شنكال… جريمة الإبادة في سياق مشروع تفتيت المنطقة

شنكال… جريمة الإبادة في سياق مشروع تفتيت المنطقة

فرمان رشو

“عندما تتحول الأوطان إلى ساحات للفوضى، يصبح السؤال ليس: من ارتكب المجزرة؟ بل: من صنع الظروف التي جعلت المجزرة ممكنة؟”

لم تبدأ مأساة شنكال في الثالث من آب عام 2014، بل بدأت يوم فُتحت أبواب الفوضى في العراق، ويوم قررت الإمبريالية هدم الدولة الوطنية تحت شعارات “الديمقراطية” و”الشرق الأوسط الجديد”. فمنذ غزو العراق عام 2003، وما تبعه من تفكيك مؤسسات الدولة، وإطلاق العنان للطائفية والانقسامات، دخلت المنطقة مرحلة غير مسبوقة من العنف، كان الإرهاب أحد أخطر نتائجها.

وفي هذا السياق، لم تكن شنكال حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من المآسي التي بدأت مع الاحتلال، ومرّت بفضائح سجن أبو غريب، والدمار الذي لحق بمدينة الفلوجة، ثم مجزرة سبايكر، وصولاً إلى مجزرة كوجو وحصار جبل شنكال، حيث تكشفت واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث.

في الثالث من آب 2014 اجتاحت عصابات داعش الإرهابية قضاء شنكال، لتنفذ جريمة منظمة بحق أبناء شعبنا الإيزيدي. فقد قُتل ما يقارب 3100 إيزيدي خلال الأيام الأولى للهجوم، بينهم نحو 1400 أُعدموا ميدانياً، فيما قضى المئات عطشاً وجوعاً على جبل شنكال. كما اختُطف نحو 6800 من النساء والأطفال، وتعرضت آلاف النساء للاستعباد، بينما اضطر أكثر من 400 ألف إنسان إلى النزوح من ديارهم. أما مجزرة كوجو، فستبقى شاهداً على وحشية الإرهاب، بعد إعدام مئات الرجال وسبي النساء والفتيات، إلى جانب المجازر التي شهدتها خانصور وزوماني وخرو فارم، وعشرات المقابر الجماعية التي ما زال يجري اكتشافها حتى اليوم.

وفي عام 2006، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس أن ما يجري في المنطقة هو “مخاض شرق أوسط جديد”. ولم يكن هذا الإعلان، في تقديرنا، سوى التعبير السياسي عن مشروع يستهدف إعادة رسم خريطة المنطقة عبر الحروب والفوضى وتفكيك الدول الوطنية وإشعال الانقسامات القومية والطائفية.

وقد كان الرفيق الدكتور عمار بكداش يحذر مبكراً من هذا المشروع، ويصفه بأنه مشروع “صهيون الكبرى”، مؤكداً أن النتيجة العملية لما يسمى “الشرق الأوسط الجديد” ليست بناء دول مستقرة، بل تفكيك الأوطان وتحويلها إلى كيانات متصارعة يسهل إخضاعها، بما يضمن استمرار الهيمنة الإمبريالية والتفوق الصهيوني.

وقد لخّص فلاديمير لينين طبيعة هذه السياسات عندما وصف الإمبريالية بأنها “أعلى مراحل الرأسمالية”. فالإمبريالية لا تكتفي بالسيطرة الاقتصادية، بل تلجأ، عندما تعجز عن فرض هيمنتها بصورة مباشرة، إلى الحروب، وإثارة الفوضى، واستغلال الانقسامات الداخلية، من أجل إعادة إنتاج سيطرتها وخدمة مصالح الاحتكارات الكبرى.

ولا يمكن الحديث عن مأساة شنكال دون التأكيد على ضرورة كشف الحقيقة كاملة بشأن جميع الظروف والملابسات التي سبقت اجتياح تنظيم داعش للمنطقة، وتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية والإدارية، بما يضمن تحقيق العدالة للضحايا وعدم تكرار مثل هذه المآسي. إن معرفة الحقيقة ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته تبقى مطلباً مشروعاً لأهالي الضحايا ولجميع المؤمنين بالعدالة.

وللأسف، فإن مسلسل الدم لم يتوقف عند شنكال. فما شهدته منطقتنا لاحقاً من أعمال قتل وانتهاكات استهدفت المدنيين، بما في ذلك الأحداث الدامية في الساحل السوري والسويداء، يؤكد أن إذكاء الانقسامات واستهداف الأبرياء لا يؤدي إلا إلى مزيد من تمزيق المجتمعات وإضعاف الدول، وأن الشعوب هي التي تدفع دائماً الثمن الأكبر.

لقد سالت دماء الإيزيديين في شنكال، كما سالت دماء العرب والكرد والآشوريين والسريان والتركمان وسائر أبناء المنطقة في العراق وسوريا، لكن الخاسر الحقيقي كان دائماً شعوب المنطقة، بينما استفادت الاحتكارات الكبرى، وتجار السلاح، وكل مشاريع الهيمنة التي تعيش على الحروب والانقسامات وتغذيها.

ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لشهداء شنكال لا يكون بالخطابات وحدها، بل بالنضال من أجل تحرير الإنسان من الاستغلال، وتحرير الأوطان من الإمبريالية، والدفاع عن وحدة الشعوب، وبناء مجتمع العدالة الاجتماعية الذي لا مكان فيه للإرهاب، ولا للطائفية، ولا للاضطهاد، ولا لكل المشاريع التي تسعى إلى تقسيم أوطاننا وإخضاعها.

المجد والخلود لشهداء شنكال، ولكل شهداء شعوبنا الذين سقطوا دفاعاً عن أوطانهم وكرامتهم.

والنصر لقوى التحرر والتقدم، حتى تنتصر إرادة الشعوب على مشاريع الهيمنة والتقسيم.

4 اغسطس 2026

مزيد من المقالات