عندما يتجاوز ثمن الخبز راتب شهر… سياسة بيع الوهم وإنتاج اليأس
غاندي شيخو
في أحد أحياء دمشق، يصف متقاعدٌ حياته بجملة واحدة: راتبه الشهري بالكاد يكفي لشراء خبز عائلة لشهر واحد. هذه ليست مجازاً، بل حسابٌ يومي تعيشه ملايين العائلات السورية في 2026.
لقد ابتكرت السلطة الظلامية في سورية فنّاً دقيقاً للحكم: أن تشتري صمت اليوم بوعد الغد. جوهر هذا الفن ليس القمع وحده، بل السردية آلةٌ لا تتوقف عن إنتاج الأمل، ولا تتوقف عن إفراغه من مضمونه. حين تكتشف أمٌّ أن ابنها عمل شهراً كاملاً ولم يستطع شراء حذاء، يُقال لها إن «الإصلاح يحتاج وقتاً». وحين يحسب فلاحٌ أن محصوله الناضج لا يكفي لثمن المازوت، يُقال له إن «الوطن يتعافى». الوقت هنا ليس بُعداً محايداً، بل خندقٌ يحمي السلطة، وصبر الناس هو أول ما يُستهلك في هذا الخندق.
تنطوي السياسة الاقتصادية الحالية على ازدواجية غريبة: وجهٌ يضرب بدقة، ووجهٌ يتخلّى بشكل منهجي.
بالنسبة للعاملين في القطاع العام، تبدو «الزيادات» أشبه بلعبة مهرّجين مُحكمة الإخراج. في آذار 2026، أُعلن عن زيادة بنسبة 50٪، ثم في أيار ظهر ما سُمّي «الزيادة النوعية»، حيث انتُقيت بعض الوظائف في قطاعات محددة كالصحة والتعليم لمنحها امتيازاً إضافياً. والنتيجة أن شخصين يؤديان العمل ذاته في المستشفى نفسه قد يتقاضيان راتبين يفصل بينهما عشرة أضعاف.
وفي الأرياف، يعمل منطقٌ آخر. أعلنت الحكومة في أيار 2026 عن مكافأة إضافية قدرها 9000 ليرة عن كل طن قمح. خبرٌ تغنّت به وكالات الأنباء الرسمية. لكن الفلاح، بعد أن يحسب البذار والسماد والمازوت والعمالة، يكتشف أن الطن الواحد، حتى مع هذه «المكافأة»، لا يشتري طنّاً من السماد المركّب.
لفهم «سياسة التطمينات»، لا بد من اختراق سطح السردية الرسمية. تقول الحكومة إن «التضخم يتراجع»، لكن تقريراً لبرنامج الأغذية العالمي يكشف حقيقة أكثر برودة: وفق حساب «سلة الحد الأدنى من الإنفاق» — وهي سلة لا تشمل حتى الإيجار والمواصلات والتعليم والصحة — فإن عاملاً يتقاضى الحد الأدنى للأجور لا يستطيع تغطية سوى 47٪ من تكاليفها.
وإذا أُدخلت النفقات غير الغذائية في الحساب، يصبح المشهد أكثر قتامة. مؤشر شهري مستقل يُظهر أن التكلفة الفعلية للحد الأدنى من المعيشة لأسرة من خمسة أفراد تقترب من 8 ملايين ليرة سورية — أي أكثر من ستة أضعاف الحد الأدنى للأجور. بعبارة أخرى، «الحد الأدنى للأجور» الرسمي لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من البقاء لأسبوع واحد.
وتُظهر بيانات التضخم الشهرية لمركز الدراسات السياسية السورية أن قطاع السكن والمرافق وحده سجّل تضخماً سنوياً بلغ 59٪ في آذار 2026. عاملٌ يدفع كل راتبه لإيجار غرفة، ثم يمدّ يده في الشارع طلباً للطعام؛ هذا هو المخطط الذي أعدّته «الإصلاحات الاقتصادية» لفقراء المدن.
تتحوّل قرى الحسكة إلى مدن أشباح. الكثير من الأسر الفلاحية هجرت أرضها نهائياً، إلى المدن أو إلى أبعد من ذلك. السبب بسيط إلى حدّ الوجع: كلفة زراعة هكتار قمح واحد، بما فيها البذار والسماد والمازوت والآلات، تجاوزت كل عائدات الحصاد.
لكن ثمة طبقة إضافية من القهر تكتمل بها الصورة: تأخّر صرف فواتير القمح للفلاحين لشهور طويلة. فبعد أن سلّم الفلاح محصوله إلى مراكز التسويق الحكومية، بدأ فصلٌ جديد من المعاناة: انتظارٌ طال لأشهر، وقد يمتد إلى الموسم التالي، قبل أن تُصرف مستحقاته. أموالٌ يصفها الفلاح بأنها «محبوسة في أدراج الدولة»، بينما هو مُطالَبٌ في الوقت نفسه بتسديد ديون البذار والسماد للموسم المنقضي، وتأمين تكاليف الموسم القادم بالأسعار الجديدة المرتفعة.
