في متاهة التعليم….أقساط خيالية ومدارس بلا مقاعد

في متاهة التعليم….أقساط خيالية ومدارس بلا مقاعد

راسم علي

مع إعلان “الاندماج”، دخلت الأسر في الحسكة متاهة لا يعرفون فيها أي منهاج سيُدرس أو كيف ستُدار المدارس ، بينما وجدت المدارس الخاصة في هذا الغموض فرصة لاستغلال الأهالي . والمشهد الأكثر إيلامًا : تلاميذ يجلسون على الأرض في مدارس حكومية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة .

في ظل هذا الارتباك، يجد الأهالي أنفسهم مضطرين للجوء إلى المدارس الخاصة التي لا تتردد في استغلال الموقف . يصل القسط السنوي للتلميذ الواحد إلى 600 دولار ، وهو مبلغ خرافي بالنسبة لعائلة سورية تعاني أساساً من تردي الأوضاع المعيشية . وتتفاقم المأساة حين تكون الأسرة لديها أكثر من تلميذ ، حيث تتحول هذه الأقساط إلى جبل من الديون التي لا قبل لأحد بها .

لكن القسط ليس النهاية ، بل البداية فقط . فسرعان ما تتفاجأ الأسر بقائمة طويلة من المستلزمات المدرسية التي تُحمّلها عبئاً إضافياً لا يُطاق :

_ الدفاتر والقرطاسية : أسعارها قفزت بنسبة تجاوزت 70% مقارنة بالعام الماضي ، مع عدم توفرها بأسعار مدعومة في أغلب مناطق المحافظة .

_ الألبسة والزي المدرسي : بات سعر الزي الواحد يتجاوز 150 ألف ليرة سورية ، ومعظم الأسر تضطر لشراء زيَّين على الأقل للتبديل .

_ النقل والمواصلات : في غياب النقل المدرسي الحكومي ، يضطر الأهالي لتأمين مواصلات خاصة لأبنائهم ، بكلفة شهرية لا تقل عن 30 دولاراً للتلميذ .

وبجمع هذه التكاليف، يتبين أن المبلغ الحقيقي الذي تدفعه الأسرة يتجاوز 800 دولاراً سنوياً للتلميذ الواحد، وهو رقم يعادل دخل عائلة كاملة لأشهر عدة في محافظة تعاني من ارتفاع البطالة والفقر المدقع . وهنا يتجلى السؤال المرير : كيف لعائلة متوسطة أن تعلّم ثلاثة أطفال في هذه الظروف ، وهي تكافح أصلاً لتأمين الخبز والدواء ؟

وهذا الرقم ليس معزولًا ففي دمشق وريفها، تراوحت أقساط المدارس الخاصة بين 600 و2500 دولار سنويًا، وفي حلب نحو 800 دولار، وفي اللاذقية بين 400 و900 دولار، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 30% في ريف حلب مقارنة بالعام الماضي . والأكثر إثارة للقلق أن هذه الأقساط تتجاوز السقوف التي حددتها وزارة التربية سابقًا , مستغلة ثغرات مثل “الخدمات التعليمية المكملة” و”المنهج الإثرائي” لفرض رسوم إضافية تشمل النقل واللباس .

بينما تنشغل المدارس العامة بـ”تفاصيل وتعاميم على الورق” ، يعكس الواقع الميداني صورة مختلفة تمامًا . ففي اليوم الأول من العام الدراسي 2026-2027، رُصدت مدارس في مدينة الحسكة ، خاصة في الأحياء الجنوبية ، تفتقر إلى أبسط التجهيزات : مقاعد ، أبواب ، نوافذ ، وحتى مياه شرب نظيفة ، مما اضطر الطلاب للجلوس على الأرض . وتعاني 70% من الأبنية المدرسية في المحافظة من وضع سيئ وتحتاج لترميم عاجل ، مع عجز يصل إلى 10 آلاف مقعد دراسي .

وهذا يتناقض مع التصريحات الرسمية عن “جاهزية المدارس” لاستقبال الطلاب ، مما يثير تساؤلات حول مصداقية الأرقام المعلنة .

يتفاقم الوضع بسبب الغموض الكبير حول المناهج الدراسية. فمع بدء تنفيذ اتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة ، لا تزال الآلية مجهولة . فقد أعلن مدير تربية الحسكة استمرار منهاج “الإدارة الذاتية” حتى 2028 كمرحلة انتقالية ، بينما تتحدث تصريحات أخرى عن اعتماد المنهج الوطني مع إدراج مقرر لتعليم اللغة الكردية . هذا التضارب يترك الأهالي في حيرة من أمرهم ، بينما تتصاعد التجاذبات حول اللغة في بعض المدارس .

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا : إلى متى؟ إلى متى ستظل العملية التعليمية رهينة التجاذبات السياسية والصراعات الإدارية؟ إلى متى يتحمل الأهالي أعباءً مالية تفوق طاقتهم في ظل غياب بدائل حكومية جدية؟ إن مستقبل أجيال كاملة في الحسكة يُرهن بهذا الفشل التراكمي ، وآن الأوان لوضع حد لهذه المعاناة من خلال حلول جذرية تعيد للتعليم دوره كحق أساسي لا يُنتزع من الأطفال ، لا كسلعة تباع لأعلى مزايد .

12 سبتمبر 2026

مزيد من المقالات