معاناة لا تلوح في أفقها بارقة أمل…
راسم علي
تمر سورية في مرحلة هي الأشد قسوة على مستوى معيشة المواطن، فبعد سنوات الحرب الطاحنة، ها هي الجماهير تُنهَك مجدداً بفعل أزمة اقتصادية خانقة. ناتجة عن السياسات الاقتصادية و الاجتماعية الليبرالية المتوحشة للسلطة الظلامية و المعادية للإنتاج الوطني و مصالح المنتجين .حيث يعيش السوريون واقعاً مريراً تتقاسمه صعوبات متراكمة، من ارتفاع جنوني لأسعار المحروقات والمواد الأساسية، إلى انقطاع متواصل للمياه والكهرباء، مروراً بتآكل قيمة الرواتب وتكرار الفصل التعسفي للمئات من العاملين، وصولاً إلى انهيار القطاع الصحي وخصخصته وتحوله إلى عبء إضافي على المواطن العاجز .
لم يعد المشهد المعيشي يختلف كثيراً بين مدينة وأخرى ، إذ تشهد مختلف المدن السورية احتجاجات شعبية تعكس حالة الغضب العارم من تردي الأوضاع ، إلا أن هذه الاحتجاجات تلقى غالباً تجاهلاً رسمياً أو مقاربة أمنية لا تقدم حلولاً، بل تزيد من حالة الإحباط . في مشهد رمزي ، هتف المحتجون في دمشق وحمص بـ “الكهرباء حق وليست رفاهية”، احتجاجاً على ارتفاع الفواتير بشكل فاق قدرة الجميع ، ما يعكس انفصالاً واضحاً بين هموم الناس وسياسات الحكومة .
إنّ حجم المعاناة الذي وثّقته تقارير دولية يكشف كارثة إنسانية صامتة، حيث يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج نحو 17 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، فيما يواجه أكثر من 9 ملايين خطر انعدام الأمن الغذائي . إن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو عقاب جماعي يتحمله المواطن البسيط الذي وجد نفسه فجأة دون شبكة أمان اجتماعي، بعد أن كانت الدولة توفر الحد الأدنى من الدعم للخبز والمازوت والأدوية . لقد تحول الحلم الذي كان يعلّقه الكثيرون على التغيير إلى كابوس معيشي يومي، حيث باتت “اللقمة” هي الهمّ الأكبر .
تمر سورية بلحظة فارقة، فإذا كانت الجماهير قد صبرت طويلاً ، فإن صبرها اليوم يوشك على النفاذ. الخيار أمام القوى الوطنية واضح: إما أن تكون صوت الشعب المطالب بالحقوق العادلة، و العمل معاً لإسقاط السلطة القائمة أو أن تكون شاهدة على انهيار ما تبقى من الدولة والمجتمع. الكلمة الآن للشارع، وصمته لن يدوم طويلاً ، و نتيجة ذلك وكما قال الرفيق الراحل عمار بكداش : يمكن أن تشهد البلاد هزات اجتماعية كبيرة ، فسرعان ما سيتحول المزاج الشعبي تحت تأثير بؤس المعيشة . فالبرادات الفارغة ستكون أكثر تأثيراً مما تبثه التلفزيونات من خطب مشبعة بدعوات غيبية لا تطعم جائعاً و لا تؤدي أبداً الى تحسن الواقع المعيشي للجماهير الشعبية .