والنتيجة أن الفلاح يجد نفسه أسير حلقة مفرغة: محصوله سُلّم، وماله مؤجّل، ودينه حالّ، وموسم الزراعة المقبل يقف على الباب. فلا هو قادر على تأمين البذار والمازوت في وقتهما، ولا على الوفاء بالتزاماته المتراكمة. وهكذا يتحول التأخير الذي يبدو إجراءً إدارياً إلى أداة ضغط مالية تخنق الفلاح من رقبته، وتجعله مديناً لمَن يملك المال، عاجزاً عن التخطيط حتى لموسم واحد.
تأخير صرف الفواتير ليس تأجيلاً لدَين، بل إضافةٌ مضاعفة إليه. فبينما ينتظر الفلاح ماله، تتآكل قيمته بالانخفاض اليومي لليرة، ويرتفع ثمن مستلزمات موسمه القادم. هذا هو المسار الذي يدفع أكثر من 95٪ من الفلاحين إلى الهجرة لأسباب «اقتصادية بحتة»، وترجمة ذلك بلغة البشر: الزراعة تعني الإفلاس، وتركها يعني الجوع، فاختاروا طريقاً ثالثاً: الاختفاء.
الجفاف سبب جزئي، لكن الجرح الأعمق بنيوي: الفلاح مضطر لشراء كل مستلزماته: السماد والمبيدات والبذار وحتى بعض قطع الآلات بالدولار، بينما يبيع محصوله باليرة السورية التي تنخفض قيمتها يومياً، ولا يستلم ثمنه إلا بعد شهور. فمخاطر سعر الصرف والانتظار يتحملها بالكامل أفقرُ حلقةٍ في الإنتاج، وهذه سرقة مؤسسية لا تستطيع أي نظرية «عقلانية اقتصادية» تبريرها.
يمكن تلخيص استراتيجية السلطة في سورية بعبارة واحدة: إدارة الانتظار. لا تُسرع في حل أي مشكلة، لأن استمرار المشكلة نفسه أداة حكم. شعبٌ قلق على وجبته القادمة لن يملك الطاقة ليسأل عن الدستور أو العدالة.
وهنا يتبدى التناظر الصارخ: الموظف ينتظر راتبه المتأخر، والفلاح ينتظر فاتورة محصوله المحجوزة، والمتقاعد ينتظر زيادة لا تلبث أن يبتلعها التضخم. الدولة تُنتج الانتظار على كل المستويات، وتجعل منه أسلوب حكمٍ لا مجرّد عجزٍ إداري.
هذا هو جوهر «سياسة التطمينات»: تعديلات تقنية هامشية: زيادة 50٪، ومكافأة قمح، ودعم موجّه تصنع وهم «أن الحل قيد المعالجة»، بينما يبقى توزيع السلطة والثروة البنيوي ثابتاً لا يتحرك. يُطلق «إنجاز» بين حين وآخر، ثم يُترك ليتبخر في البيروقراطية والتضخم.
إذا كانت هذه هي طبيعة السلطة، فإن السؤال لم يعد «متى تُصلَح؟» بل «ما العمل؟». والجواب لا يمكن أن يبدأ من انتظار مبادرةٍ من فوق، لأن الانتظار ذاته هو الفخ.
المبدأ الذي افتتحنا به أن خندق السلطة مبني من الوقت يحمل شرطاً قاتلاً: أن يقف الوقت في صفّ الحاكم. لكن حين تتجاوز سرعة الانكماش الاقتصادي سرعة ترقيع السرديات، وحين تكتشف أسرٌ متزايدة أنها مهما اجتهدت لن تستطيع تأمين قوتها، عندها ينقلب الوقت على صاحبه.
الحساب السياسي الراهن بسيط: الحكومة تسيطر على أجهزة الأمن وقنوات المعلومات، لكنها لا تسيطر على معدات الناس. وحين تكتشف أمٌّ أن طفلها يعاني من تقزّم بسبب سوء التغذية، تصبح «سردية الإصلاح» في نظرها بلا قيمة. الجوع هو أصدق معلّق سياسي.
هذه السلطة تراهن على أمر واحد: أن خوف السوريين من الفوضى أكبر من خوفهم من الجوع. تراهن على أن الأغلبية تفضّل التحمّل في سفينة تغرق ببطء، على أن تقفز في ماء مجهول.
لكن التاريخ يثبت مراراً: حين تتجاوز كلفة الحفاظ على الوضع القائم كلفة إسقاطه، يُخرق عقد الصمت في ليلة واحدة.



