة الخدمات عندما يكون الدافع الأساسي هو الربح على حساب حياة المرضى.
كذلك سلّطت الدراسة الضوء على التراجع في إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية بسبب الخصخصة، فمع تزايد اهتمام مقدمي الخدمات الصحية الخاصة بالمرضى الذين يملكون تأميناً خاصاً أو القدرة على الدفع المباشر، واجهت الفئات الشعبية المنخفضة الدخل عوائق متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، كما ارتبطت الخصخصة بزيادة فترات الانتظار للحصول على مواعيد مع الأطباء في مختلف الاختصاصات.
في الشرق الأوسط يمثل لبنان مثالاً صارخاً على الخصخصة في المنطقة، وهي ظاهرة ترسخت منذ ثمانينيات القرن الماضي، فاليوم يعتمد 80% من النظام الصحي اللبناني على القطاع الخاص، لكنه منذ الأزمة الاقتصادية في العام 2019 تدهورت المؤشرات الصحية بشكل كبير، وانخفضت قدرة المواطنين على الوصول إلى الرعاية الطبية بشكل غير مسبوق.
هذه الحقائق نضعها أمام جماهير الشعب السوري وقواه السياسية وليس على طاولة سلطة الاستبداد الظلامي!
الحزب الشيوعي السوري لا يمكن له أن يساهم في نشر هكذا أوهام، إننا نعلم علم اليقين أنها حقائق تقع في تناقض تناحري مع مصالح هذه السلطة الاستبدادية الظلامية وارتباطاتها الإقليمية والدولية.
يرى الحزب الشيوعي السوري أن مواجهة الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، تقتضي حشد الهمم ورص الصفوف وتوسيع الصلات مع الجماهير التي ارتأت أن ترى في حزبنا الثبات على المبدأ والنزاهة في خدمة الشعب.
كما يقتضي تشكيل تحالف واسع من القوى الوطنية المعتمد على الجماهير الشعبية، يؤدي لقيام سلطة وطنية ديمقراطية كنقيض جذري للحكم الاستبدادي الظلامي العميل.
هذا التحالف والذي هو مهمة راهنة وكبيرة، يجب ألا يبقى أسير البيانات والتصريحات، بل من الضروري ومن منظور المصلحة الوطنية العليا يجب أن يجد الطريق ليرى النور والحياة، ومسيرة الأف ميل تبدأ بخطوة واحدة!
